الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الخميس، سبتمبر 17، 2026

الهجرة في العالم 2026: حدود تزداد صلابة ومهاجرون يدفعون ثمن الأزمات: عبده حقي


تكشف أحدث المعطيات الدولية عن مشهد للهجرة أكثر تعقيدًا مما توحي به الصور المتكررة لقوارب البحر المتوسط أو طوابير طالبي اللجوء أمام الحدود. فالعالم لا يشهد مجرد حركة أشخاص من الجنوب إلى الشمال، بل موجة واسعة من التنقل القسري والاقتصادي والمختلط، تصنعها الحروب والانهيارات الاقتصادية والتفاوتات الاجتماعية والتغيرات المناخية، في وقت تتجه فيه دول كثيرة إلى تشديد سياسات الحدود واللجوء والعودة.

بلغ عدد اللاجئين في العالم في نهاية 2025 نحو 41.6 مليون شخص، إضافة إلى قرابة تسعة ملايين طالب لجوء تنتظر ملفاتهم البت. كما يتجاوز عدد النازحين داخليًا المسجلين في البيانات الدولية 67 مليون شخص. والمفارقة التي كثيرًا ما تضيع وسط النقاش السياسي حول الهجرة أن غالبية اللاجئين لا يعيشون في أغنى دول العالم، بل تستضيف الدول منخفضة ومتوسطة الدخل ما يقارب ثلثيهم.

ويظل السودان أحد أكثر الأمثلة مأساوية على قدرة الحرب على تحويل بلد كامل إلى خريطة نزوح. فقد أُجبر أكثر من أحد عشر مليون شخص على مغادرة بيوتهم منذ اندلاع الصراع، بينهم ملايين عبروا الحدود إلى دول الجوار، فيما استقبلت تشاد وحدها مئات الآلاف من اللاجئين السودانيين.

لكن الوصول إلى دولة أخرى لا يعني بالضرورة نهاية المعاناة. فاللاجئون الذين نجوا من الحرب يجدون أنفسهم أحيانًا في مخيمات تعاني نقص الغذاء والماء والخدمات الصحية والحماية، خصوصًا مع تقلص التمويل الدولي للمساعدات الإنسانية. وهكذا يمكن أن تبدأ الهجرة من جديد من المكان الذي كان يفترض أن يكون ملاذًا مؤقتًا.

وفي البحر المتوسط تبدو المفارقة أكثر قسوة. فقد ارتفعت الوفيات وحالات الاختفاء على طريق وسط المتوسط خلال النصف الأول من السنة، رغم تراجع أعداد الوافدين إلى إيطاليا. وهذا يعني أن انخفاض الوصول إلى السواحل الأوروبية لا يعني بالضرورة أن الرحلات أصبحت أقل، بل قد يعني أن الوصول نفسه صار أكثر صعوبة وخطورة.

وحتى بداية شتنبر 2026 وصل أكثر من 67 ألف مهاجر ولاجئ إلى أوروبا عبر البحر والبر، فيما تجاوز عدد الموتى والمفقودين المرتبطين بهذه الرحلات ألفي شخص. وبذلك يستمر المتوسط واحدًا من أكثر الحدود البحرية فتكًا في العالم.

في شمال إفريقيا تتبدل المسارات باستمرار. فعندما يتشدد الحصار على طريق تظهر طرق أخرى، وعندما تزداد الرقابة في نقطة معينة تتحرك شبكات التهريب والمهاجرون نحو نقطة ثانية. لهذا يصعب التعامل مع الهجرة باعتبارها مجرد مسألة أمنية يمكن ضبطها بزيادة عدد الدوريات.

وتدخل أوروبا في الوقت نفسه مرحلة جديدة من سياساتها. فمنذ 2026 تصاعد الاهتمام بتسريع إعادة الأشخاص الذين رُفضت طلبات لجوئهم، مع مناقشة إمكانية إنشاء مراكز للعودة في دول ثالثة خارج الاتحاد الأوروبي. ويقابل هذا الاتجاه نقاش حقوقي واسع بشأن الضمانات القانونية وظروف الاحتجاز وإمكانية الوصول إلى إجراءات لجوء عادلة.

كما تتوسع الأسوار والإجراءات الاستثنائية على الحدود الشرقية لأوروبا، حيث تتزايد القيود المفروضة على الحركة وطلب الحماية. وفي مناطق أخرى من القارة يتسع استخدام الاحتجاز المرتبط بالهجرة واللجوء، الأمر الذي يعيد طرح السؤال القديم حول الموازنة بين إدارة الحدود وحماية الحقوق الأساسية.

لكن أوروبا لا تقدم نموذجًا واحدًا. ففي الوقت الذي تشدد بعض الدول سياسات العودة والترحيل، سارت إسبانيا في اتجاه مختلف نسبيًا عبر عملية واسعة لتسوية أوضاع أعداد كبيرة من المهاجرين غير النظاميين المقيمين على أراضيها. وقد تجاوزت طلبات التسوية مليون طلب، وهو ما يعكس رؤية تعتبر أن جزءًا من المهاجرين أصبح بالفعل جزءًا من سوق العمل والمجتمع.

وعلى الجانب الآخر من الأطلسي تشهد الولايات المتحدة تحولات كبيرة في إدارة الهجرة واللجوء، بما في ذلك توسيع الترحيل والاتفاق مع دول ثالثة على استقبال بعض المرحلين، حتى في حالات لا تكون لهم فيها روابط واضحة بالدولة المستقبلة. وقد أثارت هذه الآلية انتقادات متعلقة بالضمانات القانونية وإمكانية تعريض بعض الأشخاص لمخاطر جديدة بعد ترحيلهم.

أما في آسيا والخليج فلا تزال قضية العمال المهاجرين تحتل موقعًا حساسًا. ملايين الأشخاص يغادرون جنوب آسيا وجنوب شرقها للعمل في اقتصادات أكثر ثراء، لكن بعضهم يظل معرضًا لساعات عمل طويلة وظروف مناخية قاسية وهشاشة قانونية واقتصادية.

وفي إفريقيا الجنوبية ظهر وجه آخر للأزمة، حيث أدى تصاعد خطاب معاد للمهاجرين وأعمال عنف في جنوب إفريقيا إلى دفع أعداد من المهاجرين إلى العودة إلى بلدانهم. وهنا يظهر أن المهاجر قد ينجح في عبور الحدود، لكنه لا ينجح بالضرورة في عبور الحواجز الاجتماعية والاقتصادية والثقافية التي تنتظره بعدها.

المشهد العالمي إذن ليس «أزمة مهاجرين» بقدر ما هو مجموعة أزمات تتقاطع فوق أجساد المهاجرين أنفسهم: حرب تدفعهم إلى الرحيل، اقتصاد لا يوفر فرصًا، مناخ يزداد قسوة، شبكات تهريب تستغل اليأس، وحدود ترتفع أسوارها عامًا بعد آخر.

وبين رقم وآخر يوجد إنسان ترك بيتًا وعائلة ومدينة ولغة وماضيًا. بعض هؤلاء مهاجرون للعمل، وبعضهم لاجئون يحتاجون إلى الحماية، وبعضهم يفر من الفقر أو العنف أو انهيار الدولة، وكثيرون يحملون أكثر من سبب في الوقت ذاته.

الهجرة لن تختفي بقرار إداري ولا بجدار جديد، كما أنها ليست ظاهرة واحدة لها وصفة واحدة. إنها إحدى النتائج الأكثر وضوحًا لعالم تتسع فيه الفوارق وتتعدد فيه الحروب والأزمات. ولذلك فإن السنوات المقبلة لن تختبر قدرة الدول على التحكم في حدودها فقط، بل ستختبر أيضًا قدرتها على إدارة واحدة من أكثر ظواهر العصر تعقيدًا دون أن يضيع الإنسان وسط الأرقام.


0 التعليقات: