التأم مجلس الحكومة برئاسة عزيز أخنوش، يوم الخميس 19 فبراير 2026. لم يكن الاجتماع مجرد جدول أعمال روتيني، بل بدا أقرب إلى ورشة إعادة ترتيب علاقة الدولة بعدد من القطاعات الحساسة: الصحافة، الأراضي الجماعية، التعاون الدولي، ثم هندسة الإدارة عبر التعيينات العليا.
لغة البلاغات الرسمية تختزل الحدث في أسطر، غير أن ما يجري في العمق هو محاولة ضبط توازنات دقيقة بين الدولة والمجتمع، بين التنظيم والحرية، وبين القانون والواقع.
أبرز ما استأثر بالاهتمام كان مشروع القانون 09.26 المتعلق بإعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة، الذي قدمه وزير الشباب والثقافة والتواصل.
هذا النص لا يظهر في سياق تشريعي عادي، بل يأتي بعد أشهر من الجدل القانوني والمؤسساتي الذي خلق فراغاً رمزياً داخل الجسم الصحافي، وجعل سؤال التنظيم الذاتي يعود بقوة إلى الواجهة.
المشروع الجديد يستند إلى الروح الدستورية المرتبطة بحرية التعبير وحق الوصول إلى المعلومة، كما يستحضر فكرة التنظيم الذاتي للمهنة باعتبارها بديلاً عن الوصاية المباشرة. أي أن الدولة تحاول أن تقول للصحافة: “نحن نحمي الإطار، وأنتم تديرون المهنة”.
والأهم أن النص جاء أيضاً لترتيب آثار قرار المحكمة الدستورية الصادر في يناير 2026، وهو ما يعني أن التشريع هنا ليس مبادرة سياسية فقط، بل تصحيح مسار قانوني بعد اختبار دستوري.
وفي المقابل تم سحب مشروع إحداث لجنة مؤقتة لتسيير القطاع، وكأن الحكومة فضلت الحل المؤسسي الدائم بدل الحل الانتقالي، في إشارة إلى أن زمن “اللجان المؤقتة” في الإعلام لم يعد مقنعاً في مرحلة التحول الرقمي.
في محور آخر، انتقل المجلس إلى موضوع يبدو تقنياً لكنه في الحقيقة اجتماعي عميق: أراضي الجماعات السلالية.
هذه الأراضي ليست مجرد عقار، بل هي تاريخ جماعي وقبلي وذاكرة ملكية مشتركة ظلت لعقود خارج الاقتصاد العصري.
المصادقة على مرسومين جديدين جاءت في إطار استكمال إصلاح هذا الورش.
الأول يعفي الأراضي الفلاحية البورية التي ستُملك لمستغليها من رسوم التحفيظ العقاري، وهو إجراء عملي يزيل عقبة مالية كانت تجعل عملية التمليك بطيئة أو مستحيلة.
أما الثاني فيوسع نطاق التمليك ليشمل بعض الأراضي البورية خارج دوائر السقي، بعدما كان الإصلاح محصوراً تقريباً في الأراضي المسقية.
المغزى هنا واضح: تحويل الأرض من ذاكرة جماعية معطلة إلى رأسمال إنتاجي فردي، مع الحفاظ على الحق التاريخي لذوي الحقوق.
الدولة لا تنزع الملكية من الجماعة، بل تفككها قانونياً لتعيد تركيبها اقتصادياً.
اطلع المجلس كذلك على ملحق اتفاق التعاون التقني والاقتصادي المتعلق بالمؤسسات السياسية الألمانية في المغرب، الموقع في نيويورك سنة 2025، وتمت الموافقة عليه عبر مشروع قانون خاص.
مثل هذه الاتفاقيات لا تثير عادة جدلاً شعبياً، لكنها تؤشر على نمط جديد من الدبلوماسية: دعم المؤسسات، تكوين النخب، وتبادل الخبرة في مجالات الحكامة والديمقراطية التمثيلية.
إنها دبلوماسية هادئة، لا تُرى في الأخبار الكبرى، لكنها تظهر لاحقاً في جودة الإدارة والبحث الأكاديمي ومشاريع المجتمع المدني.
اختتم المجلس أشغاله بالتعيينات العليا، وهي لحظة تبدو بروتوكولية لكنها في الواقع جزء من إعادة توزيع السلطة التقنية داخل الإدارة.
في وزارة الاقتصاد والمالية تم تعيين هشام زكان مديراً لحكامة أمن نظم المعلومات، وهو منصب يعكس انتقال الدولة إلى مفهوم “الأمن الرقمي” باعتباره سيادة جديدة.
وفي وزارة الصحة والحماية الاجتماعية تولت فاطمة الزهراء المرنيسي إدارة المركز الاستشفائي الجامعي الحسن الثاني بفاس، وهو موقع يتجاوز التسيير الطبي إلى تدبير منظومة جامعية علاجية معقدة.
أما في التعليم العالي فقد عُيّن جمال الدين بنحيون عميداً لكلية الآداب بتطوان، في لحظة تحتاج فيها الجامعة إلى إعادة تعريف دورها الثقافي لا الأكاديمي فقط.
وفي مجال حقوق الإنسان عُيّن يوسف فريد مديراً للموارد البشرية والمالية بالمندوبية الوزارية، وهو منصب تقني لكنه مؤثر في فعالية المؤسسة الحقوقية.
الاجتماع الحكومي لم يحمل قرارات صاخبة، لكنه رسم اتجاهاً واضحاً:
تنظيم الصحافة بدل إدارتها،
تحويل الأرض إلى اقتصاد،
توسيع الشراكات الهادئة،
وتحديث الإدارة عبر الكفاءات.
إنها سياسة التفاصيل، والسياسة في المغرب كثيراً ما تُكتب في الهوامش قبل أن تظهر في العناوين.








0 التعليقات:
إرسال تعليق