تكشف متابعة تطورات حقوق الإنسان خلال الأيام القليلة الماضية عن مشهد شديد التعقيد يمتد من الجزائر وتونس وليبيا ومصر إلى المشرق العربي ثم أوروبا. تختلف طبيعة الأزمات من دولة إلى أخرى، لكن الخيط الذي يجمع بينها يكاد يكون واحدًا: اتساع المسافة في حالات عديدة بين النصوص القانونية التي تتعهد بحماية الإنسان وبين الممارسة الفعلية للسلطات في ملفات الاعتقال والمحاكمة وحرية التعبير والهجرة واللجوء والحروب والنزوح والحق في الحياة.
واللافت أن النقاش الحقوقي لم يعد محصورًا في صورة السجين السياسي أو الصحفي الملاحق أو المعارض المعتقل، بل صار يشمل أيضًا الحق في الحماية من الحرب، والحق في الغذاء والمأوى، وحقوق المهاجرين واللاجئين، والحق في محاكمة عادلة، ومنع التعذيب والإخفاء القسري، وحق المجتمعات في معرفة مصير المفقودين وحماية المقابر الجماعية وأدلة الجرائم السابقة.
الجزائر: عقوبة الإعدام تعود إلى واجهة النقاش
شهد الملف الحقوقي الجزائري خلال الأيام الأخيرة تطورًا بالغ الحساسية مع عودة عقوبة الإعدام بقوة إلى النقاش العام، في سياق توجه رسمي نحو تشديد العقوبات المتعلقة بإشعال الحرائق عمدًا، بعد الحرائق المدمرة التي ضربت مناطق من البلاد وخلفت ضحايا وخسائر جسيمة.
الجدل لا يتعلق بمجرد إضافة عقوبة إلى القانون الجنائي، بل بإمكانية الانتقال من عقوبة ظلت موجودة قانونيًا إلى استئناف التنفيذ الفعلي بعد أكثر من ثلاثة عقود من التوقف. وهذا التحول، إذا حدث، سيكون من أكبر التغيرات في السياسة العقابية الجزائرية خلال سنوات طويلة.
كما ارتبط ملف الحرائق باعتقالات وتحقيقات في قضايا تتعلق بالحرق والتخريب، بعضها تحت توصيفات قانونية شديدة الخطورة مرتبطة بأمن الدولة والإرهاب. وهنا يظهر التحدي الحقوقي الأساسي: ضرورة التحقيق في الجرائم ومحاسبة مرتكبيها من جهة، وضمان ألا تتحول الكارثة الطبيعية والإنسانية إلى مبرر لتوسيع العقوبات القصوى أو تقييد ضمانات المحاكمة العادلة من جهة أخرى.
ويأتي ذلك فوق أرضية حقوقية تعاني أصلًا من توترات مستمرة حول حرية التعبير والنشاط السياسي والمدني ومحاكمة نشطاء وصحفيين، بالإضافة إلى الانتقادات المتعلقة بمنع السفر والتضييق على بعض التجمعات والتنظيمات السياسية والمدنية.
كما يظل وضع المهاجرين القادمين من إفريقيا جنوب الصحراء أحد الملفات المثيرة للجدل، في ظل انتقادات متكررة لعمليات الطرد الجماعي نحو الحدود الجنوبية والظروف القاسية التي يواجهها المرحلون.
تونس: الصحافة والمعارضة أمام القضاء
في تونس، عاد ملف الحريات السياسية والإعلامية إلى صدارة الاهتمام بعد توقيف الصحفي محمد اليوسفي مطلع شتنبر، وهو ما دفع صحفيين إلى الاحتجاج والمطالبة بإطلاق سراحه. وقد أعادت القضية النقاش بشأن الحدود الفاصلة بين التحقيق الجنائي المشروع وبين استخدام المنظومة القضائية بطريقة قد تؤدي إلى تضييق المجال الصحفي.
المشهد لا ينفصل عن السياق السياسي الأوسع في البلاد، حيث تواجه شخصيات معارضة ومحامون وناشطون قضايا وأحكامًا ثقيلة، في وقت تتزايد فيه الانتقادات المتعلقة باستقلال القضاء وضمانات المحاكمة العادلة.
وقضية راشد الغنوشي عادت بدورها إلى واجهة النقاش الحقوقي خلال الأيام الماضية، خصوصًا مع تزايد القلق بشأن ظروف احتجازه ووضعه الصحي وكثرة القضايا والأحكام الصادرة بحقه. وتتمحور الاعتراضات الحقوقية حول طبيعة المحاكمات وضماناتها ومدى ارتباط بعض الملاحقات بممارسة الحقوق السياسية وحرية التعبير.
المشكلة التونسية اليوم أوسع من مصير شخصية سياسية بعينها. إنها تتعلق بطبيعة المجال السياسي بعد التحولات التي عرفتها البلاد منذ يوليو 2021: هل تستطيع المعارضة ممارسة نشاطها بحرية؟ وهل يستطيع الصحفي تناول القضايا الحساسة دون الخوف من الملاحقة؟ وهل ما يزال القضاء قادرًا على لعب دور مستقل في النزاعات السياسية؟
هذه الأسئلة أصبحت في قلب النقاش الحقوقي التونسي، خصوصًا أن تونس كانت تُقدَّم لسنوات بوصفها التجربة التي احتفظت بأكبر مساحة من التعددية والحريات بعد انتفاضات المنطقة.
ليبيا: الإعدام يعود بعد سنوات طويلة
ربما يحمل الملف الليبي واحدًا من أكثر التطورات إثارة للقلق خلال الأسابيع الأخيرة. فقد استؤنف تنفيذ أحكام الإعدام في شرق البلاد للمرة الأولى منذ سنوات طويلة، ونُفذت أحكام بحق عشرات الأشخاص منذ أواخر غشت، بينما يواجه عشرات آخرون خطر التنفيذ.
وتثير هذه التطورات أسئلة خطيرة بسبب تقارير تفيد بأن بعض الأحكام صدرت بعد محاكمات عسكرية سرية أو غير مستوفية لمعايير المحاكمة العادلة، فضلًا عن ادعاءات بتعرض بعض المتهمين للتعذيب لانتزاع اعترافات استُخدمت لاحقًا ضدهم.
وفي بلد منقسم سياسيًا وأمنيًا وتتنازع فيه سلطات ومؤسسات وقوى مسلحة النفوذ، تكتسب عقوبة الإعدام خطورة مضاعفة، لأن الخطأ القضائي فيها غير قابل للتصحيح.
ولا يتوقف الملف الحقوقي الليبي عند عقوبة الإعدام. فهناك إرث ضخم من الانتهاكات المرتبطة بالسجون والاختفاء القسري والتعذيب والقتل خارج نطاق القانون، إضافة إلى الانتهاكات التي تطال المهاجرين واللاجئين الذين يعبرون ليبيا في طريقهم نحو أوروبا.
وتبقى المساءلة واحدة من أكثر حلقات الأزمة الليبية ضعفًا. فبعد خمسة عشر عامًا من سقوط النظام السابق، ما يزال عدد كبير من ملفات الانتهاكات الكبرى مفتوحًا، بينما تواجه الدولة صعوبة في بناء مؤسسات قضائية وأمنية موحدة وقادرة على إخضاع جميع القوى المسلحة للقانون.
مصر: الاحتجاز المطول وحقوق المدافعين عن حقوق الإنسان
في مصر تبدو الأزمة الحقوقية أقل ارتباطًا بحدث واحد خلال الأيام الأخيرة وأكثر ارتباطًا باستمرار نمط متراكم من القضايا التي تشمل الحبس الاحتياطي المطول، وقضايا مكافحة الإرهاب، وظروف الاحتجاز، ومنع السفر، ومحاكمة المدافعين عن حقوق الإنسان.
ويستمر الجدل حول استخدام تشريعات مكافحة الإرهاب في ملاحقة أشخاص تقول منظمات حقوقية إن أنشطتهم كانت سلمية أو مرتبطة بحرية التعبير والعمل الحقوقي. كما تبقى أوضاع بعض المحامين والنشطاء المحتجزين، ولا سيما المرضى منهم، مصدر قلق بسبب الحاجة إلى الرعاية الطبية الملائمة.
ومن الملفات الأخرى التي ما تزال مطروحة منع عدد من المدافعين السابقين عن حقوق الإنسان أو المعتقلين السابقين من السفر، بما يؤثر في حياتهم المهنية والأسرية وقدرتهم على الدراسة والعمل والمشاركة في الأنشطة الحقوقية الدولية.
كما أثار ملف اللاجئين السودانيين خلال الأشهر الأخيرة تساؤلات متزايدة بشأن الاعتقال والترحيل وظروف الاحتجاز، في وقت ما يزال فيه السودان يشهد نزاعًا يجعل مبدأ عدم إعادة اللاجئ إلى مكان قد يتعرض فيه للخطر جزءًا أساسيًا من أي تقييم حقوقي لهذه السياسات.
غزة: الموت لا ينتهي بانتهاء الغارة
في المشرق العربي، تبقى غزة واحدة من أكبر الكوارث الحقوقية والإنسانية. وقد عاد ملف المفقودين والضحايا المدفونين تحت الأنقاض بقوة إلى الواجهة بعد الإعلان عن انتشال مئات الجثث من تحت الأبنية المدمرة، بينها نساء وأطفال.
لكن القضية تتجاوز الأرقام المباشرة للضحايا. فآلاف الأشخاص ما يزالون في عداد المفقودين تحت كميات هائلة من الأنقاض، وهو ما يجعل البحث عنهم وتحديد هوياتهم وحفظ الأدلة الجنائية مهمة إنسانية وقضائية قد تستغرق سنوات.
وتثير عملية استخراج الجثامين أسئلة متصلة باحتمال وقوع انتهاكات جسيمة للقانون الدولي الإنساني، ما يعزز المطالب بالسماح بإجراء تحقيقات مستقلة وحماية مواقع الدمار والأدلة التي قد تستخدم لاحقًا في إجراءات قضائية.
وبينما تؤكد إسرائيل التزامها بالقانون الدولي وتنفي استهداف المدنيين عمدًا، تواصل هيئات دولية وحقوقية إثارة مخاوف بشأن حجم الخسائر المدنية وطبيعة العمليات العسكرية والقيود المفروضة على إدخال بعض المعدات الضرورية لعمليات الإنقاذ والتعرف على الضحايا.
اليمن: النزوح يعود إلى الواجهة
اليمن بدوره يشهد تدهورًا إنسانيًا جديدًا مع تجدد المواجهات العسكرية واتساع رقعة النزوح. فقد أُجبرت أعداد كبيرة من المدنيين على مغادرة مناطقها خلال الأسابيع الأخيرة، وسط نقص في الغذاء والماء والمأوى وتراجع قدرة المنظمات الإنسانية على الوصول إلى بعض المناطق.
ويمثل النزوح إحدى النتائج الأكثر قسوة للحرب اليمنية الطويلة. فالأسرة التي تغادر منزلها لا تفقد فقط سقفًا يحميها، بل قد تفقد المدرسة والعمل والرعاية الصحية وروابطها الاجتماعية، لتتحول أزمة الحرب إلى سلسلة طويلة من انتهاكات الحقوق الاقتصادية والاجتماعية.
وتزيد الهجمات المتبادلة والعمليات الجوية والتقدم العسكري على الساحل الغربي من احتمال تعرض المدنيين لمزيد من الخسائر، بينما أصبحت حرية حركة السكان وإيصال المساعدات الإنسانية من القضايا الأساسية في تقييم الوضع الحقوقي.
سوريا: المقابر والذاكرة وحق الضحايا في الحقيقة
أما في سوريا، فقد ظهر ملف مختلف لكنه شديد الحساسية: حماية مواقع يُعتقد أنها تحتوي على مقابر جماعية مرتبطة بسنوات الاعتقال والانتهاكات السابقة.
وأثار مشروع لإعادة تطوير مطار المزة العسكري السابق في دمشق مخاوف من احتمال المساس بمواقع يشتبه في احتوائها على رفات معتقلين قضوا نتيجة الإعدام أو التعذيب أو ظروف الاحتجاز.
المسألة هنا لا تتعلق فقط بأرض يجري استثمارها أو منشأة يجري تجديدها، بل بحق عائلات آلاف المفقودين في معرفة مصير أقاربها، وبضرورة حماية الأدلة التي قد تساعد مستقبلًا على تحديد المسؤوليات الجنائية.
وفي الوقت ذاته، شهدت سوريا احتجاجات مرتبطة بارتفاع أسعار الوقود والضغوط المعيشية. وهذا يذكر بأن حقوق الإنسان لا تختزل في الحريات السياسية وحدها، بل تشمل أيضًا الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والقدرة على الوصول إلى ضروريات الحياة.
أوروبا: الأمن والهجرة والحريات
في أوروبا تبدو الصورة مختلفة ظاهريًا، لكنها تواجه بدورها تحديات حقوقية متصاعدة، خصوصًا في ملف الهجرة واللجوء والحدود.
الإجراءات الأمنية المشددة وإعادة فرض مراقبة بعض الحدود الداخلية في فضاء شنغن تكشف اتساع تأثير قضية الهجرة على السياسات الأوروبية. وتزداد المخاوف من أن يتحول مفهوم الأمن إلى مدخل لتقليص ضمانات طالبي اللجوء أو توسيع سياسات الإبعاد والترحيل.
كما تواجه سياسات الهجرة الأوروبية انتقادات بسبب التعاون مع دول خارج الاتحاد لضبط الحدود ومنع المهاجرين من الوصول إلى الأراضي الأوروبية، في وقت تقول منظمات حقوقية إن بعض هؤلاء المهاجرين قد يتعرضون لانتهاكات جسيمة في دول العبور.
وفي تركيا، التي ترتبط مؤسساتيًا بمجلس أوروبا وإن لم تكن عضوًا في الاتحاد الأوروبي، برز خلال الأيام الأخيرة ملف حملة واسعة على منظمات ونشطاء من مجتمع الميم، رافقتها اعتقالات ومداهمات وإغلاق مقرات وحجب مواقع إلكترونية، إضافة إلى توقيف متظاهرين احتجوا على الحملة. وقد أعاد ذلك النقاش حول حدود تدخل الدولة في حرية التنظيم والتجمع والحياة الخاصة.
وعلى مستوى أوسع، تواجه أوروبا مفارقة واضحة: فهي تضع حقوق الإنسان في قلب خطابها الخارجي، لكنها تجد نفسها داخليًا أمام اختبارات متزايدة في الهجرة واللجوء والأقليات والاحتجاجات والحريات المدنية.
حقوق الإنسان بين خطاب الدول وواقع الأفراد
الصورة التي ترسمها الأيام الأخيرة لا تسمح بوضع جميع الدول في مستوى واحد، فطبيعة الأنظمة السياسية والقوانين والمؤسسات القضائية ودرجة حرية المجتمع المدني تختلف جذريًا من بلد إلى آخر. لكن هناك مؤشرات مشتركة تستحق الانتباه.
أولها عودة عقوبة الإعدام بقوة إلى المشهد في أكثر من دولة، سواء عبر استئناف التنفيذ أو توسيع نطاق الجرائم التي يمكن أن تؤدي إليها.
ثانيها استمرار استخدام قوانين الإرهاب والأمن القومي في ملفات تتداخل أحيانًا مع التعبير السياسي أو النشاط المدني.
ثالثها أن الحروب أصبحت واحدة من أكبر مولدات الانتهاكات في المنطقة العربية، ليس فقط من خلال القتل المباشر، بل أيضًا من خلال النزوح والفقر وتدمير البنية الصحية والتعليمية وفقدان آلاف الأشخاص.
أما المؤشر الرابع فهو تصاعد أزمة الهجرة عالميًا. فالإنسان الذي يهرب من الحرب أو الفقر أو الاضطهاد قد يجد نفسه مرة أخرى أمام الاعتقال أو الترحيل أو العنف على الحدود.
وتبقى المسألة الأساسية هي بناء مؤسسات قادرة على حماية الفرد حتى في أكثر اللحظات السياسية والأمنية توترًا. فحقوق الإنسان لا تُختبر في الأيام الهادئة فقط، وإنما تظهر قيمتها الحقيقية عندما تواجه الدولة الإرهاب والحرب والجريمة والهجرة والاحتجاج والمعارضة.
إن ضمان المحاكمة العادلة، ومنع التعذيب، وحماية الصحافة، واحترام حق التظاهر، وصون كرامة اللاجئ والمهاجر، وحماية المدنيين في الحروب، والتحقيق في المقابر الجماعية، ليست ملفات منفصلة. إنها أجزاء من سؤال واحد: إلى أي حد يظل الإنسان صاحب حقوق لا يجوز إهدارها حتى عندما تصبح الدولة أمام أصعب اختباراتها؟








0 التعليقات:
إرسال تعليق