يعود الكاتب المغربي عبده حقي إلى الكتابة الروائية بعمل جديد يحمل عنوان «ورثة الصمت»، وهي رواية اجتماعية ونفسية ذات خلفية فكرية وعلمية، تنطلق من سؤال شديد البساطة في ظاهره، لكنه سرعان ما يتسع ليصبح سؤالًا عن الإنسان كله: هل نحن ما ورثناه في أجسادنا وأدمغتنا، أم ما عشنا داخل أسرنا، أم ما نختار أن نكونه حين نصل إلى لحظة الاختبار الحقيقي؟
تضع الرواية في مركزها شخصية سليم المريني، أستاذ في علم الأعصاب السلوكي يقترب من نهاية مسيرته الأكاديمية بعد عقود قضاها في دراسة الدماغ الإنساني وعلاقته بالسلوك والخوف واتخاذ القرار. غير أن حياته تدخل منعطفًا غير متوقع عندما تكشف تجربة علمية عن معطيات عصبية تخصه هو شخصيًا، فتتحول المعرفة التي ظل يتعامل معها طوال حياته بوصفها أداة لفهم الآخرين إلى مرآة تقلقه وتدفعه إلى إعادة النظر في صورته عن نفسه. من هنا تبدأ الرواية رحلتها الأساسية، لا من سؤال طبي أو تشخيصي، بل من قلق أخلاقي ونفسي: ماذا لو كان الإنسان الذي يعتقد أنه يعرف نفسه لا يعرف إلا الرواية التي بناها عن ذاته؟
لا يستسلم سليم لفكرة أن صورة دماغ يمكن أن تختصر شخصيته، لكنه يجد نفسه مضطرًا إلى مراجعة حياته خارج المختبر. يبدأ من زوجته ليلى، التي عاشت معه أكثر من أربعة عقود وتعرف في شخصيته ما لا تقوله الأبحاث، ثم يقترب من ولديه ياسين ومريم، ليكتشف أن الأب الواحد يمكن أن يعيش بصورتين مختلفتين داخل ذاكرة أبنائه. ياسين يتذكر أبًا صارمًا، قويًا، حاضرًا في حياته لكنه كان أحيانًا أقرب إلى القاضي منه إلى الأب، بينما ترى مريم فيه أبًا داعمًا، شجعها على الاستقلال والطموح. وبين الصورتين يبدأ سليم في فهم أن الحقيقة الإنسانية لا توجد في زاوية واحدة، وأن الإنسان لا يكون فقط ما يعتقده عن نفسه، بل أيضًا ما يتركه في ذاكرة الآخرين.
ويتعمق هذا السؤال حين يلتقي سليم بأصدقائه وزملائه القدامى ويطلب منهم أن يصفوه بصراحة. هناك يسمع لأول مرة أن بعض الصفات التي اعتبرها فضائل طوال حياته تحمل وجهًا آخر؛ فالشجاعة قد تبدو في بعض المواقف تهورًا، والحزم قد يتحول إلى سيطرة، والصراحة قد تصبح قسوة، والقدرة على الإقناع قد تقترب من التلاعب، والهدوء الذي اعتبره دائمًا دليلًا على العقلانية قد يراه الآخرون برودًا أو ضعفًا في التعبير عن التعاطف. وهنا لا تتجه الرواية إلى جلد الشخصية أو إدانتها، بل إلى تفكيك اليقين الذي يبنيه الإنسان حول فضائله، وإلى طرح سؤال أكثر صعوبة: هل كانت الشجاعة دائمًا شجاعة؟ وهل كان الحزم دائمًا عدلًا؟
لكن قلب الرواية الحقيقي ينفتح مع عودة سليم إلى البيت العائلي القديم في مكناس، حيث تبدأ الذاكرة الأسرية في الكشف عن طبقات ظلت مدفونة طوال عقود. هناك تظهر قصة منصور، شقيق والده إدريس، الذي مات سنة 1957 إثر سقوط غامض من سطح البيت. الرواية التي حفظتها الأسرة طوال السنوات تقول إن الأمر كان حادثًا، لكن صورًا قديمة ورسائل ناقصة ووثائق محفوظة في صندوق عائلي، إلى جانب ذاكرة الأم وأخيه كمال، تكشف تدريجيًا أن الموت كان أكثر تعقيدًا، وأن العائلة اختارت بعد الحادث أن تحمي اسمها وسمعتها بالصمت.
من هذه النقطة تتحول «ورثة الصمت» من رواية عن الدماغ إلى رواية عن الميراث غير المرئي. لا يتعلق الأمر فقط بالجينات، بل بما ينتقل من جيل إلى آخر عبر التربية والخوف واللغة والعلاقات. فحادثة قديمة لم يتحدث عنها أحد تتحول مع مرور السنوات إلى خوف من الغضب، والخوف يتحول إلى تقديس للسيطرة، والسيطرة تتحول إلى طريقة في تربية الأبناء، ثم يحمل الجيل التالي هذه القيم بوصفها جزءًا طبيعيًا من شخصيته من دون أن يعرف أصلها. وهكذا تطرح الرواية فكرة مركزية مفادها أن الأسر لا تورث أبناءها ملامحها البيولوجية فقط، بل تورثهم أيضًا صمتها ومخاوفها وأساليبها في حماية نفسها.
وتكتسب الرواية بعدًا اجتماعيًا إضافيًا حين تتسرب نتائج فحص سليم إلى الصحافة، فيتحول العالم الذي كان يقرأ الآخرين إلى مادة يقرأها الجمهور. تبدأ وسائل الإعلام ومواقع التواصل في اختزاله داخل عناوين عن الدماغ والخطر والسلوك، ويصبح عليه أن يواجه ليس فقط حقيقة نفسه، بل الصورة التي يصنعها المجتمع عنه. هنا تناقش الرواية علاقة العلم بالإعلام، وحدود الخصوصية، وخطر تحويل المؤشرات البيولوجية إلى أحكام أخلاقية، كما تضع سليم أمام اختبار عملي: هل يحمي سمعته على حساب الآخرين، أم يرفض أن يعيد إنتاج منطق الأسرة القديم الذي ضحّى بالحقيقة من أجل الصورة؟
تتحرك الرواية بين الرباط ومكناس، وبين المختبر والبيت القديم، وبين الحاضر وذاكرة تمتد إلى خمسينيات القرن الماضي، لتجعل المكان نفسه جزءًا من البناء النفسي؛ فالرباط تمثل العلم والحاضر والسمعة العامة، بينما تصبح مكناس فضاءً للذاكرة والصمت والسر العائلي. أما السطح الذي سقط منه منصور فيتحول إلى رمز للذنب الذي ظل معلقًا فوق العائلة جيلاً بعد جيل.
في «ورثة الصمت» لا يقدم عبده حقي إجابة جاهزة عن طبيعة الإنسان، ولا ينتصر للبيولوجيا على التربية أو للتربية على الجينات، بل يضع القارئ أمام منطقة أكثر التباسًا، حيث تتقاطع الاستعدادات الموروثة مع الخبرة والعائلة والاختيار الأخلاقي. وتنتهي الرواية إلى سؤال يختصر مسارها كله: إذا كنا لا نختار كل ما يصل إلينا من آبائنا، فهل نستطيع أن نختار ما الذي سيمر منا إلى أبنائنا؟
بهذا المعنى، تبدو «ورثة الصمت» رواية عن الذاكرة بقدر ما هي عن العلم، وعن الأبوة بقدر ما هي عن الدماغ، وعن الأسرار التي لا تموت حين نصمت عنها، بل تغير شكلها وتواصل حياتها فينا، إلى أن يأتي جيل يقرر أخيرًا أن يسأل.







0 التعليقات:
إرسال تعليق