تكشف حركة النشر خلال الأسابيع الأخيرة عن عودة قوية لأصوات عربية تعيش خارج أوطانها الأصلية، أصوات تكتب من لندن وباريس وبروكسل وكندا والولايات المتحدة وغيرها، لكن الوطن يظل حاضرًا في كتبها كأنه لم يغادرها قط. ليست المسألة مجرد كتّاب انتقلوا من جغرافيا إلى أخرى، بل نحن أمام كتابة جديدة يصنعها التوتر بين مكانين، وذاكرتين، وأحيانًا لغتين أو أكثر، فتتحول تجربة المهجر إلى مختبر أدبي يعاد داخله تركيب معنى الهوية والانتماء والذاكرة.
ومن أبرز الإصدارات الجديدة في هذا السياق رواية «نافذة روت كل شيء» للروائي الفلسطيني ربعي المدهون، الصادرة عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر بالتزامن مع مكتبة كل شيء في حيفا. ويحمل صدور عمل جديد للمدهون دلالة خاصة في سياق الأدب الفلسطيني المكتوب من المهجر، فالكاتب الذي استقر في لندن بعد مسار طويل من التنقل ظل في معظم أعماله منشغلًا بأسئلة المكان والمنفى والعودة والهوية الفلسطينية المركبة.
تجربة المدهون تكاد تلخص واحدة من السمات الأساسية للكتابة العربية الجديدة خارج الوطن: الكاتب يستطيع أن يجد استقراره الجغرافي في مدينة أوروبية، لكنه يظل أدبيًا يتحرك بين الأمكنة القديمة والجديدة. الوطن في هذه الحالة لا يبقى مجرد أرض بعيدة، بل يتحول إلى ذاكرة وإلى شخصيات وإلى أسئلة تتسلل إلى النصوص مهما اختلفت موضوعاتها.
ومن الأصوات الفلسطينية الجديدة التي عبرت إلى فضاء النشر العالمي الكاتبة سارة أبو غزال، التي صدرت روايتها Dreams of Ayn Ara بالإنجليزية عن دار Feminist Press، في ترجمة لكاثرين هولز. الرواية تتبع أفراد عائلة فلسطينية فرّقتها النكبة ووزعتهم المنافي بين أكثر من بلد ومدينة، لكن الماضي يظل يتحرك داخل حياتهم كأنه يحدث في اللحظة نفسها.
هنا لا تظهر النكبة باعتبارها حدثًا محفوظًا في كتب التاريخ، وإنما باعتبارها تجربة متجددة تنتقل من جيل إلى آخر. الجدة والآباء والأبناء والأحفاد يحملون بدرجات مختلفة أثر المكان الذي غادرته الأسرة، وتتحول فلسطين إلى نقطة مركزية غير مرئية تربط أفراد العائلة الذين يعيشون بعيدًا عنها.
إنها واحدة من أهم خصائص أدب الشتات الفلسطيني المعاصر: الجغرافيا قد تتغير، لكن الذاكرة ترفض الاعتراف بالحدود.
أما الكاتب السوري الكندي داني رمضان فقد عاد إلى الواجهة بطبعة جديدة من مذكراته Crooked Teeth: A Queer Syrian Refugee Memoir، وهو كتاب يذهب مباشرة إلى التجربة الشخصية للاجئ، بدءًا من سوريا وصولًا إلى كندا.
في هذه المذكرات تصبح الهجرة أكثر تعقيدًا من فكرة النجاة والوصول إلى بلد آمن. فالمنفى نفسه يحمل ثمنًا نفسيًا ووجدانيًا لا ينتهي بمجرد عبور الحدود. يستطيع الإنسان أن يغادر مدينته، لكنه لا يستطيع دائمًا إخراج المدينة من داخله. صور دمشق وأحياؤها وأصدقاؤها وذكرياتها تلاحق الكاتب في حياته الجديدة، فينشأ صراع صامت بين ضرورة بناء مستقبل جديد والخوف من فقدان الماضي.
المذكرات هنا ليست فقط حكاية فرد، بل شهادة على الطريقة التي تعيد بها الهجرة تشكيل الإنسان. المهاجر لا ينتقل كاملًا من مكان إلى مكان، بل يفقد أشياء في الطريق ويكتسب أشياء أخرى، ويجد نفسه في النهاية أمام هوية لم تعد مطابقة تمامًا لما كان عليه قبل الرحيل ولا لما يطلب منه المجتمع الجديد أن يصبحه.
وفي المجال التاريخي صدر كتاب جديد للمؤرخ الفلسطيني الأمريكي رشيد الخالدي بعنوان Palestine: A Short History، يقدم من خلاله مدخلًا مكثفًا إلى التاريخ الفلسطيني موجهًا إلى جمهور واسع وغير متخصص.
ويمثل هذا الكتاب وجهًا مختلفًا للكتابة العربية في المهجر. فنحن لسنا أمام رواية أو مذكرات وإنما أمام محاولة لنقل سردية تاريخية عربية وفلسطينية إلى القارئ العالمي. ويكتسب الأمر أهمية خاصة لأن الصراع على التاريخ أصبح بدوره جزءًا من الصراع على الحاضر، وبالتالي فإن الكتب التي تصدر في نيويورك أو لندن عن فلسطين لا تتحرك فقط داخل السوق الثقافية، بل داخل النقاش العالمي حول الرواية والذاكرة والحق في تفسير الماضي.
وفي المشهد البريطاني تبرز كذلك الكاتبة العربية البريطانية إيمي عبد النور وروايتها Ever Land، التي تعود من خلالها إلى القضية الفلسطينية عبر قصة تربط مصائر شخصيات تنتمي إلى خلفيات متباينة. تستثمر الرواية التاريخ والذاكرة والخيال لتضع القارئ أمام سؤال الأرض: من عاش هنا؟ ومن غادر؟ ومن ورث ذاكرة المكان؟ ومن يستطيع أن يقول إن هذا البيت أو تلك القرية تخصه؟
هذه الإصدارات توضح أن مفهوم «أدب المهجر» أصبح أكثر تعقيدًا من المعنى الذي كان يُعطى له في القرن الماضي. الكاتب المهاجر اليوم قد يكتب بالعربية، وقد يكتب بالإنجليزية أو الفرنسية، وقد ينتقل كتابه من لغة إلى أخرى بالترجمة. وقد يكون جمهوره الأساسي عربيًا، أو قد يصبح معظم قرائه من غير العرب.
لقد تغيرت خريطة الأدب نفسه.
الكاتب الفلسطيني في لندن أو بروكسل، والكاتب السوري في كندا، والكاتب العربي البريطاني، لا يتحركون بين وطن ومنفى بالمعنى التقليدي فقط. إنهم يعيشون داخل فضاء أدبي عابر للحدود، حيث يمكن لكتاب صغير يصدر في نيويورك أن يعيد فتح ملف قرية فلسطينية اختفت قبل عقود، ويمكن لمذكرات تُكتب في كندا أن تعيد شوارع دمشق إلى الحياة، ويمكن لرواية تصدر في لندن أن تجعل قارئًا لم يزر الشرق الأوسط يومًا يتساءل عن معنى الأرض واللجوء والاقتلاع.
وتبدو فلسطين الأكثر حضورًا داخل هذه الموجة من الإصدارات. حضورها لا ينبع فقط من الأحداث السياسية الراهنة، وإنما من قوة الذاكرة الفلسطينية في أدب الشتات. فالفلسطيني الذي غادر وطنه قد ينجب أبناء في أوروبا أو أمريكا، وقد يتحدث أحفاده بلغات أخرى، لكن الحكاية تنتقل معهم. ولهذا يصبح الأدب أحد أكثر الأشكال قدرة على مقاومة النسيان.
إن هذه الكتب تقول لنا في النهاية إن المهجر ليس نهاية العلاقة بالوطن، بل قد يكون بداية طريقة أخرى لكتابته.
فالمكان البعيد يتيح أحيانًا رؤية المكان الأول بصورة مختلفة، واللغة الجديدة تمنح الكاتب أدوات أخرى لسرد تجربته، والمسافة الجغرافية قد تجعل الذاكرة أكثر إلحاحًا لا أقل حضورًا. وهكذا يتحول الكاتب العربي في المهجر من مجرد شاهد على الغياب إلى صانع لذاكرة جديدة، تمتد من الوطن إلى العالم، وتعيد رسم حدود الأدب العربي نفسه خارج خرائطه التقليدية.







0 التعليقات:
إرسال تعليق