الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الأحد، نوفمبر 01، 2026

أحمد عبد المعطي حجازي… شاعر يدافع عن الموسيقى في زمن تحولات القصيدة: إعداد عبده حقي


ليس الحوار الذي أجرته مجلة «المجلة» مع الشاعر المصري أحمد عبد المعطي حجازي مجرد استعادة لمسيرة شاعر بارز من شعراء الحداثة العربية، بقدر ما يبدو أشبه بوقفة فكرية طويلة أمام ما آلت إليه الثقافة العربية والشعر واللغة والمدينة والنقد والهوية. فحجازي، المولود سنة 1935، لا يتحدث هنا بصفته شاهدا خارجيا على تحولات القصيدة العربية، بل بصفته واحدا من صانعي تلك التحولات، ومن الأسماء التي ارتبطت منذ خمسينات القرن الماضي بمعركة تجديد الشعر العربي إلى جانب صلاح عبد الصبور وغيره من شعراء الحداثة.

واللافت منذ بداية الحوار أن حجازي لا يقدم صورة شاعر انقلب على ماضيه أو تبرأ من اختياراته الأولى، بل يؤكد نوعا من الاستمرار في رؤيته للشعر منذ مرحلة النضج. صحيح أن الأجيال تتعاقب، وأن الحركات الأدبية تتغير، وأن كل جيل يستطيع أن يضيف إلى ما سبقه، لكنه لا يرى أن التجديد يعني قطع الصلة بتاريخ الشعر أو التخلي عن شروطه الأساسية. وهذه الفكرة ستتحول لاحقا إلى مفتاح أساسي لفهم موقفه من قصيدة النثر ومن اللغة ومن علاقة الشعر بالرواية.

من الطبيعة إلى «مدينة بلا قلب»

من أكثر أجزاء الحوار دلالة تلك التي يستعيد فيها حجازي علاقته بالطبيعة. لقد نشأ، كما يقول، في فضاء يقع بين القرية والمدينة، قريبا من الحقول والأشجار والترع والحياة الريفية، قبل أن ينتقل إلى القاهرة. وهذه الذاكرة ليست مجرد خلفية طفولية في سيرته، بل مفتاح لفهم الكثير من صور شعره ورؤيته للمدينة.

فالمدينة عند حجازي ليست مباني وشوارع فقط، وإنما علاقة الإنسان بالطبيعة والفضاء والجمال. ولذلك يربط عنوان ديوانه الأول «مدينة بلا قلب» بتحول القاهرة نفسها؛ مدينة كانت أشجارها ونيلها أكثر حضورا ثم تراجعت هذه العلاقة تحت ضغط الأبنية والازدحام والتحولات العمرانية. حين يُحجب النهر عن العين، يقول حجازي في جوهر حديثه، فإن ما يُحجب ليس مجرد منظر طبيعي بل جزء من الحياة الداخلية للإنسان.

ومن هنا تتجاوز قراءة «مدينة بلا قلب» بعدها الشعري لتصبح نوعا من النقد المبكر للمدينة العربية الحديثة. فالحداثة العمرانية التي لا تحافظ على علاقة الإنسان بالطبيعة قد تنتج مدينة أكثر اتساعا وأعلى بنايات، لكنها لا تنتج بالضرورة حياة أكثر إنسانية.

أزمة الشعر تبدأ من أزمة اللغة

غير أن أكثر أفكار الحوار قسوة ربما تتعلق بتشخيص حجازي للواقع الثقافي العربي. فهو لا يفصل أزمة الشعر عن أزمة اللغة العربية، ولا يعزل تراجع القصيدة عن تراجع المناخ الثقافي الذي يحتضنها. ومن وجهة نظره لا يمكن أن يوجد شعر قوي في فضاء لغوي ضعيف، تماما كما لا يمكن أن تزدهر الثقافة إذا تراجعت الصحافة الأدبية والنشر والنقد والتعليم.

ويستعيد في هذا السياق عصور طه حسين والبارودي وشوقي وحافظ ومطران وأبي شادي وإبراهيم ناجي، وصولا إلى شعراء التجديد، ليقارن ذلك الماضي بالراهن. لكنه لا يقول إن الشعراء المجيدين اختفوا تماما؛ بل يعترف بوجودهم، غير أنه يرى أن «المناخ العام» لم يعد يساعد الإبداع كما كان يفعل سابقا.

وتكتسب هذه الملاحظة أهمية خاصة لأنها تنقل النقاش من سؤال: «هل لدينا شعراء كبار؟» إلى سؤال أعمق: «هل لدينا بيئة ثقافية قادرة على صناعة حضورهم؟».

فالشعر لا يعيش بالدواوين وحدها. إنه يحتاج إلى صحافة ثقافية، ونقد، ومجلات، وتعليم لغوي، ومساحات للنشر والتوزيع، وقرّاء يتلقونه. وحجازي يستحضر هنا ازدهار المجلات الأدبية في أربعينات القرن العشرين، ليشير إلى المفارقة بين اتساع المؤسسات الثقافية الرسمية اليوم من جهة، وتراجع الإنتاج الثقافي المؤثر من جهة أخرى.

وهذه مفارقة تستحق التوقف عندها: قد تكثر المؤسسات ولا تكثر الثقافة، وقد تتسع البنية التنظيمية بينما يضيق المجال الحيوي للإبداع.

الهوية المصرية ليست طبقة واحدة

يتحول الحوار بعد ذلك إلى قضية الهوية، وهي من القضايا التي شغلت حجازي فكريا، خصوصا في كتابه «عروبة مصر». وموقفه هنا واضح في رفض اختزال الهوية المصرية في مرحلة تاريخية واحدة. فالحضارة الفرعونية بالنسبة إليه مكون أساسي ومصدر فخر، لكنها ليست المكون الوحيد، ولا يمكن أن تستخدم لمحو القرون الطويلة التي صارت فيها مصر جزءا مركزيا من الثقافة العربية.

إن الهوية، في هذا التصور، تراكم تاريخي لا عملية إلغاء متبادل بين العصور. مصر الفرعونية لا تنفي مصر العربية، ومصر العربية لا تلغي تاريخ مصر القديم. والأساس هو امتلاك وعي تاريخي مركب يستطيع استيعاب هذه الطبقات مجتمعة.

وهنا يوجه حجازي نقدا ضمنيا إلى المؤسسات التعليمية والثقافية حين تفشل في تقديم التاريخ باعتباره مسارا متصلا ومركبا، أو حين تختزل بعض عصوره وتضخم عصوراً أخرى.

الشاعر ناقد أيضا

يكشف الحوار كذلك وجها مهما في تجربة حجازي يتمثل في علاقته بالنقد الأدبي. فالشاعر بالنسبة إليه ليس مجرد كائن ملهم يكتب تحت تأثير اللحظة، وإنما هو صاحب موهبة وصنعة وأدوات ومعرفة بتاريخ الفن الذي يمارسه.

ولهذا لا يرى أي تناقض بين الشاعر والناقد. بل يستدعي أسماء من التراث العربي والعالمي ليؤكد أن الجمع بين الإبداع والنقد ظاهرة قديمة ومستمرة، من أبي تمام إلى ت. س. إليوت، ومن الشعراء العرب القدامى إلى شعراء الحداثة.

لكن الفكرة الأكثر إثارة هنا هي قوله إن الناقد نفسه يستفيد من الاقتراب من تجربة الكتابة الشعرية؛ لأن هناك أسرارا في صناعة القصيدة قد لا تكشفها القراءة وحدها.

إنها دعوة إلى نقد لا يكتفي بالمصطلحات، بل يعرف صعوبة صناعة الصورة والإيقاع والجملة الشعرية. فالشعر عند حجازي ليس مادة جاهزة تطبق عليها النظريات، وإنما تجربة خلق لها أسرارها الداخلية.

لا حرب بين الشعر والرواية

من أكثر محاور الحوار راهنية ذلك المتعلق بما يسمى «زمن الرواية». فمنذ عقود يتكرر السؤال: هل انتهى زمن الشعر؟ وهل أصبحت الرواية ديوان العرب الجديد؟ وهل سحبت السرديات الطويلة البساط من القصيدة؟

حجازي يرفض أساسا منطق المنافسة بين الأجناس الأدبية.

فازدهار الرواية، في نظره، لا يعني موت الشعر، مثلما أن ظهور فن جديد لا يستلزم إلغاء الفنون التي سبقته. بل يذهب أبعد من ذلك حين يرى أن الرواية الجيدة نفسها تحتاج إلى الطاقة الشعرية، إلى الصورة والإيقاع والكثافة وجمال اللغة.

وهنا تبدو رؤيته أكثر مرونة مما قد يوحي به موقفه الصارم من قصيدة النثر. فهو لا يقيم حواجز بين الأجناس من حيث التأثير المتبادل، بل يرى أن الشعر يستطيع أن يسكن الرواية، وأن الرواية يمكن أن تستفيد من الشعر دون أن تتحول إلى قصيدة.

العلاقة بينهما، كما يقدمها، ليست صراعا على الجمهور وإنما تفاعلا بين أشكال مختلفة من التعبير.

وهذا الموقف يعيد النقاش إلى حجمه الحقيقي. الأدب ليس بطولة رياضية يجب أن يكون فيها منتصر ومهزوم. قد تزدهر الرواية تاريخيا لأسباب تتعلق بالسوق والنشر والقراءة والتحولات الاجتماعية، لكن ذلك لا يجعل الشعر فائضا عن الحاجة.

قصيدة النثر… الموقف الذي لا يتغير

ويصل الحوار إلى أكثر نقاطه إثارة للجدل: قصيدة النثر.

حجازي لا يغير موقفه القديم منها. بالنسبة إليه لا يمكن للشعر أن يستغني عن الموسيقى، وهذه الموسيقى مرتبطة في تصوره بالوزن والإيقاع. ولذلك فهو يستطيع الاعتراف بالقيمة الجمالية العالية لبعض النصوص المكتوبة تحت اسم قصيدة النثر، لكنه لا يصنفها داخل مفهومه للشعر.

وهنا ينبغي قراءة موقفه ضمن تصوره الجمالي الخاص، لا باعتباره حكما أنهى النقاش. فالمشهد الشعري العربي خلال العقود الأخيرة قدم تصورات أخرى تماما ترى أن الإيقاع لا يختزل في الوزن الخليلي أو التفعيلة، وأن الموسيقى الداخلية والتركيب والتكرار والتنغيم والصورة يمكن أن تصنع شعريتها الخاصة.

لكن أهمية موقف حجازي تكمن في اتساقه مع تجربته. فهو أحد الذين ثاروا على القصيدة العمودية التقليدية، لكن ثورته لم تكن على الموسيقى نفسها؛ كانت بحثا عن موسيقى أخرى داخل الشعر الموزون.

ومن هنا تبدو المفارقة التاريخية مثيرة: من كان محسوبا في شبابه على المجددين الذين هاجمتهم المؤسسة الشعرية المحافظة، أصبح اليوم في موقع المدافع عن حدود معينة للشعر أمام موجات تجريبية أحدث.

وهذه ليست مفارقة تخص حجازي وحده، بل تكاد تكون قانونا من قوانين تاريخ الأدب: كل حداثة تؤسس في لحظة ما تقاليدها الخاصة، ثم تأتي حداثة أخرى لتختبر حدودها.

هل الموسيقى وحدها تحدد الشعر؟

ومع أن موقف حجازي من قصيدة النثر حاسم، فإن الحوار يفتح من حيث لا يقصد سؤالا أكبر: ما الذي يجعل النص شعرا؟

هل هو الوزن؟ أم الإيقاع؟ أم كثافة اللغة؟ أم الصورة؟ أم طريقة بناء العالم؟ أم مجموع هذه العناصر؟

حجازي يضع الموسيقى في المركز، ويستشهد حتى بجمالية الإيقاع في التلاوة القرآنية لتأكيد قدرة الموسيقى على تعميق الأثر الجمالي والوجداني للكلمات.

لكن السؤال يظل مفتوحا، وربما تكمن قيمة الحوار في أنه يعيد إشعال هذا النقاش بدل إغلاقه.

ففي الثقافة التي تتسع فيها الكتابة الرقمية، وتتغير فيها عادات القراءة، وتظهر أشكال هجينة من النصوص، سيظل تحديد مفهوم الشعر موضوعا دائما للنقاش.

شاعر ينظر إلى قرن كامل من التحولات

القيمة الأساسية لهذا الحوار لا تكمن فقط في الآراء التي يعلنها أحمد عبد المعطي حجازي، بل في الزمن الثقافي الذي يتحدث منه. نحن أمام شاعر بدأ تجربته في خمسينات القرن العشرين، وعاصر تحولات الشعر الحر وصعود الصحافة الثقافية وحركات القومية والحداثة وتبدلات المدينة العربية، ثم يشاهد اليوم عالما رقميا تتغير فيه علاقة الإنسان بالكلمة والكتاب واللغة.

ولذلك فإن حديثه يحمل باستمرار مقارنة ضمنية بين زمنين.

لكنه، رغم نبرته النقدية تجاه الواقع الثقافي، لا يعلن موت الشعر. على العكس، فهو يرى أن الشعر قديم قدم اللغة نفسها، وأن حاجة الإنسان إليه لا تنتهي.

إن الأجناس الأدبية قد تتغير مواقعها، والقراء قد يبتعدون أو يعودون، والمؤسسات قد تزدهر أو تتراجع، لكن الشعر بالنسبة إلى حجازي يظل واحدا من أكثر أشكال اللغة التصاقا بالمشاعر والصورة والموسيقى.

الحوار بوصفه سؤالا مفتوحا حول الثقافة العربية

لهذا لا أقرأ حوار أحمد عبد المعطي حجازي باعتباره دفاعا عن الماضي ضد الحاضر فقط، ولا باعتباره محاولة لإقامة حدود صارمة بين «الشعر الحقيقي» وما عداه. الأهم فيه أنه يضع أمامنا مجموعة من الأسئلة التي تتجاوز صاحب الحوار نفسه.

ماذا حدث للغة العربية؟

لماذا تراجعت الصحافة الأدبية؟

كيف يمكن أن تمتلك بلداننا عددا أكبر من المؤسسات الثقافية بينما يبدو أثر الثقافة أقل حضورا؟

هل تستطيع المدرسة والجامعة إعادة بناء العلاقة بين الأجيال الجديدة واللغة؟

وهل صراع الشعر والرواية حقيقي، أم أنه مجرد صيغة إعلامية لا علاقة لها بطبيعة الإبداع؟

وأخيرا: هل يمكن أن نتفق يوما على تعريف نهائي للشعر؟

ربما تكون الإجابة الأخيرة هي الأصعب. فالشعر ظل عبر تاريخه يغير أشكاله كلما اعتقد الناس أنهم استطاعوا وضعه في تعريف نهائي.

لكن أحمد عبد المعطي حجازي يذكرنا، سواء اتفقنا معه أو اختلفنا، بأن التجديد لا يمكن أن يقوم في الفراغ. كل قصيدة جديدة تدخل حوارا مع تاريخ سابق، وكل ثورة جمالية تحتاج إلى معرفة ما تثور عليه.

ومن هنا تأتي أهمية هذا الحوار: إنه لا يقدم لنا مجرد شهادة شاعر كبير على تجربته، بل يعيد فتح بعض أقدم أسئلة الثقافة العربية وأكثرها راهنية: اللغة، والهوية، والمدينة، والموسيقى، والنقد، وعلاقة التراث بالتجديد.

وفي زمن تتغير فيه الكتابة والقراءة بسرعة غير مسبوقة، ربما نحتاج بالفعل إلى مثل هذه الأصوات التي تجبرنا على العودة إلى السؤال الأول: ما الشعر؟ ولماذا ما زلنا، بعد كل هذه القرون، بحاجة إليه؟

عبده حقي

المصدر الأساسي لهذه القراءة هو الحوار الذي أجرته «المجلة» مع أحمد عبد المعطي حجازي ونُشر بتحديث 31 أكتوبر 2026. مجلة المجلة


0 التعليقات: