الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الجمعة، فبراير 20، 2026

قراءة في كتاب (الفجوة الرقمية والصحافة الثقافية) عبده حفي

 


يشكّل كتاب The Digital Divide and Cultural Journalism للباحث والإعلامي باول بوفر محاولة فكرية جريئة لإعادة تعريف موقع الصحافة الثقافية داخل العالم الرقمي، لا باعتبارها ضحية التحول التكنولوجي فقط، بل باعتبارها أيضا جزءاً من بنيته الإقصائية الجديدة. فالكتاب لا يناقش التحول الرقمي بوصفه انتقالاً من الورق إلى الشاشة، وإنما يقرأه كتحول في السلطة الثقافية نفسها: من سلطة الناقد والمحرر إلى سلطة الخوارزمية والمنصة.

منذ الصفحات الأولى، يبتعد بوفر عن الرؤية الاحتفالية التي سادت خطاب الإعلام خلال العقدين الأخيرين، تلك التي قدّمت الإنترنت باعتباره فضاءً ديمقراطياً مطلقاً. يرى الكاتب أن هذه الفكرة، رغم جاذبيتها، تبقى تبسيطية؛ فالثقافة لم تصبح متاحة للجميع، بل تغيّر شكل الاحتكار فقط. احتكار المؤسسات الثقافية الكلاسيكية استُبدل باحتكار رقمي جديد تقوده شركات التكنولوجيا ومنصات التوزيع.

في الصحافة التقليدية، كان المحرر الثقافي يحدد ما يستحق القراءة والنقاش، وهو دور كثيراً ما وُجهت إليه تهمة النخبوية. غير أن بوفر يبيّن أن هذه النخبوية، رغم عيوبها، كانت قائمة على معرفة وخبرة ومرجعية فكرية. أما اليوم فالتصفية الثقافية تتم عبر خوارزميات تفضّل ما يُستهلك بسرعة، لا ما يُفكّر فيه طويلاً. وبذلك تحوّل معيار القيمة من العمق إلى القابلية للمشاركة.

يستعمل الكاتب مفهوم "الفجوة الرقمية الثقافية" ليميز بين نوعين من الجمهور:
الأول جمهور يمتلك أدوات القراءة النقدية ويتعامل مع الثقافة بوصفها معرفة تراكمية، والثاني جمهور يعيش داخل تدفق المحتوى اللحظي، حيث يصبح الخبر الثقافي شبيهاً بالمنشور العابر. هذه الفجوة ليست تقنية فحسب، بل معرفية أيضاً. فامتلاك الإنترنت لا يعني امتلاك الثقافة، بل امتلاك القدرة على الوصول إلى كمية هائلة من المعلومات دون ضمان فهمها.

أحد أهم أطروحات الكتاب أن الصحافة الثقافية فقدت وظيفتها الوسيطة. في السابق كانت تقوم بدور الترجمة بين الإبداع والجمهور، أما اليوم فقد دخل المبدع مباشرة إلى الجمهور عبر الشبكات الاجتماعية. يبدو الأمر ديمقراطياً، لكنه أدى إلى نتيجة معاكسة: تضخم حضور المبدع وانكماش النقد. ومع غياب النقد تتحول الثقافة إلى عرض ذاتي دائم، لا إلى حوار فكري.

ينتقد بوفر ظاهرة "التفاعل الرقمي" التي تُقدّم عادةً كدليل نجاح. فعدد الإعجابات والمشاركات لا يعكس بالضرورة التأثير الثقافي، بل يقيس سرعة الاستجابة العاطفية. وهنا يستعيد الكاتب فكرة قريبة من نظرية أدورنو حول "صناعة الثقافة"، غير أنه ينقلها إلى البيئة الرقمية: لم تعد الثقافة تُنتج لتُفهم، بل لتُمرّر عبر الخوارزمية.

كما يتوقف عند تحوّل الصحفي الثقافي نفسه. فقد أصبح مطالباً بأن يكون منتج محتوى متعدد الوظائف: يكتب، يصوّر، يسجّل، يروّج، ويتابع التحليلات الرقمية. هذا التحول لم يوسّع دوره بقدر ما جزّأه. فبدلاً من التعمق في القراءة والتحليل صار يعمل تحت ضغط السرعة والمنصات. النتيجة أن المقال الثقافي الطويل تراجع لصالح التعليق القصير القابل للتداول.

في هذا السياق يطرح الكتاب سؤالاً محورياً: هل ماتت الصحافة الثقافية أم تغيّرت وظيفتها؟
يجيب بوفر بأن المشكلة ليست في الوسيط بل في منطق الاقتصاد الرقمي الذي يكافئ الانتباه لا المعرفة. فالمقال الذي يحتاج إلى تركيز طويل ينهزم أمام مقطع فيديو سريع حتى لو كان أقل قيمة معرفية. وهنا تتشكل الفجوة: جمهور يتابع الثقافة بوصفها ترفيهاً وجمهور يتعامل معها باعتبارها خبرة إنسانية.

أكثر فصول الكتاب عمقاً هو ذاك الذي يناقش علاقة الصحافة الثقافية بالذاكرة. يرى الكاتب أن الأرشيف الورقي كان يمنح الثقافة استمرارية زمنية، بينما تعمل البيئة الرقمية بمنطق اللحظة. المحتوى يظهر ويختفي داخل سيل لا ينتهي، مما يجعل الثقافة بلا تراكم واضح. إننا نقرأ أكثر من أي وقت مضى، لكننا نتذكر أقل من أي وقت مضى.

يقترح بوفر في الخاتمة إعادة بناء دور الصحفي الثقافي لا بوصفه حارس بوابة كما في الماضي، ولا صانع محتوى كما في الحاضر، بل وسيط معرفة. أي شخص يربط الأعمال ببعضها، يضعها داخل سياقها، ويعيد خلق المعنى في عالم متشظي. هذه الفكرة تعيد الاعتبار للكتابة التحليلية الطويلة باعتبارها مقاومة للسرعة.

الكتاب لا يدعو إلى رفض التكنولوجيا ولا إلى الحنين للمطبعة، بل إلى وعي نقدي باستخدامها. فالمشكلة ليست في المنصة بل في خضوع الثقافة لمنطق السوق الخالص. الثقافة تحتاج زمناً للتأمل، بينما الاقتصاد الرقمي يحتاج تدفقاً دائماً. وبين الزمنين تتحدد أزمة الصحافة الثقافية.

يمكن القول إن قيمة هذا العمل تكمن في تفكيكه للأسطورة الرقمية لا في معاداته لها. إنه يكشف أن التحول الإعلامي لم يُلغِ النخبة بل أعاد تشكيلها: نخبة جديدة غير مرئية تقررها الخوارزمية. لذلك تصبح مهمة النقد الثقافي اليوم أكثر تعقيداً، لأنه مطالب بتحليل النصوص وتحليل الوسيط في آن واحد.

في النهاية يقدم باول بوفر أطروحة يمكن اختزالها في فكرة واحدة: الثقافة لم تفقد جمهورها، بل فقدت بطءها الضروري. والبطء هنا ليس ضعفاً بل شرط للفهم. ما لم تستعد الصحافة الثقافية قدرتها على إنتاج زمن القراءة، ستظل الثقافة الرقمية واسعة الانتشار محدودة الأثر.


0 التعليقات: