الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الجمعة، فبراير 20، 2026

خرائط السرد العربي في مطابع الحاضر: إعداد عبده حقي

 


يشهد المشهد الثقافي العربي في الأسابيع الأخيرة حراكاً ملحوظاً في مجال النشر، يتوزع بين منصات الصحافة الثقافية الرقمية ودور النشر الكبرى التي تواصل إعادة تشكيل الذائقة القرائية العربية. ومن خلال متابعة ما تنشره صفحات الكتب في الصحافة الثقافية العربية، خصوصاً موقع «الضفة الثالثة» وباب الكتب في «القدس العربي»، إلى جانب ما تعلنه دور مثل «دار الساقي» و«دار الآداب»، يمكن قراءة صورة مركبة عن المزاج الثقافي الراهن: أدب يقترب أكثر من الواقع السياسي والذاكرة الفردية، وترجمات تعيد وصل الثقافة العربية بالعالم، وعودة قوية للسيرة والشهادة بعد سنوات هيمنة الرواية الخالصة.

أول ما يلفت الانتباه هو أن موقع «الضفة الثالثة» بات أشبه بمرصد يومي لحركة النشر العربية؛ فزاوية «صدر حديثاً» تنشر باستمرار أخبار الكتب الجديدة وتقدمها بوصفها وثائق اجتماعية وثقافية لا مجرد إصدارات. ففي مطلع فبراير مثلاً ظهرت رواية فلسطينية بعنوان «جنين في جنين» تتناول ذاكرة المكان المحاصر وعلاقته بالهوية الفردية، في إشارة واضحة إلى استمرار حضور الأدب المرتبط بالواقع السياسي المباشر في السرد العربي المعاصر . كما عرض الموقع كتباً ذات طابع شهاداتي مثل «الدجاج السياسي: ثلاث سنوات في سجن صيدنايا»، وهو نص يتقاطع مع أدب السجون الذي عاد بقوة إلى الواجهة .

هذه العودة إلى الشهادة ليست مصادفة، بل تبدو استجابة لمرحلة عربية مثقلة بالتحولات. فالكاتب العربي لم يعد يكتفي بتخييل الواقع، بل صار يميل إلى توثيقه، وكأن الرواية لم تعد قادرة وحدها على حمل ثقل التجربة. لذلك نجد في الإصدارات الأخيرة مزيجاً بين السرد الروائي واليوميات السياسية والسيرة الذاتية، وهو اتجاه يذكّر بمرحلة ما بعد الحروب الكبرى في الأدب العالمي، حيث تحولت الكتابة إلى محاولة لإنقاذ الذاكرة قبل ضياعها.

في موازاة ذلك، تواصل الصحافة الثقافية العربية، ومنها «القدس العربي»، تقديم الكتب باعتبارها جزءاً من النقاش العام لا نشاطاً نخبوياً منعزلاً. فباب الكتب لا يكتفي بالمراجعات، بل يضع الإصدار داخل سياق ثقافي أوسع: أسئلة الهوية، الهجرة، الحرب، والمدينة الحديثة. هذه الطريقة في عرض الكتب تخلق قارئاً جديداً لا يبحث فقط عن المتعة، بل عن الفهم أيضاً؛ قارئ يرى الكتاب امتداداً للخبر السياسي والاجتماعي.

أما دور النشر، فتبدو أكثر وعياً بالتحولات. «دار الساقي» مثلاً تواصل نشر كتب في مجالات متعددة تمتد من الفكر والسياسة إلى الأدب والفنون ، ما يؤكد تمسكها بفكرة الكتاب بوصفه مشروعاً معرفياً شاملاً. ومن بين أحدث ما عُرض في معارض الكتب إعادة تقديم أعمال تتصل بالقضية الفلسطينية وبالذاكرة الثقافية، مثل إصدار يتناول حياة الفلسطينيين بصرياً وفكرياً . كما أعلنت الدار عن استمرار جائزة مي غصوب الموجهة لاكتشاف الأصوات الروائية الجديدة، في دلالة على الرهان على الجيل الصاعد .

اللافت هنا أن دار الساقي لم تعد مجرد ناشر للأدب، بل منصة فكرية توازن بين الرواية والكتاب الفكري. فالقارئ العربي المعاصر بات يبحث عن تفسير العالم لا عن الهروب منه فقط، وهو ما يفسر تنامي كتب السياسة الثقافية وعلم الاجتماع إلى جانب الرواية.

في المقابل، تمثل «دار الآداب» نموذجاً مختلفاً يقوم على الاستمرارية التاريخية. فهي من الدور التي حافظت على تقليد الرواية العربية الكبرى، ونشرت أعمالاً بارزة لكتاب عرب أصبحوا جزءاً من الذاكرة الأدبية الحديثة، كما أنها ما تزال تنشر روايات معاصرة وترجمات أدبية متنوعة . ويبدو أن استراتيجيتها الحالية تقوم على المزج بين إعادة طباعة الأعمال المؤسسة وإصدار نصوص جديدة تستثمر إرثها الرمزي، وهو ما يمنحها مكانة بين القارئ القديم والجديد في آن واحد.

ما يجمع هذه الجهات كلها هو تغير مفهوم «الجديد» نفسه. فالجديد لم يعد يعني الشكل فقط، بل الموضوع أيضاً. الكتب الجديدة تميل إلى ثلاث مناطق أساسية:

أولاً: أدب الذاكرة والصدمة، حيث تحضر الحروب والاعتقال والهجرة بوصفها تجارب شخصية لا شعارات سياسية.
ثانياً: الكتابة الهجينة التي تمزج بين السرد والبحث والصورة والتوثيق.
ثالثاً: عودة الاهتمام بالفكر الثقافي، أي قراءة الواقع عبر الكتاب وليس عبر المقال السياسي وحده.

هذه التحولات تشير إلى أن النشر العربي يمر بمرحلة إعادة تعريف لدوره. فبعد سنوات كان فيها الكتاب تابعاً للحدث، صار اليوم جزءاً من صناعته. لم يعد الكاتب ينتظر الزمن ليكتب عنه، بل يكتب داخله. ولم تعد دور النشر مجرد مطابع، بل مؤسسات تصوغ خطاباً ثقافياً كاملاً.

ولعل أهم ما يمكن ملاحظته هو أن الحدود بين الصحافة الثقافية والنشر بدأت تختفي؛ فمواقع مثل «الضفة الثالثة» أصبحت امتداداً لدور النشر، ودور النشر بدورها باتت تصوغ خطاباً نقدياً يوازي عمل الصحافة الثقافية. النتيجة هي ولادة فضاء ثقافي عربي واحد يتنقل فيه الكتاب من المنصة الرقمية إلى رفوف المكتبات ومن ثم إلى النقاش العام.

إننا أمام مرحلة يمكن وصفها بمرحلة «السرد الواقعي الجديد»، حيث تتجاور الرواية مع الوثيقة، وتصبح السيرة نوعاً من التاريخ، ويصير الكتاب أداة لفهم المجتمع لا مجرد عمل فني. وهذا ما يجعل متابعة الإصدارات الجديدة اليوم شبيهة بقراءة خريطة سياسية وثقافية في آن واحد.

بهذا المعنى، لا تكشف الإصدارات الأخيرة عن كتب جديدة فقط، بل عن قارئ عربي جديد أيضاً؛ قارئ يريد معرفة العالم بقدر ما يريد الاستمتاع به، ويبحث في الكتاب عن تفسير لما يجري حوله، لا عن عزلة عنه. ومن هنا يمكن القول إن النشر العربي يدخل مرحلة أكثر نضجاً، حيث يتحول الأدب من ترف ثقافي إلى ضرورة معرفية.


0 التعليقات: