الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الجمعة، فبراير 20، 2026

اقتصاد البث المباشر وصناعة الانتباه: عبده حقي

 


في السنوات الأخيرة لم يعد “اللايف” في تيك توك مجرد وسيلة للتواصل أو الترفيه، بل تحول إلى ظاهرة اقتصادية وثقافية كاملة. المنصة تشجع المستخدمين بشكل واضح على البث المباشر، وتمنحهم مزايا خوارزمية، وترقي حساباتهم بسرعة، وتفتح أمامهم باب الهدايا الرقمية. هذا التشجيع ليس صدفة، بل جزء من منطق عميق يحكم اقتصاد المنصات الحديثة: اقتصاد الانتباه.

المنصة لا تعيش على الفيديوهات القصيرة فقط، بل على الزمن الذي يقضيه المستخدم داخل التطبيق. الفيديو القصير يجذب المستخدم، لكن البث المباشر يحتجزه. هناك فرق جوهري بين مشاهد يقضي عشرين ثانية في مشاهدة مقطع، ومشاهد يبقى خمساً وأربعين دقيقة داخل غرفة لايف يتفاعل بالتعليقات والهدايا. في الحالة الثانية يتحول المستخدم من متفرج إلى مقيم داخل المنصة، أي إلى مصدر دخل دائم.

لهذا السبب تدفع تيك توك صناع المحتوى إلى فتح اللايفات باستمرار. كل دقيقة إضافية يقضيها المستخدم داخل التطبيق تعني فرصة أكبر لعرض الإعلانات، وزيادة البيانات السلوكية، ورفع قيمة الشركة أمام المعلنين. نحن هنا أمام نموذج اقتصادي واضح: المحتوى ليس الهدف، بل الزمن.

البث المباشر يوفر شيئاً لا يستطيع الفيديو القصير تقديمه: العلاقة الحية. المستخدم يشعر أنه داخل حدث، لا أمام شاشة. يكتب تعليقاً فيرد عليه صاحب الحساب فوراً، يرسل هدية فيسمع اسمه، يطرح سؤالاً فيحصل على جواب مباشر. هذه التجربة تولّد شعوراً بالانتماء. المنصة تدرك أن الإنسان لا يبحث فقط عن المعلومة، بل عن الاعتراف بوجوده. اللايف يعطيه هذا الاعتراف.

لكن خلف هذه العلاقة الإنسانية يوجد نظام مالي دقيق. الهدايا الرقمية ليست مجرد قلوب وورود افتراضية. هي عملة اقتصادية حقيقية تُشترى بالمال. المستخدم يدفع، المنصة تأخذ النسبة الأكبر، وصاحب اللايف يحصل على جزء. لذلك كلما طال البث زادت احتمالات الدفع. اللايف هنا يشبه المقهى الرقمي الذي يجلس فيه الزبائن طويلاً فيشترون أكثر.

اللافت أن تيك توك لا يشجع فقط المشاهير، بل يشجع أي شخص على فتح بث مباشر. الهدف ليس صناعة نجوم فقط، بل صناعة مجتمع دائم الاتصال. كل مستخدم يمكن أن يصبح محطة بث، وكل غرفة لايف تصبح فضاء اجتماعياً صغيراً. آلاف الغرف تعني آلاف المجتمعات الصغيرة التي تبقي المستخدم داخل التطبيق ساعات يومياً.

هناك أيضاً بعد نفسي مهم. اللايف يخلق لدى صانع المحتوى إحساساً بالسلطة الرمزية. فجأة يصبح لديه جمهور حي، يسمعه ويستجيب له. هذا الشعور يدفعه للعودة يومياً للبث. المنصة تستفيد من هذا الارتباط العاطفي. صانع المحتوى لا يعود ينشر لأنه يريد فقط التعبير، بل لأنه أصبح مرتبطاً نفسياً بجمهوره وبالمنصة التي تمنحه هذا الإحساس.

كما أن الخوارزمية تمنح البث المباشر أفضلية في الانتشار. المستخدم الذي يفتح لايفاً يظهر لعدد أكبر من الناس مقارنة بفيديو عادي. الرسالة واضحة: البث أكثر قيمة من النشر التقليدي. وهنا يتحول اللايف إلى شرط للنجاح الرقمي. من لا يبث يتأخر، ومن يبث يصعد. هذه سياسة تحفيز ذكية لا تعتمد على الأوامر بل على المكافآت.

ومن جهة أخرى يوفر اللايف كنزاً من البيانات. في الفيديو القصير تعرف المنصة ماذا يشاهد المستخدم، لكن في البث المباشر تعرف ماذا يقول، ماذا يسأل، ماذا يضحكه، ومتى يدفع المال. هذا النوع من البيانات السلوكية أكثر دقة وقيمة لدى المعلنين. إنه أشبه بدراسة اجتماعية مباشرة لحظية على ملايين البشر في وقت واحد.

البث أيضاً يقلل تكلفة إنتاج المحتوى على الشركة. الفيديو المصوَّر يحتاج مونتاجاً وموسيقى وحقوق نشر أحياناً، أما اللايف فهو محتوى مجاني بالكامل من صنع المستخدم. المنصة لا تنتج شيئاً لكنها تحصل على نشاط متواصل بلا توقف. المستخدم هنا يعمل كمنتج إعلامي متطوع ضمن نظام ضخم لا يشعر به.

من زاوية أخرى يشكل اللايف اقتصاداً داخلياً موازياً. هناك “معارك”، ووكالات، وإدارات حسابات، ومنافسات على المراتب والهدايا. المنصة لا تدير هذا الاقتصاد مباشرة لكنها توفر بنيته الأساسية وتستفيد من عمولاته. إنه سوق رقمي كامل نشأ داخل التطبيق دون أن يبدو كذلك للمستخدم العادي.

النتيجة أن اللايف يخدم ثلاثة أهداف كبرى للمنصة: إطالة زمن البقاء، زيادة الإنفاق المالي، وجمع البيانات السلوكية. هذه الأهداف هي جوهر اقتصاد الشبكات الاجتماعية اليوم. فالقيمة الحقيقية ليست في عدد الفيديوهات، بل في كثافة الحضور البشري داخل التطبيق.

لهذا يبدو تشجيع اللايفات أحياناً مبالغاً فيه. إشعارات متكررة، اقتراحات فتح بث، ترقية الحسابات النشطة، وإبراز أصحاب اللايفات في الواجهة. كل ذلك ليس حباً في التواصل، بل استثماراً في انتباه المستخدم. المنصة لا تبيع المحتوى بل تبيع الوقت الذي نمنحه لها.

يمكن القول إن البث المباشر أعاد المنصات إلى شكل التلفزيون القديم ولكن بذكاء أكبر. في التلفزيون كان المشاهد يجلس أمام برنامج حي، أما الآن فهو يشارك فيه. المشاركة تجعل الانسحاب أصعب، لأن الإنسان لا يغادر مكاناً يشعر أنه حاضر فيه.

في النهاية اللايف ليس مجرد ميزة تقنية، بل حجر أساس في نموذج اقتصادي جديد يقوم على تحويل التفاعل الإنساني إلى قيمة مالية قابلة للقياس. المستخدم يظن أنه يتحدث، لكن المنصة ترى أرقاماً: دقائق، تعليقات، عملات، وأنماط سلوك. وبين الشعور الإنساني والحسابات الرقمية يتشكل عالم البث المباشر الذي أصبح القلب النابض لاقتصاد تيك توك.

0 التعليقات: