الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الاثنين، نوفمبر 02، 2026

عبد الله العروي و«الجزائر والصحراء المغربية»: التاريخ في مواجهة حدود الاستعمار: عبده حقي


لا يمكن قراءة كتاب عبد الله العروي «الجزائر والصحراء المغربية» اليوم باعتباره مجرد وثيقة سجالية كتبت في لحظة احتدام سياسي بين المغرب والجزائر حول قضية الصحراء، لأن مرور نحو نصف قرن على صدوره الأول سنة 1976 منح نصوصه وظيفة أخرى، وربما أكثر أهمية: لقد أصبح الكتاب شهادة فكرية على الطريقة التي كان بها أحد أبرز المؤرخين والمفكرين المغاربة ينظر إلى تشكل الدولة المغاربية الحديثة، وإلى أثر الاستعمار الفرنسي والإسباني في إعادة رسم المجال السياسي لشمال إفريقيا، وإلى التوتر العميق بين التاريخ والقانون الدولي ومبدأ تقرير المصير.

العنوان نفسه دال. فالعروي لا يقول «المغرب والصحراء» فقط، ولا يجعل الصحراء موضوعاً منفصلاً عن محيطها، وإنما يضع الجزائر في قلب العنوان: «الجزائر والصحراء المغربية». وهذا الاختيار ليس اعتباطياً. إنه يكشف منذ البداية أطروحة مركزية سوف تتفرع عنها معظم أفكار الكتاب: قضية الصحراء، في نظر العروي، لا يمكن فهمها فقط باعتبارها مشكلة تصفية استعمار إسباني، وإنما ينبغي فهمها أيضاً داخل تاريخ العلاقات المغربية الجزائرية، وفي ضوء الحدود التي رسمتها القوى الاستعمارية، والتنافس الإقليمي الذي برز بعد استقلال دول المغرب الكبير.

وتكشف الفهارس المتاحة أن الكتاب ينتظم حول أربعة محاور كبرى واضحة الدلالة: الحقوق التاريخية والقانونية للمغرب، الوحدة الترابية وتقرير المصير، الدعاية الجزائرية، والواقع الجزائري. وهذه البنية تقول الكثير عن طبيعة الكتاب؛ فنحن لا نوجد أمام بحث تاريخي محايد بالمعنى الأكاديمي البارد للكلمة، بل أمام تدخل فكري في قضية سياسية حية، يستخدم فيه المؤرخ أدوات التاريخ والوثيقة والقانون والجغرافيا السياسية ليبني موقفاً واضحاً.

وهنا تكمن أولى خصائص الكتاب وقوته في الوقت نفسه. عبد الله العروي لا يتخفى وراء حياد زائف. إنه يكتب من موقع المثقف المغربي الذي يعتبر أن قضية الحدود والصحراء مرتبطة بتاريخ طويل سابق على التقسيم الاستعماري. لكنه، بخلاف الخطاب الدعائي المباشر، لا يكتفي بالشعار أو بالانفعال الوطني، بل يحاول أن يعيد بناء المشكلة من جذورها.

الكتاب ابن لحظة 1975

لفهم الكتاب ينبغي العودة إلى السنة التي ولدت فيها معظم نصوصه: 1975. كان النزاع حول الصحراء الإسبانية قد دخل مرحلة حاسمة، وكانت إسبانيا تستعد للانسحاب، فيما قدم المغرب وموريتانيا مطالب تاريخية تتعلق بالإقليم، وطرحت القضية أمام محكمة العدل الدولية.

في 16 أكتوبر 1975، خلصت المحكمة إلى أن الصحراء لم تكن أرضاً بلا مالك عند بداية الاستعمار الإسباني، وأقرت بوجود روابط بيعة قانونية بين سلطان المغرب وبعض القبائل الصحراوية، لكنها قالت في الوقت نفسه إن الأدلة المقدمة لا تثبت رابطة سيادة إقليمية كاملة من النوع الذي يلغي تطبيق مبدأ تقرير المصير. وهذه الازدواجية في الرأي الاستشاري — الاعتراف بروابط تاريخية وقانونية مع المغرب، مع التشديد على تقرير المصير — ستصبح إحدى العقد المركزية في كل النقاش اللاحق حول القضية.

العروي يكتب في قلب هذه اللحظة، وليس بعد انتهائها. وهذا أمر أساسي نقدياً؛ فهو لا يتعامل مع أحداث أصبحت تاريخاً مستقراً، وإنما يكتب فيما التاريخ نفسه ما يزال يتشكل.

وقد كشفت قراءة نشرتها جريدة «الأحداث المغربية» سنة 2021 حول الطبعة الجديدة أن الكتاب يضم أحد عشر نصاً، وأن أحد نصوصه الأساسية يعود إلى 1 يوليوز 1975 ويمتد في الطبعة من الصفحة 12 إلى الصفحة 46، ويعتمد فيه العروي خصوصاً على وثائق فرنسية وإسبانية لإعادة تركيب الخلفية التاريخية والاستراتيجية والاقتصادية للنزاع.

هذه المعلومة مهمة، لأنها تجعل الكتاب أقرب إلى أرشيف فكري للصراع لحظة تشكله منه إلى دراسة كتبت بأثر رجعي.

التاريخ ضد الجغرافيا الاستعمارية

الفكرة الأكثر قوة في الكتاب هي أن الحدود السياسية التي ورثتها المنطقة المغاربية بعد الاستعمار لا يمكن التعامل معها كما لو كانت حدوداً طبيعية أزلية.

فبالنسبة إلى العروي، هناك فرق جوهري بين دولة لها امتداد تاريخي سابق على الاحتلال الأوروبي، ودولة حديثة تشكلت حدودها في جزء كبير منها داخل النظام الاستعماري. ومن هذا المنطلق يعيد النظر في العلاقة بين المغرب والجزائر.

إن الاستعمار، في تصور العروي، لم يحتل أرضاً موجودة فحسب، بل أعاد إنتاج المجال السياسي نفسه. قسم القبائل، وغير طرق الحركة والتجارة، وألحق مناطق بإدارات جديدة، ثم ترك وراءه حدوداً تحولت بعد الاستقلال إلى حقائق دولية.

هنا يلتقي المؤرخ بالسياسي. فالسؤال الذي يطرحه العروي ضمنياً هو: هل تكفي شرعية الحدود التي ورثها الاستقلال لكي تمحو تاريخ المجال السابق عليها؟

الجواب الذي يميل إليه واضح: لا.

وهذا هو سبب إصراره على الوثائق التاريخية. فالوثيقة عنده ليست زينة أكاديمية، وإنما أداة لمقاومة ما يعتبره تحويل التقسيم الاستعماري إلى حقيقة أزلية.

مفارقة العروي: المؤرخ الحداثي يستدعي التاريخ

لكن هنا تظهر مفارقة فكرية مثيرة.

عبد الله العروي هو أحد أكثر المفكرين العرب دفاعاً عن التاريخانية وعن الدولة الحديثة وعن ضرورة الخروج من أسر الماضي. ومع ذلك، نجده في هذا الكتاب يستدعي التاريخ الطويل والعلاقات السابقة على الاستعمار لإثبات استمرارية المجال المغربي.

ليس في ذلك تناقض بالضرورة. فالعروي لا يقول إن الماضي ينبغي أن يحكم الحاضر بصورة آلية، وإنما يقول إن الحاضر لا يجوز له أن يتصرف كأن الماضي لم يوجد.

وهذه نقطة دقيقة للغاية.

فالتاريخ لديه ليس «حقاً مقدساً» جاهزاً للاستعمال، وإنما مادة لإعادة فهم الطريقة التي صنعت بها الحدود الحديثة. ولذلك فإن القوة الفكرية للكتاب لا توجد في القول إن كل ما كان تاريخياً يجب أن يعود سياسياً كما كان، بل في كشف أن ما نعتبره اليوم «طبيعياً» في الجغرافيا السياسية قد يكون نتيجة قرارات استعمارية ظرفية.

القانون والتاريخ: أخطر أسئلة الكتاب

ربما تكون المسألة الأكثر إشكالية في الكتاب هي علاقة التاريخ بالقانون الدولي.

تؤكد التقديمات المنشورة للطبعة الحديثة أن العروي ينتقد الميل إلى التعامل مع القانون الدولي باعتباره قادراً وحده على محو الواقع التاريخي، ويعتبر أن المغرب أخطأ، في بعض مراحل تدبيره للملف، عندما راهن على القانون المجرد أكثر مما ينبغي.

وهذا الموقف يستحق نقاشاً نقدياً حقيقياً.

فالقانون الدولي بعد الحرب العالمية الثانية بُني جزئياً على مبدأ مهم: تجنب إعادة فتح الحدود التاريخية بلا نهاية. فلو أن كل دولة أعادت المطالبة بكل أرض كانت مرتبطة بها في مرحلة من مراحل التاريخ، لدخل العالم في سلسلة صراعات غير قابلة للحسم.

لذلك ظهر مبدأ تقرير المصير، وظهرت قاعدة احترام الحدود الموروثة عن الاستعمار في إفريقيا، رغم ما فيها من اعتباط تاريخي.

العروي يرى المشكلة من الجهة الأخرى: إذا تم تقديس الحدود الاستعمارية، فإن الاستعمار يتحول بعد رحيله إلى منتصر نهائي، لأن خرائطه تواصل حكم المنطقة.

وهنا تكمن قيمة الكتاب الفكرية الحقيقية. إنه لا يقدم فقط جواباً عن الصحراء، بل يضعنا أمام سؤال فلسفي وسياسي كبير:

أيهما أعدل: احترام الحدود القانونية التي ورثناها، أم تصحيح ما صنعه الاستعمار تاريخياً؟

ولا يوجد جواب بسيط عن هذا السؤال.

الجزائر في كتاب العروي: الدولة لا الشعب

واحدة من النقاط التي ينبغي الانتباه إليها عند قراءة الكتاب هي أن نقد العروي للجزائر يتعلق أساساً بالسياسة التي بنتها الدولة الجزائرية المستقلة، وليس حكماً ثقافياً أو عرقياً على المجتمع الجزائري.

فالكاتب يعود إلى تجربة الاستعمار الفرنسي للجزائر وإلى العلاقة المغربية الجزائرية خلال مرحلة التحرير، ثم يبني نقداً لما يعتبره مفارقة تاريخية: دولة عانت طويلاً من الاستعمار أصبحت، بعد الاستقلال، شديدة التمسك بالحدود التي خلفها ذلك الاستعمار.

ويذهب في أحد المقاطع التي أعادت الطبعة الجديدة إبرازها إلى فكرة قاسية مفادها أن الشعوب أو الدول التي عاشت تجربة الهيمنة ليست بالضرورة محصنة من الرغبة في ممارسة الهيمنة بعد تحررها.

إنها فكرة تتجاوز الحالة الجزائرية. وهي في الحقيقة سؤال من أسئلة فلسفة التاريخ: هل يولد الاضطهاد بالضرورة تضامناً مع المضطهدين، أم قد ينتج رغبة في امتلاك القوة نفسها التي مارسها المستعمِر؟

وهنا يصبح كتاب العروي أقل محلية مما يوحي به عنوانه.

الصحراء باعتبارها اختباراً للمغرب الكبير

من أهم الجوانب التي يمكن استخلاصها من الكتاب أن الصحراء ليست عند العروي قضية حدود فحسب، بل امتحان لفشل المشروع المغاربي.

فالمغرب والجزائر، وهما البلدان اللذان كان يفترض أن يشكلا العمود الفقري لاتحاد مغاربي قوي، تحولا منذ الستينيات والسبعينيات إلى قوتين متنافستين.

لقد كان بالإمكان تصور المغرب الكبير بعد الاستقلال فضاءً للتكامل الاقتصادي والسياسي. لكن الحدود الاستعمارية، والخلافات الترابية، والاختلافات في طبيعة النظامين السياسيين، والحسابات الإقليمية والدولية، جعلت الصحراء نقطة تركيز لكل تلك التناقضات.

ومن هذا المنظور تبدو قراءة العروي شديدة الحداثة حتى اليوم: المشكلة ليست فقط في من يملك هذه الأرض أو تلك، وإنما في أن المنطقة المغاربية لم تنجح في بناء مفهوم مشترك للمصلحة.

والنتيجة أن الاستعمار الذي خرج عسكرياً بقي حاضراً في خرائط الحدود وفي الذاكرة وفي الخلافات.

قوة الكتاب: التاريخ الذي يفضح المسلمات

أبرز فضائل الكتاب منهجياً أنه يجعل القارئ يشك في المسلمات.

الدولة الحديثة تقدم حدودها عادة باعتبارها أمراً طبيعياً. والخريطة المدرسية تجعل الخط السياسي يبدو وكأنه كان موجوداً منذ الأزل. لكن المؤرخ يعرف أن الخطوط على الخرائط قد تكون أحدث من المدن والقبائل والطرق التجارية والمجالات الثقافية التي تقطعها.

العروي يعيد إدخال الزمن إلى الخريطة.

وهذه ربما أفضل صيغة لاختصار منهجه في الكتاب.

فهو يقول لنا بصورة غير مباشرة: قبل أن تسأل لمن تنتمي الأرض اليوم، اسأل أولاً: كيف أصبحت هذه الأرض بهذا الشكل؟ ومن رسم الحدود؟ وفي أي ظرف؟ ولأي غرض؟

إنها أسئلة المؤرخ قبل أن تكون أسئلة الدبلوماسي.

حدود الكتاب: حين يقترب التاريخ من المرافعة

لكن القراءة النقدية الجادة لا ينبغي أن تحول الكتاب إلى نص مقدس.

فالعروي يكتب من موقع وطني واضح، وفي لحظة سياسية شديدة التوتر. ولذلك يمكن للقارئ أن يشعر أحياناً أن المؤرخ يقترب من وظيفة المحامي.

هناك فرق بين استخدام التاريخ لفهم النزاع وبين استخدام التاريخ لإثبات موقف مسبق، وهذا الفاصل يصبح رقيقاً جداً في بعض الكتابات المتعلقة بالنزاعات الترابية.

ولهذا ينبغي اليوم قراءة الكتاب إلى جانب الوثائق الدولية والروايات الأخرى، وليس بدلاً منها.

فرأي محكمة العدل الدولية نفسه يقدم مثالاً على تعقيد المسألة: المحكمة أقرت بوجود روابط بيعة بين سلطان المغرب وبعض قبائل الإقليم، لكنها لم تعتبر تلك الروابط بمثابة سيادة إقليمية كاملة، وشددت على استمرار مبدأ تقرير المصير.

وهذه نقطة لا يمكن لأي قراءة أكاديمية معاصرة تجاهلها، سواء اتفقت مع موقف العروي أم اختلفت معه.

وبالمثل فإن مجلس الأمن تعامل في نوفمبر 1975 مع المسيرة الخضراء في إطار الأزمة الدولية القائمة آنذاك، ودعا إلى سحب المشاركين في المسيرة من الإقليم، وهو ما يكشف أن الشرعية الدولية لذلك الوقت لم تكن نسخة مطابقة للرواية المغربية ولا للرواية الجزائرية أو الانفصالية.

ومن هنا فإن القيمة الأساسية لكتاب العروي ليست أنه يقدم «الحقيقة الأخيرة» للنزاع، بل أنه يقدم واحدة من أكثر الصيغ الفكرية تركيباً للموقف التاريخي المغربي.

كتاب سابق لزمنه أم أسير زمنه؟

بعد نحو نصف قرن يمكن طرح السؤال: هل صمد الكتاب أمام الزمن؟

إلى حد بعيد، نعم، ولكن لأسباب مختلفة عما قد يتصور القارئ.

بعض عناصره مرتبطة مباشرة بسياق الحرب الباردة وعلاقات الجزائر والمغرب في السبعينيات، وبعض لغته تنتمي إلى لحظة سياسية حادة. لكن أسئلته الجوهرية ما تزال قائمة: ما قيمة التاريخ أمام القانون؟ ماذا نفعل بالحدود التي رسمها الاستعمار؟ كيف تتحول حركات التحرر إلى دول تدافع عن الوضع الإقليمي الذي ورثته؟ ولماذا فشل المغرب الكبير في تحويل الجوار التاريخي إلى فضاء سياسي مشترك؟

ولعل أكثر ما يلفت في إعادة نشر الكتاب ضمن «الأعمال الكاملة» أن القارئ يشعر أنه يقرأ نصاً قديماً عن أزمة لم تصبح قديمة.

فالعديد من التوترات التي وصفها العروي في منتصف السبعينيات ظلت حاضرة بعد ذلك بعقود، وإن تغيرت مفرداتها وموازين القوى المحيطة بها.

من التاريخ إلى الجغرافيا السياسية

يمكن كذلك قراءة الكتاب من منظور الجغرافيا السياسية.

الصحراء ليست مجرد فضاء رملي شاسع. إنها مجال أطلسي وإفريقي، قريب من طرق التجارة البحرية، غني بالثروات السمكية والفوسفاتية، وله موقع استراتيجي بين المغرب وموريتانيا وعمق الساحل الإفريقي.

العروي يدرك منذ وقت مبكر أن النزاع لا يمكن عزله عن سؤال القوة الإقليمية.

لذلك فإن الجزائر ليست عنده طرفاً خارجياً محايداً في قضية بعيدة عنها، وإنما دولة لها تصور خاص لتوازن القوة في المغرب الكبير.

هذه القراءة الجيوسياسية من أكثر عناصر الكتاب قابلية للاستمرار، لأن العلاقات المغربية الجزائرية ظلت لعقود محكومة ليس فقط بالخلاف حول الصحراء، وإنما بالتنافس على طبيعة النظام الإقليمي المغاربي كله.

لماذا ينبغي إعادة قراءة الكتاب اليوم؟

أعتقد أن أهم سبب لإعادة قراءة «الجزائر والصحراء المغربية» ليس البحث عن جملة نستعملها ضد الجزائر، ولا عن وثيقة نضيفها إلى السجال اليومي.

قراءة العروي بهذه الطريقة تفقره.

قيمة الكتاب أعمق من ذلك.

إنه يعلمنا أن النزاعات السياسية التي تبدو لنا معاصرة قد تكون نتيجة طبقات متراكمة من التاريخ، وأن الحدود ليست خطوطاً فقط، وأن القانون نفسه يولد داخل موازين قوة، وأن الاستعمار يستطيع البقاء بعد رحيل جنوده من خلال الجغرافيا التي تركها وراءه.

لكن الكتاب يعلمنا شيئاً آخر أيضاً: المؤرخ نفسه، مهما بلغت أدواته العلمية، لا يقف دائماً خارج التاريخ. إنه ابن بلده وزمنه وصراعاته.

وهذه تحديداً هي القراءة التي تجعل العروي مثيراً للاهتمام.

ففي هذا الكتاب نرى المؤرخ والمواطن معاً؛ نرى صاحب المشروع التاريخاني وهو يستخدم أكثر أدوات التاريخ صرامة للدفاع عن قضية يعتبرها وطنية؛ ونرى المثقف الذي لا يقبل أن تكون الخريطة الاستعمارية نهاية التاريخ.

الخلاصة

«الجزائر والصحراء المغربية» كتاب صغير نسبياً في عدد صفحاته، لكنه كبير في الأسئلة التي يطرحها. فهو ليس مجرد كتاب عن الصحراء، وليس مجرد رد على السياسة الجزائرية، وإنما بحث في أزمة الدولة المغاربية الحديثة وفي الإرث السياسي للاستعمار.

قوة العروي تكمن في أنه يحول النزاع من شعار إلى سؤال تاريخي.

وضعفه المحتمل هو أنه، في دفاعه القوي عن الأطروحة المغربية، يجعل الحدود أحياناً غير واضحة بين المؤرخ الذي يعيد بناء الماضي والمثقف الذي يريد التأثير في الحاضر.

ومع ذلك فإن هذه المنطقة الرمادية نفسها هي التي تمنح الكتاب قيمته الوثائقية والفكرية.

بعد خمسين سنة تقريباً على كتابة نصوصه الأولى، نستطيع أن نختلف مع بعض أحكام العروي أو نعيد فحصها في ضوء الوثائق الدولية والدراسات اللاحقة، لكن يصعب تجاهل سؤاله المركزي: هل انتهى الاستعمار عندما غادر المستعمِر، أم أنه بقي يعيش في الحدود التي رسمها وفي النزاعات التي ورثتها الدول المستقلة؟

ذلك، في تقديري، هو السؤال الحقيقي الذي يجعل «الجزائر والصحراء المغربية» كتاباً يتجاوز ظرفه السياسي المباشر ويستحق أن يُقرأ اليوم بوصفه نصاً في التاريخ والجغرافيا السياسية وفكر الدولة، وليس مجرد وثيقة في سجال مغربي جزائري قديم.

عبده حقي


0 التعليقات: