الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الأربعاء، فبراير 18، 2026

ليلى شهيد التي جعلت من الثقافة ساحة للمقاومة : عبده حقي


توفيت يومه الأربعاء 18 فبراير 2026 الدبلوماسية الفلسطينية السابقة ليلى شهيد عن عمر ناهز 76 عاماً، الأربعاء، في بلدة لوك (إقليم غارد) بجنوب فرنسا، بعد معناة طويلة مع المرض، وفق ما أعلنت عائلتها لصحيفة لوموند.

ومثّلت شهيد فلسطين في فرنسا بصفة مندوبة عامة بين عامي 1993 و2006، قبل أن تتولى المنصب نفسه لدى الاتحاد الأوروبي في بروكسل بين 2006 و2015، حيث اضطلعت بدور بارز في الدفاع عن القضية الفلسطينية داخل الأوساط الدبلوماسية الأوروبية. كما كانت ضيفة متكررة على وسائل الإعلام الفرنسية.

هي امرأة جمعت بين الثقافة والسياسة، بين الحس الإنساني والرصانة الدبلوماسية، فحوّلت الدفاع عن شعبها من خطاب احتجاجي إلى خطاب معرفي وأخلاقي يخاطب ضمير الإنسانية قبل حكوماتها.

رحلت اليوم إحدى أبرز الوجوه الفلسطينية التي فهمت مبكراً أن المعركة لا تُخاض فقط في الميدان العسكري أو في قاعات التفاوض، بل كذلك في الجامعات والمتاحف والمسارح والكتب.

وُلدت ليلى شهيد في القدس سنة 1949 في عائلة فلسطينية مثقفة. نشأت في بيئة تعتبر الثقافة جزءاً من الهوية الوطنية، لا ترفاً فكرياً. كان والدها أستاذاً جامعياً، وكانت القدس آنذاك مدينةً تتقاطع فيها اللغات والديانات والتاريخ، وهو ما ترك أثراً عميقاً في شخصيتها.

لم تتجه مباشرة إلى العمل السياسي، بل اختارت أولاً طريق المعرفة. درست علم الاجتماع والأنثروبولوجيا، ثم عملت في المجال الأكاديمي والبحثي. وهذا التكوين العلمي سيصبح لاحقاً أحد أسرار تميزها الدبلوماسي: كانت تتحدث بلغة المفاهيم لا الشعارات، بلغة الإنسان لا الأيديولوجيا.

لقد آمنت مبكراً أن القضية الفلسطينية ليست مجرد صراع حدود، بل مسألة إنسان وثقافة وذاكرة. لذلك ظلت طوال حياتها تعتبر أن الاحتلال لا يهدد الأرض فقط، بل يهدد الرواية والتاريخ والهوية.

وقد انخرطت ليلى شهيد في العمل السياسي عبر منظمة التحرير الفلسطينية في سبعينيات القرن الماضي، لكنها اختارت طريقاً مختلفاً عن كثيرين: طريق الدبلوماسية الثقافية.

مثلت فلسطين سفيرةً في عدة عواصم، أبرزها:إيرلندا وهولندا وبلجيكا ولوكسمبورغ والاتحاد الأوروبي

في بروكسل تحديداً، برز اسمها عالمياً. هناك لم تكن مجرد ممثلة لدولة غير مكتملة السيادة، بل أصبحت شخصية أوروبية معروفة في الإعلام والجامعات ومراكز الفكر.

كانت تدخل البرلمان الأوروبي كما يدخل أستاذ محاضرة لا خطيب مظاهرة.

تميّزت ليلى شهيد بقدرتها النادرة على مخاطبة الغرب بلغته الفكرية والأخلاقية. لم تكن تعتمد على خطاب الضحية فقط، بل على خطاب العدالة. كانت تقول دائماً إن الفلسطيني لا يريد الشفقة، بل الاعتراف. لذلك ركزت على ثلاث أفكار أساسية: أن الاحتلال قضية قانون دولي قبل أن تكون قضية سياسية وأن الفلسطيني ليس مجرد لاجئ بل حامل حضارة وأخيرا أن السلام لا يمكن أن يقوم على ميزان القوة بل على ميزان الكرامة

وقد نجحت في تحويل النقاش الأوروبي حول فلسطين من ملف أمني إلى ملف حقوقي وإنساني. وهناك كثير من الجامعات الأوروبية بدأت تدرّس القضية الفلسطينية ضمن سياق الاستعمار الاستيطاني بفضل هذا التحول في الخطاب.

ربما كان أهم ما ميّز مسيرتها هو اقتناعها بأن الثقافة ليست نشاطاً موازياً للنضال بل إنها قلبه. وقد دعمت بقوة حضور الأدب والفن الفلسطيني في أوروبا من خلال المعارض التشكيلية وعروض السينما الفلسطينية وترجمات الروايات والشعر ومشاركة المثقفين الفلسطينيين في المهرجانات...

كانت ترى أن الجندي يدافع عن الأرض يوماً، أما الكاتب فيدافع عنها قرناً.

وقد لعبت دوراً بارزاً في تعريف القارئ الأوروبي بأسماء أدبية فلسطينية كبيرة، وساهمت في تحويل الأدب الفلسطيني إلى أحد أهم أبواب التعاطف العالمي مع القضية.

عاشت كامرأة في عالم سياسي ذكوري ولم تكن مسيرتها سهلة. فقد اشتغلت في فضاءين شديدي القسوة: هما عالم السياسة الدولية وعالم القيادة الفلسطينية التقليدي

لكنها فرضت حضورها بذكاء ناعم لا بصدام مباشر. لم تكن صوتاً عالياً، بل صوتاً واضحاً. لم تعتمد على الحماسة بل على الحجة والبرهان. ولهذا اكتسبت احترام خصومها قبل أصدقائها.

كان كثير من السياسيين الأوروبيين يعتبرون لقاءها أقرب إلى حوار فكري منه إلى جلسة دبلوماسية.

ما الذي تركته خلفها؟

تركت ليلى شهيد إرثاً يمكن اختصاره في فكرة واحدة: أن فلسطين ليست فقط جغرافيا مفقودة بل معنى إنساني عالمي.

لقد نقلت القضية الفلسطينية من صورة الخبر العاجل إلى فضاء الفكر العالمي. كما جعلت من الفلسطيني شخصاً له اسم وتاريخ ووجه، لا رقماً في نشرات الأخبار.

واليوم، في زمن الصورة السريعة والمواقف المتشنجة، تبدو تجربتها أكثر قيمة: تجربة دبلوماسية تعتمد الثقافة، وتفاوض بالعقل، وتخاطب الضمير.

برحيل ليلى شهيد تفقد فلسطين أحد أكثر وجوهها قدرة على الحوار مع العالم. تفقد نموذجاً من الدبلوماسيين الذين يربحون المعارك من دون ضجيج.

لم تكن زعيمة جماهيرية، لكنها كانت مؤثرة عميقة. لم تكن خطيبة ساحات، لكنها كانت صانعة وعي. لقد آمنت أن الدول تُبنى بالقوة، لكن القضايا العادلة تنتصر بالفهم.

وهذا ربما أعظم ما تركته: قناعة أن الثقافة يمكن أن تكون شكلاً من أشكال المقاومة، وأن الدبلوماسية قد تكون أحياناً أكثر ثورية من الخطاب الثوري نفسه.

رحلت ليلى شهيد… وبقيت فكرتها: أن الدفاع عن الوطن يبدأ بالدفاع عن إنسانية العالم.



0 التعليقات: