الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الجمعة، فبراير 20، 2026

الكتاب العربي ينتقل إلى الشاشة: إعداد عبده حقي


 لم يعد الكتاب الإلكتروني في العالم العربي مجرد صيغة رقمية بديلة عن الورق، بل أصبح خلال الأشهر الأخيرة فضاءً كاملاً للنشر والتوزيع وإعادة تشكيل العلاقة بين الكاتب والقارئ. فمع توسع المنصات الرقمية وتعاون المؤسسات الثقافية مع شركات التكنولوجيا، بدأت صناعة الكتاب العربي تدخل مرحلة مختلفة، يمكن وصفها بمرحلة “النشر المتحرك”، حيث لا يستقر النص في رف المكتبة بل ينتقل بين الهاتف والحاسوب والسحابة الرقمية.

أبرز ما طبع المشهد مؤخراً إطلاق مكتبة عربية رقمية عالمية بالشراكة بين مركز أبوظبي للغة العربية وشركة أمازون، تضم أكثر من 38 ألف كتاب عربي، بينها أكثر من ألف عنوان مجاني، وهو رقم يكشف انتقال الكتاب العربي من سوق محلي محدود إلى فضاء عالمي مفتوح أمام القراء في مختلف البلدان . هذه المبادرة ليست حدثاً تقنياً فقط، بل إعلاناً عن تحول استراتيجي: الناشر العربي لم يعد يطبع للمدينة أو البلد، بل للناطقين بالعربية أينما كانوا.

هذا التحول ترافق مع توسع منصات عربية متخصصة في المحتوى الرقمي. فمثلاً توفر منصة «المنهل» آلاف الكتب الإلكترونية من ناشرين عرب في مختلف المجالات، ويتم تحديثها أسبوعياً ضمن مجموعات معرفية متخصصة . وهنا يظهر اختلاف مهم بين الكتاب الورقي والرقمي: الورقي يعتمد على مواسم المعارض، بينما الرقمي يعتمد على التدفق المستمر؛ فالإصدار الجديد لا ينتظر معرضاً بل ينشر فور جاهزيته.

في موازاة ذلك، برزت منصات مفتوحة للنشر الذاتي، أبرزها مكتبة «نور» التي تتيح للمؤلف نشر كتابه الإلكتروني مجاناً، وقد وصل عدد الكتب المتاحة فيها إلى مئات الآلاف مع أكثر من مئة ألف عملية بحث يومياً . هذا النموذج غيّر فكرة المؤلف نفسه؛ فلم يعد المرور عبر دار نشر شرطاً للظهور، بل صار الكاتب قادراً على الوصول المباشر إلى قارئه. إنها عودة إلى تقليد قديم بصيغة حديثة: الكاتب ينشر بنفسه كما كان يفعل في المخطوطات، لكن عبر الخوادم الرقمية.

أما المتاجر الرقمية العربية، فقد أصبحت هي الأخرى جزءاً من منظومة النشر الجديدة. فموقع «نيل وفرات» مثلاً لم يعد مجرد متجر كتب، بل منصة تقدم الكتب الورقية والإلكترونية مع تطبيق قراءة خاص . وهذا يعني أن دور التوزيع التقليدي بدأ يتحول إلى دور تقني، حيث صار التحدي هو واجهة القراءة لا رف العرض.

ومن بين الأمثلة الحديثة على الإصدارات الرقمية، ظهرت في مطلع 2026 كتب إلكترونية متخصصة في مجالات التكنولوجيا والتعليم والمهارات المستقبلية، تعكس تغير موضوعات القراءة نحو المعرفة التطبيقية والذكاء الاصطناعي . ويلاحظ أن هذا النوع من الكتب ينمو رقمياً أسرع من الورقي، لأن القارئ يبحث فيه عن معلومة سريعة قابلة للتحديث المستمر.

في الخليج، ظهرت دور نشر تركز أساساً على النشر الإلكتروني وتوزيع الكتب على عشرات المنصات العالمية، ما يسمح للكاتب بالوصول إلى جمهور دولي مباشرة . كما تعمل شبكات توزيع المحتوى الصوتي والرقمي مثل Arabookverse على نشر الكتب العربية عالمياً عبر منصات متعددة . وهذا يوضح أن مستقبل الكتاب العربي لن يكون في بلد واحد، بل في شبكة عالمية متصلة.

أما في المغرب والعالم العربي عموماً، فقد أدى انتشار قواعد البيانات الأكاديمية العربية إلى توسع النشر العلمي الرقمي؛ فهناك قواعد تضم عشرات الآلاف من الكتب الإلكترونية والأبحاث المتاحة للتصفح والتحميل . وبذلك لم يعد الباحث ينتظر كتاباً مطبوعاً، بل يصل إليه فور صدوره، وهو ما يقلص الفجوة المعرفية بين الجامعات العربية والعالم.

إن القراءة العامة لهذا المشهد تكشف ثلاث ظواهر أساسية:

أولاً، تحوّل الكتاب من منتج ثقافي إلى خدمة مستمرة. فالكتاب الإلكتروني لا يُشترى مرة واحدة بل يُحدَّث ويُحمَّل ويُعاد نشره.

ثانياً، صعود النشر الذاتي الذي يمنح الكاتب استقلالاً غير مسبوق، ويخلق في الوقت نفسه فيضاً من النصوص يحتاج إلى نقد جديد يفرز الجيد من العابر.

ثالثاً، عولمة القارئ العربي. فالقارئ المقيم في أوروبا أو أميركا أو أفريقيا صار جزءاً من السوق الثقافية العربية اليومية بفضل المنصات الرقمية.

لهذا لم تعد المنافسة بين الورقي والرقمي كما كانت قبل عقد، بل أصبحت علاقة تكامل: الورقي يمنح الكتاب هيبته، والرقمي يمنحه حياته اليومية. فالكتاب الورقي يعيش في المكتبة، أما الإلكتروني فيعيش في الجيب.

ومع تزايد المشاريع الرقمية، يمكن القول إن العالم العربي يدخل مرحلة “الذاكرة المحمولة”، حيث تنتقل الثقافة من الرف إلى الشاشة ومن المعرض إلى السحابة. في هذه المرحلة لن يُقاس نجاح الكتاب بعدد النسخ المطبوعة، بل بعدد القراءات والتنزيلات والاقتباسات.

إننا أمام تحول عميق في تاريخ القراءة العربية: الكتاب لم يعد شيئاً نملكه، بل تجربة نتصل بها.


0 التعليقات: