في زمننا الحالي، نعتقد أن الحديث عن الحب بدأ مع الروايات الحديثة والأفلام والمسلسلات، لكن الحقيقة أن التراث العربي كتب عن الحب قبل ألف سنة بطريقة عميقة وصادقة. ومن أجمل ما وصل إلينا في هذا المجال كتاب "طوق الحمامة في الألفة والأُلاف" للعالم الأندلسي الكبير ابن حزم. هذا الكتاب ليس رواية، ولا ديوان شعر، بل هو أشبه بدراسة نفسية واجتماعية عن الحب كتبها إنسان عاش التجربة وتأملها وفهمها.
ابن حزم عاش في الأندلس، في قرطبة تحديدا، في القرن الخامس الهجري، وكان فقيها ومفكرا وفيلسوفا. ومع ذلك كتب عن الحب، وهذا ما يدهش القارئ: عالم دين كبير يتحدث عن العشق بجرأة وصدق دون أن يخجل أو يبتذل. بالنسبة له الحب ليس عيبا ولا خطيئة، بل شعور إنساني عميق خلقه الله في الإنسان.
يبدأ الكتاب بتعريف الحب. يقول إن الحب اتصال بين النفوس، شيء يقع فجأة بلا مقدمات واضحة، وقد يحدث بسبب نظرة أو كلمة أو حتى سماع وصف شخص لم نره. وهنا نجد أول فكرة حديثة جدا: الحب ليس دائما نتيجة الجمال فقط، بل قد يكون بسبب التوافق الروحي.
بعد ذلك يتحدث ابن حزم عن علامات الحب. يذكر أمورا نلاحظها حتى اليوم:
الشخص العاشق يكثر من النظر، يتتبع أخبار من يحب، يفرح لرؤيته ولو من بعيد، يحزن عند غيابه، ويحب كل ما يتعلق به. أحيانا يحب الأماكن التي مر بها، والأصدقاء الذين يعرفهم. ويقول أيضا إن العاشق قد يحاول إخفاء حبه لكنه ينكشف في صوته ونظراته وارتباكه.
ثم يدخل إلى مرحلة أعمق: كتمان السر.
يرى أن من أصدق أنواع الحب هو الذي يكتمه صاحبه خوفا على من يحب، وليس خوفا على نفسه فقط. وهنا يفرق بين حب صادق وحب استعراضي. فالحب الحقيقي هادئ، لا يحتاج إلى إعلان مستمر ولا إلى ضجيج.
يتحدث أيضا عن الصديق الوسيط، أي الشخص الذي ينقل الرسائل بين الحبيبين. في زمن ابن حزم لم تكن هناك هواتف ولا رسائل إلكترونية، لذلك كان الأصدقاء أو الخادمات أو الجيران يقومون بهذا الدور. المدهش أن كثيرًا من القصص التي يرويها تشبه ما يحدث اليوم لكن بوسائل مختلفة فقط.
ومن أجمل فصول الكتاب حديثه عن الوفاء.
يؤكد ابن حزم أن الحب الحقيقي لا ينتهي بسرعة، وأن من يحب بصدق يبقى قلبه وفيا حتى لو افترق الأحباب بالزواج أو السفر أو القدر. ويذكر قصصا لأشخاص بقوا يحبون طوال حياتهم رغم الاستحالة. هذه الفكرة قريبة من مفهوم الحب النقي أو الحب العذري.
لكن الكتاب ليس رومانسيا فقط.
ابن حزم يتحدث أيضا عن ألم الحب: الغيرة، الهجر، النسيان، الخيانة، الملل، وتغير القلوب. يعترف أن بعض العلاقات تنتهي، وأن بعض الناس يحبون ثم ينسون. ويشرح أن القلب يتبدل بطبيعته، وأن الحب ليس دائما أبديا، لكنه يظل تجربة تترك أثرا لا يمحى.
ويصل إلى فكرة مهمة جدا:
الحب لا يخضع للمنطق دائما.
قد يحب الإنسان من لا يناسبه، أو من لا يستطيع الوصول إليه، أو من يسبب له التعب. لذلك يرى أن العاقل هو من يحاول تهذيب مشاعره دون إنكارها.
من الأشياء الجميلة في الكتاب أن ابن حزم لا يتحدث بشكل نظري فقط، بل يروي قصصا واقعية من حياته ومن المجتمع الأندلسي: قصص فتيات أحببن من خلف النوافذ، شباب تعلقوا بنظرة في السوق، رسائل مخبأة في طي الثياب، ودموع في صمت. هذه القصص تجعل القارئ يشعر أن البشر متشابهون عبر القرون.
لغة الكتاب بسيطة رغم قدمها، لأن الكاتب يشرح الفكرة ثم يدعمها بحكاية أو بيت شعر. لذلك يعتبره كثيرون أول كتاب عربي في علم نفس الحب، قبل ظهور علم النفس الحديث بقرون طويلة.
أهم ما نتعلمه من "طوق الحمامة" أن الحب ليس مجرد علاقة بين شخصين، بل حالة إنسانية تكشف أخلاق الإنسان:
من يحب بصدق يصبح أرحم، أصدق، أوفى.
ومن يحب بتسلية يصبح أكثر قسوة وأنانية.
الكتاب أيضا يذكرنا أن وسائل التعبير تغيرت، لكن المشاعر لم تتغير. ما يحدث اليوم في الرسائل الخاصة ومواقع التواصل كان يحدث قديما عبر الورق والوسطاء. القلب هو نفسه عبر الزمن.
في النهاية، "طوق الحمامة" ليس كتابا قديما نقرأه للمعرفة فقط، بل مرآة نفهم بها أنفسنا. ربما لذلك بقي حيا بعد ألف عام، لأن الإنسان لم يتغير كثيرا: ما زال يبحث عن القرب، ويخاف الفقد، ويشتاق لمن يحبه.
إذا أردت أن تعرف نفسك أكثر، اقرأ هذا الكتاب… ستكتشف أن مشاعرك الحديثة كتبها إنسان عاش قبل ألف سنة.








0 التعليقات:
إرسال تعليق