الجمعة, فبراير 20, 2026
ABDOUHAKKI
في دهاليز العالم الرقمي، حيث تتكاثر الخوارزميات مثل كائنات شفافة لا تُرى، قررت الأمم المتحدة أن تضع مرآة أمام الإنسان قبل أن يختفي انعكاسه. فقد أعلن أمينها العام أنطونيو غوتيريش من منصة قمة نيودلهي أن لجنة دولية من الخبراء ستشتغل على ما سماه “حوكمة قائمة على العلم”، وكأن البشرية، بعد أن صنعت عقلها الاصطناعي، صارت مضطرة لتعلم فنّ تربيته.
الرسالة لم تكن احتفالية بقدر ما كانت اعترافا بالقلق. العالم لا يدخل مستقبله بثقة، بل يزحف إليه بتردد. قال غوتيريش إننا نندفع نحو المجهول، داعيا إلى تقليل الخوف والتهويل وتعويضهما بالمعرفة. وفي هذا القول ما يشبه اعتذارا مبطنا من زمنٍ اخترع آلة تتكلم قبل أن يفهم نفسه.
غير أن الطريق إلى إجماع عالمي بدا أشبه بمتاهة سياسية. الوفد الأمريكي، بلسان مستشار البيت الأبيض للتكنولوجيا مايكل كراتسيوس، رفض فكرة إخضاع الذكاء الاصطناعي التوليدي لإدارة مركزية، محذرا من بيروقراطية قد تخنق الابتكار. بدا الأمر كما لو أن الدول الكبرى تخشى من حارس عالمي بقدر ما تخشى من آلة بلا حارس.
الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد برنامج يجيب عن الأسئلة، بل قوة اجتماعية واقتصادية وأخلاقية. خلف شاشاته تختبئ مخاوف فقدان الوظائف، وتتكاثر ظواهر التضليل الرقمي، وتتضخم المراقبة، بينما تلتهم مراكز البيانات طاقة المدن بصمت. التقنية هنا لا تغير حياة البشر فقط، بل تعيد تعريف معنى العمل والخصوصية والحقيقة نفسها.
في اليوم الأخير من القمة، حاول قادة العالم رسم ملامح رؤية مشتركة: ترجمة فورية تكسر حواجز اللغات، اكتشاف أدوية تنقذ ملايين الأرواح، مقابل أخطار لا تقل اتساعا. وهكذا بدا الذكاء الاصطناعي مثل نار قديمة: يدفئ ويُحرق في اللحظة نفسها.
الجمعية العامة للأمم المتحدة صادقت على تشكيل فريق علمي دولي مستقل يضم أربعين خبيرا، أُنشئ في غشت 2024، ليكون شبيها بهيئة المناخ العالمية لكن في مجال الخوارزميات. الفكرة أن تُفهم الآلة قبل تنظيمها، وأن تُقاس المخاطر قبل إصدار القوانين. فالحوكمة، في تصور غوتيريش، ليست قيدا على التقدم بل طريقا إليه: معرفة حدود النظام هي بداية السيطرة عليه.
الطموح المعلن بسيط في صياغته، عميق في معناه: أن يصبح التحكم البشري واقعا تقنيا لا شعارا أخلاقيا. غير أن السياسة، كعادتها، تتدخل في شؤون الفلسفة. الولايات المتحدة أعلنت رفضها القاطع لفكرة حوكمة عالمية للذكاء الاصطناعي، مؤكدة أن المستقبل لا يُدار من مركز واحد.
بين الخوف من الفوضى والخوف من السيطرة، يقف العالم في منطقة رمادية. لقد صنع الإنسان عقلا ثانيا، والآن يحاول أن يثبت أنه ما يزال العقل الأول.
0 التعليقات:
إرسال تعليق