الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الأربعاء، سبتمبر 16، 2026

انتخابات المجلس الوطني للصحافة: النتائج حُسمت… لكن ماذا كشفت المهنة عن نفسها؟ عبده حقي


703 أصوات في الصدارة، 481 في المرتبة الثانية، ثم 455 و437، مقابل نسبة مشاركة توقفت عند 49.14 في المائة. هذه الأرقام وحدها كافية لكي تجعلني أنظر إلى انتخابات ممثلي الصحافيين المهنيين في المجلس الوطني للصحافة باعتبارها مرآة لحالة المهنة أكثر مما هي مجرد مسابقة انتخابية انتهت بإعلان سبعة أسماء فائزة. ففي مثل هذه المحطات، لا تقول صناديق الاقتراع فقط من دخل المؤسسة ومن بقي خارجها، بل تكشف أيضا مقدار التعبئة، وحدود الثقة، وشكل التوازنات داخل الجسم الصحافي، وحجم المسافة التي ما تزال قائمة بين المؤسسة المهنية وجزء مهم ممن يفترض أنها تمثلهم.

النتائج منحت حنان رحاب 703 أصوات، ثم عبد الله البقالي 481 صوتا، وعبد الحق العضيمي 455، والكبير خشيشن 437، ومونيا عرشي 281، ونادية حسيسو 257، وعزيزة غلام 253 صوتا. وهي أرقام ترسم خريطة انتخابية واضحة من حيث تفاوت القدرة على التعبئة، لكنها لا تمنحنا وحدها الحق في اختزال سلوك الصحافيين في ولاءات جاهزة أو استنتاجات سياسية ونقابية قاطعة. الانتخابات المهنية أكثر تعقيدا من ذلك، لأنها تتأثر بالسمعة المهنية، والحضور داخل القطاع، والشبكات النقابية، والعلاقات الشخصية، والقدرة على التواصل، والثقة التي راكمها كل اسم على امتداد سنوات.

ما استوقفني أكثر من ترتيب الفائزين هو العدد الذي بقي خارج عملية التصويت. فمن أصل 3421 صحافيا وصحافية مسجلين في اللوائح النهائية، شارك 1681، أي بنسبة 49.14 في المائة. هذه ليست تفصيلا هامشيا في نظري، لأنها تقول إن أكثر من نصف الجسم الانتخابي المسجل لم يدخل إلى صندوق الاقتراع. لا أريد أن أنسب إلى هؤلاء جميعا موقفا واحدا، فلكل غائب أسبابه، وقد تكون تنظيمية أو مهنية أو شخصية أو مرتبطة بقناعته بجدوى العملية، لكن مؤسسة التنظيم الذاتي لا يمكن أن تمر على هذا الرقم وكأنه لا يعنيها.

الصحافة المغربية مطالبة هنا بأن تطبق على نفسها الأسئلة نفسها التي تطرحها عادة على المؤسسات الأخرى: ما مستوى المشاركة؟ أين توجد أزمة الثقة؟ هل يشعر المهني بأن صوته قادر فعلا على التأثير؟ وهل ينظر الصحافي إلى المجلس باعتباره مؤسسته أم باعتباره جهازا بعيدا عن مشاكله اليومية؟

هذا السؤال يصبح أكثر إلحاحا لأن المجلس الوطني للصحافة ليس مجرد هيئة رمزية. وظيفته ترتبط بالتنظيم الذاتي للمهنة، وأخلاقياتها، وبعض آليات ضبط الممارسة، وتمثيل المهنيين في فضاء يفترض أن تكون فيه الاستقلالية والمصداقية في قلب العمل المؤسساتي. لذلك فإن اختيار ممثلي الصحافيين لا يمكن قياسه فقط بعدد الأصوات التي حصدها هذا المرشح أو ذاك، بل بما سيترتب عن هذه الأصوات من سلوك ومواقف وقرارات خلال المرحلة المقبلة.

الرقم الآخر الذي يستوقفني هو الفارق الكبير بين المرتبة الأولى والثانية. فـ703 أصوات مقابل 481 تعني فارقا يبلغ 222 صوتا، وهو فارق له دلالته من حيث التعبئة. لكنني لا أعتبره تفويضا مطلقا، لأن نظام الاقتراع يسمح للناخب باختيار أكثر من مترشح، ولذلك فإن صوت الصحافي قد يكون موزعا بين عدة أسماء. القراءة الدقيقة هنا تقتضي ألا نحول الأصوات إلى نسب تأييد سياسي أو إلى استفتاء على الأشخاص، بل أن نراها مؤشرا على القدرة على جذب أصوات داخل بيئة انتخابية مهنية مركبة.

وتلفتني كذلك تركيبة الفائزين من زاوية الحضور النسائي. أربع صحافيات مقابل ثلاثة صحافيين، مع وجود امرأة في صدارة النتائج. هذه المعطيات تستحق التسجيل لأنها تعكس حضورا نسائيا قويا داخل التمثيلية المنتخبة، لكنها لا تسمح وحدها بالقول إن مشكلات النساء في قطاع الصحافة قد حُلت، أو إن المساواة المهنية أصبحت واقعا نهائيا. تمثيل النساء في مؤسسة مهنية خطوة ذات معنى، لكن الصورة الحقيقية تكتمل عندما ننظر أيضا إلى مناصب المسؤولية والتحرير والإدارة، وإلى شروط العمل وفرص التدرج داخل المؤسسات الإعلامية.

هناك أيضا تفاوت واضح بين الأصوات التي حصل عليها أصحاب المراتب الأربع الأولى وبين بقية الفائزين. بعد أرقام تتجاوز 400 صوت، تنخفض النتيجة إلى 281 ثم 257 و253. هذا التفاوت يكشف أن الجسم الانتخابي لم يتحرك بدرجة واحدة تجاه جميع الأسماء، وأن لبعض المرشحين خزانا انتخابيا أوسع من غيرهم. لكنه في الوقت نفسه يذكرنا بأن الدخول إلى المجلس لا ينبغي أن ينتج ممثلين من درجتين: عضو قوي انتخابيا وعضو ضعيف انتخابيا. بمجرد إعلان النتائج، يصبح الجميع مطالبين بتحمل المسؤولية المؤسساتية نفسها.

ولا أريد أن أقرأ هذه الانتخابات بمنطق الأشخاص وحدهم. فالمجلس الجديد سيجد نفسه أمام مهنة تتغير بسرعة شديدة. الصحافة التي عرفناها قبل خمسة عشر عاما ليست هي الصحافة التي نمارسها اليوم. الجمهور انتقل إلى الهاتف، والمنصات صارت منافسا للمؤسسات، وصانع المحتوى ينازع الصحافي مساحة التأثير، والإعلان الرقمي أعاد توزيع الموارد، والذكاء الاصطناعي بدأ يدخل غرف الأخبار والتحرير والترجمة والتحقق وإنتاج الصور والصوت.

وسط هذا التحول، يصبح السؤال عن المجلس الوطني للصحافة أكبر من تدبير أوراق مهنية أو ملفات إدارية. هل يستطيع التنظيم الذاتي أن يضع إجابات مهنية عن استعمال الذكاء الاصطناعي؟ ما حدود استخدام المحتوى المولد آليا؟ من يتحمل المسؤولية إذا نشرت مؤسسة إعلامية خبرا ملفقا صاغته خوارزمية؟ هل يجب التصريح باستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي في بعض المواد الصحافية؟ ما مصير أخلاقيات المهنة عندما تصبح سرعة النشر أهم من التحقق لدى عدد من المنصات؟

هذه ليست أسئلة مستقبل بعيد. إنها أسئلة بدأت بالفعل تدخل المجال الإعلامي.

كما أن المجلس لا يستطيع تجاهل أوضاع الصحافيين المهنية والاجتماعية. فالتنظيم الذاتي يفقد جزءا كبيرا من معناه إذا ظل الصحافي يعيش الهشاشة، أو يواجه ضغوطا تحريرية واقتصادية، أو يعمل في ظروف لا تسمح له بممارسة مهنته باستقلالية وكرامة. لا يكفي أن نطالب الصحافي بالأخلاق المهنية إذا كانت بيئة العمل نفسها غير سليمة. أخلاق الصحافة مسؤولية فردية بالطبع، لكنها أيضا مسؤولية مؤسساتية.

العلاقة بين ممثلي الصحافيين وممثلي الناشرين ستكون بدورها اختبارا مهما للمجلس الجديد. فالطرفان موجودان داخل المؤسسة، لكن مصالحهما ليست متطابقة دائما. الناشر يفكر في الموارد، والإعلانات، والاستدامة الاقتصادية، وتكاليف الإنتاج، بينما يفكر الصحافي في الأجر، والاستقرار، والاستقلالية، والحماية المهنية، وظروف ممارسة العمل. المجلس الناجح لن يكون ذلك الذي يخفي هذا الاختلاف، بل الذي يديره بطريقة تمنع الهيمنة وتحفظ التوازن بين حقوق المهنيين وضرورات استمرار المؤسسات.

لذلك لا أريد أن تتحول انتخابات المجلس الوطني للصحافة إلى صورة تذكارية جماعية يتبادل بعدها الفائزون التهاني، ثم تعود المهنة إلى أسئلتها القديمة. الانتخابات محطة وليست غاية. عدد الأصوات يمنح المقعد، لكنه لا يمنح حصانة من النقد، ولا يضمن المصداقية إلى الأبد.

المصداقية ستصنعها القرارات، وطريقة الإنصات إلى الصحافيين، ودرجة استقلال المؤسسة، وشفافية عملها، وقدرتها على مخاطبة الجيل الجديد من الصحافيين، وعلى استيعاب الصحافة الرقمية والمستقلين والإعلام الجهوي والتحولات التكنولوجية.

والأكثر أهمية بالنسبة إليّ أن المجلس الجديد مطالب بالنظر إلى من لم يصوتوا بالقدر نفسه الذي ينظر به إلى من صوتوا. نسبة المشاركة التي لم تتجاوز نصف المسجلين تقريبا يجب ألا تُستعمل كسلاح ضد الانتخابات، لكنها أيضا لا ينبغي أن تُدفن تحت الاحتفال بالفائزين. إنها مؤشر يستحق الدراسة: لماذا يعزف جزء مهم من الصحافيين عن المشاركة في مؤسستهم المهنية؟ ما الذي يجب تغييره حتى يشعروا بأن التصويت ليس إجراء شكليا؟

قد تكشف الإجابة عن هذا السؤال أكثر مما كشفته صناديق الاقتراع نفسها.

لقد عرفنا أسماء الفائزين، وعرفنا أعداد الأصوات، وانتهت الحسابات الانتخابية. أما الامتحان الحقيقي فلم يبدأ بعد. سيبدأ عندما يواجه المجلس الملفات الصعبة، وعندما يختلف أعضاؤه، وعندما تتعارض مصالح الناشرين مع مصالح الصحافيين، وعندما تصل إليه قضايا مرتبطة بالأخلاقيات أو الاستقلالية أو التحولات الرقمية.

هناك، لا في صورة النتائج، سنعرف ماذا أنتج اقتراع شتنبر 2026 للمهنة.

فالصحافة لا تحتاج إلى مجلس يضيف مؤسسة جديدة إلى المشهد بقدر حاجتها إلى مجلس يجعل الصحافي يشعر أن وراءه تنظيما مهنيا حقيقيا، مستقلا، مسموعا وفاعلا. وإذا استطاع المجلس الجديد أن يفعل ذلك، تصبح الأصوات التي مُنحت للفائزين بداية مسار. وإذا أخفق، فستتحول الأرقام، مهما كانت كبيرة، إلى مجرد سطور محفوظة في أرشيف انتخابات مهنية أخرى.


0 التعليقات: