كلما عدت إلى تاريخ الحملات الانتخابية في المغرب منذ سبعينات القرن الماضي، أجد أنني لا أقرأ مجرد تاريخ لتطور وسائل الدعاية السياسية، بل أقرأ في العمق تاريخًا موازيًا لتحول المجتمع المغربي نفسه، ذلك أن الحملة الانتخابية لم تكن يومًا في نظري مجرد بضعة أسابيع تتكاثر فيها الملصقات والشعارات والوعود، وإنما كانت دائمًا مرآة تكشف درجة تطور الثقافة السياسية، وطبيعة علاقة المواطن بالحزب، وحدود حضور الدولة في المجال العمومي، ومستوى التعليم والتحضر، وأثر الإعلام في تشكيل الرأي العام، ثم لاحقًا دور الإنترنت وشبكات التواصل الاجتماعي والخوارزميات والذكاء الاصطناعي في إعادة صياغة العلاقة كلها بين الناخب والمرشح والرسالة السياسية. وإذا نظرت إلى هذا المسار الطويل من السبعينات إلى اليوم، فإنني أرى انتقالًا متدرجًا من حملة تقوم أساسًا على الحضور الجسدي واللقاء المباشر، إلى حملة إعلامية تتوسطها الإذاعة والتلفزيون، ثم إلى حملة رقمية انتقلت فيها السياسة إلى شاشة الهاتف، قبل أن ندخل اليوم مرحلة جديدة يصبح فيها الذكاء الاصطناعي والبيانات وأنظمة التوصية جزءًا من البنية العميقة للمنافسة الانتخابية، ومع ذلك فإن المثير في التجربة المغربية هو أن كل مرحلة لم تلغ ما قبلها، بل تراكمت الوسائط فوق بعضها، فأصبح المرشح اليوم قادرًا على أن يبدأ صباحه في سوق أسبوعي أو لقاء مباشر داخل حي شعبي، ثم يقضي جزءًا من يومه في لقاءات تنظيمية، وينتهي مساء في بث مباشر أو مقطع فيديو قصير موجه إلى جمهور لا يعرفه شخصيًا وربما لم يلتق به قط.
عندما أستحضر الحملات الانتخابية المغربية خلال السبعينات، وخصوصًا محطة 1977، ألاحظ أن السياسة كانت تقوم بدرجة كبيرة على القرب المادي، وعلى معرفة المرشح للمجال المحلي، وعلى قدرة الحزب على الحضور داخل الأحياء والأسواق والدواوير والنقابات والجمعيات والفضاءات التي يلتقي فيها الناس وجهًا لوجه، ولم يكن الناخب يعيش آنذاك داخل هذا السيل المتواصل من المعلومات والصور والتنبيهات والرسائل التي تحاصره اليوم، ولذلك كانت الحملة تُبنى من خلال الكلام المباشر، ومن خلال المنشور الورقي والملصق والاجتماع الخطابي والرمز الانتخابي، لكن الأهم من كل ذلك كان الشبكة الاجتماعية التي يتحرك داخلها الناخب، إذ كانت العائلة والقرابة والجوار والقبيلة والمهنة والانتماء النقابي أو الجمعوي تلعب دورًا أساسيًا في تشكيل الموقف السياسي، ولذلك أرى أن الحملة في تلك المرحلة لم تكن حملة إعلامية بالمعنى الحديث، بل كانت في جوهرها حملة اجتماعية، لأن الناخب كان يُخاطب بوصفه عضوًا داخل جماعة أكثر مما كان يُخاطب بوصفه فردًا سياسيًا مستقلاً، وكان تأثير الأعيان والوسطاء والمناضلين المحليين والشخصيات المعروفة داخل المجال الترابي مباشرًا، وهو ما يجعلني أرى أن الاستهداف السياسي القديم كان يعتمد على معرفة المجتمع محليًا، بينما أصبح الاستهداف الحديث يعتمد على معرفة سلوك الفرد رقميًا، وهنا يكمن أحد أعمق التحولات التي عرفتها الثقافة الانتخابية المغربية خلال نصف قرن.
ومع الثمانينات بدأت صورة أخرى في التشكل، لأن التلفزيون والإذاعة دخلا بصورة أوضح في تشكيل المجال الانتخابي، ولم يعد السياسي يتحدث فقط لمن يقفون أمامه في الساحة أو القاعة، بل صار يخاطب جمهورًا لا يراه، وهذا التحول يبدو بسيطًا من الناحية التقنية لكنه كان عميقًا من الناحية السياسية، لأن الخطاب الذي يصل عبر الإعلام الجماهيري يفرض على السياسي أن يعيد تشكيل نفسه، فالمهرجان يسمح بالإطناب والاستطراد والحماسة والانفعال والتفاعل المباشر، بينما الكاميرا تفرض الإيقاع والاختصار والانضباط وتعيد ترتيب العلاقة بين القول والصورة، ومن هنا بدأ السياسي المغربي يتحول تدريجيًا من خطيب يعتمد على قوة الحضور إلى شخصية إعلامية تحتاج إلى التحكم في مظهرها ونبرتها ولغتها وزمنها، وهذا في رأيي هو اللحظة التي بدأت فيها السياسة تتعلم أن الصورة ليست مجرد زينة مرافقة للخطاب، بل جزء من الخطاب نفسه، وأن الناخب قد يتأثر بطريقة تقديم الفكرة بقدر تأثره بمضمونها، وقد أصبح هذا المنطق فيما بعد أكثر قوة وتعقيدًا إلى أن وصلنا اليوم إلى مرحلة يمكن أن تحدد فيها صورة واحدة أو مقطع قصير أحيانًا مصير ساعات من الخطاب السياسي.
أما التسعينات فأراها مرحلة مختلفة، لأن الحملة لم تعد تُبنى فقط على الصراع السياسي بمعناه التقليدي، بل بدأت تدخل تدريجيًا في منطق القدرة على الحكم وإدارة الشأن العام، وخصوصًا مع التحولات التي سبقت تجربة التناوب في نهاية العقد، ولذلك لم يعد الحزب يستطيع الاكتفاء برأسماله التاريخي أو النضالي، بل صار مطالبًا أكثر فأكثر بأن يقنع الناخب بأنه يمتلك تصورًا للاقتصاد والتعليم والشغل والإدارة والسياسات الاجتماعية، وهنا بدأ البرنامج يكتسب وزنًا متزايدًا إلى جانب التاريخ والهوية، لكن ما يهمني أكثر في تلك المرحلة هو التحول الاجتماعي الموازي الذي كان يحدث داخل المجتمع المغربي نفسه، فقد بدأ الولاء الحزبي الصلب يضعف لدى فئات من المواطنين، ولم يعد الانتماء السياسي في كثير من الحالات يشتغل بوصفه هوية شبه دائمة تنتقل داخل الأسرة أو النقابة أو الوسط الاجتماعي، بل بدأ يظهر تدريجيًا ناخب أكثر حركة، وأكثر استعدادًا لتغيير اختياره من استحقاق إلى آخر، وهذا الناخب المتردد هو الذي سيصبح لاحقًا مركز اهتمام الحملات الحديثة، لأن الأحزاب ستكتشف أن المعركة الانتخابية لا تُخاض فقط من أجل تعبئة القاعدة التقليدية، بل أيضًا من أجل إقناع المواطن غير المستقر انتخابيًا، وهو ما فتح الباب أمام تقنيات التسويق والاستهداف والصورة والرسائل المختصرة.
ومع بداية الألفية الجديدة أصبح واضحًا بالنسبة إلي أن الحملة الانتخابية المغربية دخلت مرحلة الاحتراف التدريجي، فلم يعد يكفي أن يكون للحزب اسم ومرشح وشعار وبرنامج عام، بل صار مطالبًا بأن يحسن تقديم نفسه، وأن يفكر في التصميم والصورة والخطاب المركزي والعبارة المختصرة وطريقة توزيع الرسالة، وهنا بدأت السياسة تقترب من منطق التسويق، ليس بمعنى أنها تحولت بالكامل إلى سلعة، وإنما بمعنى أن الأحزاب أصبحت أكثر وعيًا بالسؤال الاتصالي: ماذا نريد أن يتذكر المواطن عنا؟ وما الفكرة التي يجب أن ترتبط باسمنا؟ وما الصورة التي نريد أن نثبتها في ذهن الناخب؟ وقد كان لهذا التحول جانب إيجابي في رأيي، لأنه فرض على الأحزاب قدرًا أكبر من التنظيم والوضوح والقدرة على مخاطبة الجمهور، لكنه حمل منذ البداية خطرًا موازيا يتمثل في احتمال أن تصبح صورة الحزب أقوى من مضمونه، وأن يتحول الاهتمام من جودة البرنامج إلى جودة التغليف السياسي، وهو خطر ما زال حاضرًا حتى اليوم، بل أصبح أكثر وضوحًا في البيئة الرقمية التي تستطيع فيها حملة مصممة جيدًا أن تحقق انتشارًا واسعًا حتى وإن كان مضمونها السياسي محدودًا.
وتبقى انتخابات 2007 بالنسبة إلي محطة كاشفة، لأنها أظهرت بوضوح أن تطور وسائل التواصل لا يعني بالضرورة تطور الثقة السياسية، فقد أصبحت الحملات أكثر تنظيمًا، وظهرت تقنيات جديدة في التعبئة والتواصل واستخدام الهاتف ووسائل الإعلام، ومع ذلك بقيت المشاركة ضعيفة مقارنة بتوقعات كثيرة، وهذا الأمر جعلني أقتنع بأن هناك فرقًا أساسيًا بين أزمة التواصل وأزمة الثقة، فالحزب يستطيع أن يعالج ضعف تواصله عبر إعلان جيد أو حملة أكثر مهنية، لكنه لا يستطيع أن يعالج انعدام الثقة بمجرد فيديو أو شعار أو ملصق، لأن المواطن الذي لا يشعر بأن صوته يحدث أثرًا في واقعه اليومي لن تقنعه بالضرورة حملة أكثر أناقة، ولهذا أعتقد أن أحد أكبر أخطاء التفكير في الانتخابات هو الاعتقاد بأن ضعف المشاركة يمكن تفسيره دائمًا بضعف التواصل، بينما الأمر في كثير من الأحيان يتعلق بمشكلات أعمق مرتبطة بصورة المؤسسات وفاعلية الأحزاب والقدرة على المحاسبة وربط الوعود بالنتائج.
ثم جاءت سنة 2011 وغيرت، في نظري، طبيعة المجال السياسي كله، لأن الإنترنت لم يعد مجرد أداة إضافية تستخدمها الأحزاب لنشر البيانات أو البرامج، بل أصبح فضاءً عامًا للنقاش والتعبئة والاحتجاج والتعليق والسخرية وإعادة صياغة الرسائل، وهنا انهار النموذج القديم للاتصال الذي كان يقوم على حزب يتحدث ومواطن يستمع، وصار المواطن نفسه منتجًا للمحتوى ومشاركًا في تشكيل الأجندة السياسية، ويمكنه أن يصور وأن يعلق وأن يعيد نشر الخطاب وأن يقتطع منه جزءًا وأن يمنحه معنى جديدًا قد يختلف تمامًا عن المعنى الذي قصده صاحبه، وهذه النقلة غيرت قواعد اللعبة في رأيي، لأن الحزب فقد احتكاره الكامل لرسالته، ولم يعد في مقدوره أن يتحكم في مسار الخطاب بعد إطلاقه، إذ يمكن لعبارة واحدة أن تُستخرج من سياقها وتنتشر أكثر من الخطاب كله، ويمكن لمواطن واحد أن ينتج تعليقًا أو فيديو أو صورة تحقق تأثيرًا أكبر من مادة رسمية أُعدت بميزانية كبيرة، وهكذا أصبح المجال السياسي أكثر انفتاحًا من حيث القدرة على الكلام، لكنه أصبح في الوقت نفسه أكثر فوضى من حيث جودة المعلومة وقدرة الجمهور على التحقق منها.
ومع انتخابات 2016 ثم 2021 دخل المغرب، في تقديري، بصورة واضحة إلى زمن الحملة الرقمية، فلم تعد شبكات التواصل الاجتماعي مجرد فضاء موازٍ للحملة التقليدية، بل تحولت إلى أحد ميادينها الأساسية، وأصبحت الأحزاب تفكر في فيسبوك ويوتيوب والمنصات الاجتماعية بوصفها جزءًا من بنية الحملة نفسها، وليس مجرد وسيلة إضافية لنشر ما يجري خارجها، وهذا التحول أدى إلى تغيير لغة السياسة، لأن المنصة الرقمية لا تكافئ الخطاب الطويل بالضرورة، بل تكافئ القدرة على جذب الانتباه في ثوان قليلة، ومن هنا بدأنا نرى السياسي الذي يفكر في اللقطة القصيرة، وفي العبارة القابلة للاقتباس، وفي الفيديو الذي يمكن مشاركته، وفي الصورة التي تستطيع أن تتحرك بسرعة داخل الشبكات، وأصبح الوصول إلى المواطن أكثر سرعة لكنه أكثر تنافسية أيضًا، لأن الحزب لم يعد يتنافس فقط مع خصومه السياسيين، بل مع كل شيء يظهر على شاشة الهاتف من أخبار ومباريات وإعلانات وموسيقى وفيديوهات ساخرة ومؤثرين ومحتويات ترفيهية، ولذلك أصبحت الحملة الانتخابية جزءًا من اقتصاد الانتباه، وصار على السياسي أن يخوض معركة يومية لكي يقتطع لنفسه بضع ثوان من تركيز مستخدم يعيش داخل تدفق متواصل من الرسائل.
لكنني أعتقد أن تحليل تحول الحملات من دون النظر إلى تحول الناخب نفسه سيكون ناقصًا، لأن المغرب الذي عرف حملات السبعينات والثمانينات ليس هو المغرب الذي يعيش اليوم داخل بيئة رقمية كثيفة، فقد تغير مستوى التعليم، وتوسعت المدن، وتحولت الأسرة، وتغيرت أنماط العمل والاستهلاك، وانتشرت الهجرة الداخلية والخارجية، وأصبح الهاتف الذكي امتدادًا للحياة اليومية، وصار المواطن المغربي قادرًا على متابعة حدث سياسي في الرباط ثم ينتقل في اللحظة نفسها إلى نقاش في باريس أو تونس أو واشنطن أو أي مكان آخر، وهذا الانفتاح خلق ناخبًا أكثر تعرضًا للمعلومة، لكنه لم يجعله بالضرورة أكثر قدرة على التمييز بين الصحيح والمضلل، بل ربما جعل مهمته أكثر تعقيدًا، لأن وفرة المعلومات لا تعني بالضرورة وفرة المعرفة، وقد أصبح المواطن اليوم يعيش وسط كمية ضخمة من الأخبار والتعليقات والصور والادعاءات والانفعالات، وهو ما يجعل تكوين الرأي السياسي أكثر سرعة من الماضي، لكنه أكثر تعرضًا للتوجيه والتضليل والانغلاق داخل دوائر معلوماتية متجانسة.
وأرى أن أخطر تحول في الحملات الحديثة هو الانتقال من منطق الجمهور إلى منطق البيانات، ففي الماضي كانت الأحزاب تتعامل مع كتل اجتماعية واسعة وتوجه إليها رسائل شبه موحدة، أما اليوم فإن المنصات الرقمية والتقنيات الحديثة تسمح بدرجة كبيرة من تقسيم الجمهور إلى فئات بحسب العمر والموقع والاهتمامات والسلوك والتفاعل، وهنا لم يعد الناخب مجرد فرد داخل جمهور، بل أصبح نقطة داخل قاعدة بيانات يمكن تحليلها والاستنتاج منها، ومن ثم يمكن إنتاج رسائل مختلفة لفئات مختلفة، بل يمكن تقنيًا الوصول إلى مستوى شديد الدقة في الاستهداف، وهذا يفتح إمكانات كبيرة أمام التواصل السياسي لكنه يثير في الوقت نفسه أسئلة ديمقراطية عميقة، لأن البرنامج الانتخابي التقليدي وثيقة عامة يستطيع الجميع قراءتها ونقدها، أما عندما تُرسل لكل مجموعة رسالة مصممة خصيصًا لها فإننا ندخل في فضاء أكثر غموضًا، وقد يصبح من الصعب على المواطن أن يعرف ماذا قال الحزب فعلًا للآخرين، وما إذا كانت الرسائل التي يوجهها إلى فئات مختلفة منسجمة مع بعضها أم لا.
ومع اقتراب الانتخابات التشريعية لسنة 2026، أرى أننا دخلنا مرحلة إضافية لم تعد فيها المسألة متعلقة فقط بوجود الأحزاب على المنصات، بل بدور الخوارزميات نفسها في تشكيل المجال السياسي، فالمنصة لا تعرض المحتوى للجميع بالطريقة نفسها، وإنما تختار ما يظهر لكل مستخدم وفق أنظمة توصية تعتمد على تفاعلاته السابقة وسلوكه واهتماماته، ولذلك أصبح بين الحزب والناخب وسيط جديد لا يظهر في الملصقات ولا يقف على منصة الخطابة، لكنه يؤثر في ما يراه المواطن وما لا يراه، وهذا الوسيط هو الخوارزمية، وهي في رأيي من أهم الفاعلين الجدد في السياسة المعاصرة، لأنها تعيد ترتيب الأولويات وتحدد درجة انتشار بعض الرسائل وتكرارها، وتؤثر في بناء ما يعتبره المستخدم مهمًا أو ثانويًا، وبذلك لم يعد الحزب يتنافس فقط مع خصمه، بل داخل منظومة توزيع معلوماتية معقدة تتحكم فيها شركات ومنصات عابرة للحدود، وهو ما يطرح سؤالًا جديدًا حول السيادة المعلوماتية وحول قدرة المؤسسات الوطنية على حماية المجال الديمقراطي في فضاء لا تتحكم في بنيته التقنية بالكامل.
ثم جاء الذكاء الاصطناعي التوليدي ليضيف طبقة جديدة من التعقيد، وأعتقد أننا ما زلنا في بداية فهم آثارها السياسية الحقيقية، فهذه الأدوات تستطيع أن تساعد الحزب على تلخيص برنامج طويل، وإنتاج نسخ مختلفة من الرسائل، وترجمة المواد إلى لغات متعددة، وتحسين الوصول إلى بعض الفئات، وصناعة محتوى بصري وسمعي بسرعة غير مسبوقة، وكل ذلك قد يكون مفيدًا إذا استُعمل بوضوح وشفافية، لكن الأدوات نفسها قادرة أيضًا على إنتاج صور مزيفة وأصوات لم تُسجَّل فعليًا ومقاطع فيديو تبدو حقيقية ورسائل آلية بكميات هائلة، وهنا يصبح الخط الفاصل بين الاتصال المشروع والتلاعب أكثر دقة، لأن التضليل لم يعد يحتاج إلى مؤسسات إعلامية كبيرة أو أجهزة تقنية معقدة، ويمكن لمستخدم واحد أن ينتج مادة مقنعة ظاهريًا خلال وقت قصير، ولذلك أرى أن دخول الذكاء الاصطناعي إلى الحملات لا يمثل مجرد تطور في الأدوات، بل يفرض إعادة التفكير في مفهوم النزاهة الانتخابية نفسه.
ففي الماضي كان الحديث عن نزاهة الانتخابات يتركز أساسًا على التسجيل والتصويت والفرز وحياد المؤسسات وضمان تكافؤ الفرص، أما اليوم فأصبح علينا أن نضيف مستوى آخر لا يقل أهمية، وهو نزاهة البيئة المعلوماتية التي يتخذ المواطن داخلها قراره، لأن الناخب قد يصل إلى مكتب التصويت بحرية كاملة من الناحية القانونية، لكنه يكون قد تعرض طوال أسابيع لمعلومات مزيفة أو حملات آلية أو محتوى مركب أو مقاطع غير صحيحة جرى تضخيمها خوارزميًا، وهنا يصبح السؤال أكثر تعقيدًا: هل تكفي سلامة الصندوق إذا كانت البيئة التي سبقت الوصول إليه ملوثة بالتضليل؟ ومن هنا أعتقد أن الديمقراطية الحديثة تحتاج إلى توسيع مفهوم النزاهة ليشمل حماية الحق في الوصول إلى معلومات يمكن الوثوق بها، وحق المواطن في معرفة متى يتعامل مع محتوى مولد آليًا أو معدل رقميًا، وحقه في ألا تتحول بياناته الشخصية إلى أداة خفية للتوجيه السياسي.
ومع كل هذه التحولات، لا أرى أن الحملة المغربية أصبحت رقمية خالصة، بل أعتبرها اليوم حملة هجينة تتجاور فيها أشكال قديمة وحديثة من الاتصال السياسي، فالمرشح ما يزال يحتاج إلى السوق الأسبوعي واللقاء المباشر والعلاقات المحلية والجمعيات وشبكات القرب، وفي الوقت نفسه يحتاج إلى صفحة نشطة ومحتوى سريع وانتشار رقمي، ولذلك يمكن أن نرى داخل الحملة الواحدة أدوات تنتمي إلى أزمنة مختلفة: مكبر الصوت إلى جانب البث المباشر، والملصق الورقي إلى جانب الفيديو العمودي، والمناضل المحلي إلى جانب صانع المحتوى، واللقاء في المقهى إلى جانب النقاش على المنصة الرقمية، وهذه الهجنة لا أراها علامة تخلف أو تناقض، بل انعكاسًا لبنية المجتمع المغربي نفسه الذي يجمع بين أنماط اجتماعية وثقافية متعددة ويتحرك بسرعات مختلفة بين التقليدي والحديث والرقمي.
وإذا كان هناك ما يقلقني فعلًا في هذا المسار كله، فهو ليس التكنولوجيا في حد ذاتها، وإنما احتمال أن تتحول الأداة إلى بديل عن السياسة، وأن يصبح الفيديو أهم من البرنامج، والانتشار أهم من الفكرة، والتفاعل أهم من الحجة، وأن يقاس حضور السياسي بعدد المشاهدات بدل نوعية التصورات التي يقترحها، لأن الانتخابات إذا تحولت إلى سباق على الانتباه فقط فإن الديمقراطية ستقترب شيئًا فشيئًا من صناعة الترفيه، وسيصبح النجاح مرتبطًا بقدرة المرشح على إثارة الانفعال أكثر من قدرته على تقديم حلول قابلة للنقاش والمحاسبة، وأنا لا أريد من الحزب أن يعرف فقط كيف يجعلني أنقر على منشوره أو أشاهد مقطعه، بل أريد أن أعرف ماذا يقترح للتعليم والصحة والشغل والعدالة الاجتماعية والضرائب والحريات والإدارة والتنمية، وأريد أن أستطيع بعد سنوات أن أعود إلى ما قاله وأقارنه بما أنجزه.
لهذا أرى أن الاختبار الحقيقي للحملات الانتخابية المغربية المقبلة لن يكون في مدى حداثة الأدوات التي تستخدمها الأحزاب، بل في قدرتها على الحفاظ على جوهر السياسة داخل هذه البيئة الجديدة، فالذكاء الاصطناعي يمكن أن يساعد على تبسيط البرنامج لكنه لا ينبغي أن يتحول إلى أداة لتزييف الواقع، والخوارزمية يمكن أن تسهل الوصول إلى الجمهور لكنها لا ينبغي أن تصبح سلطة خفية توجه وعيه من دون شفافية، والبيانات يمكن أن تساعد على فهم احتياجات المواطنين لكنها لا ينبغي أن تتحول إلى وسيلة للتلاعب بميولهم، ومن هنا أعتقد أن التحدي الذي يواجه المغرب اليوم ليس رفض التكنولوجيا ولا تمجيدها، وإنما إخضاعها للقواعد الديمقراطية، وضمان أن تظل الحملة وسيلة للإقناع الحر لا هندسة خفية للسلوك الانتخابي.
وبعد كل هذا المسار الطويل، من الساحات والأسواق والاجتماعات المحلية إلى التلفزيون، ومن التلفزيون إلى الإنترنت، ومن الإنترنت إلى الهاتف والخوارزمية والذكاء الاصطناعي، أجد أن السؤال الجوهري لم يتغير كثيرًا رغم تغير الوسائل كلها: كيف يقنع الحزب المواطن بأن يمنحه صوته؟ الفرق هو أن الإقناع كان قديمًا يجري أمام الناس مباشرة، ثم أصبح عبر الشاشة، ثم صار اليوم يجري في فضاء لا نرى جزءًا من آلياته، ولهذا فإن المعركة الديمقراطية المقبلة ستكون في رأيي معركة على وضوح العلاقة بين المواطن والمعلومة بقدر ما هي معركة على البرامج والمرشحين، لأن الحرية الانتخابية لا تعني فقط أن أضع ورقة في الصندوق من دون إكراه، بل تعني أيضًا أن أصل إلى ذلك الصندوق وقد استطعت أن أميز قدر الإمكان بين الحقيقة والدعاية، وبين البرنامج والصورة، وبين الإقناع والتلاعب، وهنا بالضبط أرى أن مستقبل الحملات الانتخابية في المغرب لن يُحسم فقط في من يملك أفضل أدوات الذكاء الاصطناعي، بل في من يستطيع أن يستخدم هذه الأدوات من دون أن يفرغ السياسة من معناها الإنساني والديمقراطي.







0 التعليقات:
إرسال تعليق