شهد المغرب خلال الأسبوع الأخير سلسلة أحداث متداخلة سياسياً واقتصادياً تكشف أن المرحلة الحالية ليست مجرد تدبير يومي للشأن العام، بل محاولة إعادة ضبط نموذج الدولة في سياق إقليمي ودولي متوتر. واللافت أن أغلب التطورات لم تكن منفصلة، بل تشكل خيوطاً في لوحة واحدة: اقتصاد ينمو لكن تحت ضغط اجتماعي، ودبلوماسية تتحرك بالتوازي مع الاستثمار، ودولة تتعامل في الوقت نفسه مع الأزمات الطبيعية والرهانات الاستراتيجية.
أول أبرز الأحداث كان إعلان مقترح سياسي جديد لتسوية نزاع الصحراء بعد محادثات دولية غير معلنة سابقاً. المقترح يقوم على توسيع الحكم الذاتي عبر مؤسسات تشريعية وقضائية محلية مع بقاء السيادة للدولة المركزية. أهمية هذا التطور ليست فقط في مضمون الحل، بل في توقيته: فالمغرب يربط الملف السياسي مباشرة بشرعيته التنموية. الدولة هنا تقدم رسالة واضحة مفادها أن النموذج الذي تعرضه ليس ترابياً فقط، بل نموذج حكم اقتصادي-اجتماعي أيضاً.
التحول اللافت أن أطرافاً دولية وازنة بدأت تتعامل مع الحل باعتباره أرضية واقعية أكثر من كونه مجرد مقترح تفاوضي، ما يعكس انتقال الملف من منطق النزاع إلى منطق التدبير السياسي طويل الأمد. بهذا المعنى لم يعد الملف محصوراً في الدبلوماسية بل أصبح جزءاً من تصور المغرب لدوره الإقليمي في غرب المتوسط والساحل.
بموازاة ذلك، ظهرت مؤشرات اقتصادية تعزز هذا الخط السياسي. فقد أكدت تقارير مالية دولية استمرار نمو الاقتصاد المغربي بحوالي خمسة في المئة تقريباً، مدعوماً بالاستثمار العمومي والخاص وانتعاش الفلاحة بعد تحسن التساقطات المطرية .
القراءة السياسية لهذه الأرقام أهم من قيمتها التقنية. فالدولة تراهن على أن الاستقرار الاجتماعي لا يأتي عبر الخطاب السياسي بل عبر الأثر المعيشي. لذلك نلاحظ أن الحكومة أصبحت تدير الإصلاحات الاقتصادية بمنطق التوازن: زيادة الاستثمار دون خنق القدرة الشرائية. وهذا يفسر تركيزها على مشاريع إنتاجية لا استهلاكية، أي خلق الثروة قبل توزيعها.
في السياق نفسه برز حدث استثماري كبير يتمثل في إنشاء مصنع صناعي ضخم لمكونات الطائرات قرب الدار البيضاء باستثمار مئات الملايين من اليورو. هذا المشروع لا يتعلق فقط بقطاع صناعي جديد، بل بإعادة تموقع المغرب داخل سلاسل الإنتاج العالمية، خاصة الأوروبية.
فالدولة لم تعد تكتفي بجذب الشركات كمناولة منخفضة الكلفة، بل تحاول الاندماج في الصناعات ذات القيمة التكنولوجية العالية. صناعة الطيران تحديداً تمثل انتقالاً من اقتصاد التصدير التقليدي إلى اقتصاد المعرفة الصناعية. ومع كل مشروع من هذا النوع، يصبح الاقتصاد أقل هشاشة أمام تقلبات السياحة أو الفلاحة.
وفي المقابل واجه المغرب خلال الأسبوع نفسه أزمة طبيعية قوية تمثلت في فيضانات واسعة في الشمال الغربي أدت إلى نزوح عشرات الآلاف وإغراق مساحات زراعية كبيرة. الحكومة أعلنت خطة إعادة إعمار وتمويل للبنية التحتية ودعم الفلاحين والمقاولات الصغيرة.
سياسياً، إدارة الكوارث أصبحت اختباراً مباشراً لثقة المواطنين. فالدولة هنا لا تقاس بخطاباتها بل بسرعة تدخلها. اللافت أن السلطات تعاملت مع الأزمة بمنطق مزدوج: إغاثة اجتماعية عاجلة ثم تحويلها إلى فرصة اقتصادية عبر إعادة تأهيل الطرق والأنظمة المائية. وهذا جزء من فلسفة جديدة تقوم على أن الاستثمار في البنية التحتية هو أيضاً سياسة اجتماعية غير مباشرة.
أما مالياً فقد سجلت الإيرادات الجبائية ارتفاعاً ملحوظاً نتيجة إصلاحات ضريبية حديثة، وهو مؤشر مهم لأنه يوضح أن الدولة بدأت تنتقل من اقتصاد يعتمد على الرسوم غير المباشرة إلى نظام جبائي أكثر انتظاماً.
هذا التحول يعني عملياً توسيع القاعدة الضريبية بدل رفع الضغط على الفئات نفسها. سياسياً هو خيار حساس: فالإصلاح الضريبي في أي دولة يمثل إعادة توزيع للقوة داخل المجتمع. نجاحه يعني أن الدولة استطاعت التفاوض الضمني مع الفاعلين الاقتصاديين على عقد اجتماعي جديد يقوم على مقابل واضح: أداء الضريبة مقابل خدمات واستقرار.
وفي البعد الدولي، أعاد الاتحاد الأوروبي تأكيد شراكته مع المغرب وتوسيعها مالياً واستراتيجياً. أهمية هذا الحدث تكمن في أنه يأتي في سياق تنافس جيوسياسي متزايد على شمال إفريقيا.
فالمغرب يقدم نفسه كشريك استقرار وأمن طاقي وهجرة، بينما يبحث الأوروبيون عن نقطة ارتكاز جنوب المتوسط. وهكذا تتحول الشراكة الاقتصادية إلى تحالف سياسي غير معلن. الاستثمار الأوروبي في المغرب لم يعد مجرد تجارة، بل جزء من هندسة توازنات إقليمية.
عند جمع هذه الأحداث يتضح أن الأسبوع لم يكن عادياً.
هناك ثلاث رسائل رئيسية برزت:
أولاً: الدولة تحاول تحويل الملفات السياسية الكبرى إلى أدوات تنموية، وليس العكس. فالقضية الترابية أصبحت مرتبطة بالنموذج الاقتصادي.
ثانياً: الاقتصاد المغربي ينتقل تدريجياً من اقتصاد دورات مناخية إلى اقتصاد دورات استثمارية، أي من الاعتماد على المطر إلى الاعتماد على الصناعة والخدمات المتقدمة.
ثالثاً: الشرعية السياسية الجديدة لم تعد تبنى فقط على الاستقرار، بل على القدرة على التدبير: تدبير الأزمات الطبيعية، تدبير التفاوتات الاجتماعية، وتدبير العلاقات الدولية.
بذلك يمكن القول إن حصيلة الأسبوع تكشف مغرباً في طور إعادة تعريف نفسه: ليس دولة تبحث عن النمو فقط، بل دولة تحاول إنتاج توازن بين السيادة والتنمية. هذا التوازن هو التحدي الحقيقي، لأنه يتطلب إدارة دقيقة للتوقعات الاجتماعية.
فالنمو المرتفع يرفع سقف الانتظار الشعبي، وكل نجاح اقتصادي يخلق طلباً أكبر على العدالة الاجتماعية. وهنا تتحدد المرحلة المقبلة: هل يستطيع النموذج الجديد تحويل المؤشرات إلى إحساس جماعي بالتحسن؟
الأسبوع قدم مؤشرات إيجابية، لكنه أيضاً وضع الدولة أمام اختبار طويل، اختبار القدرة على تحويل الإنجازات المتفرقة إلى سردية وطنية واحدة يشعر بها المواطن قبل المستثمر.







0 التعليقات:
إرسال تعليق