أدخل المقهى ولا أدخله، لأن الكرسي الذي أجلس عليه يسبقني بثلاثة أيام، ولأن النادل يضع أمامي فنجانًا أعرف أنه كان أمس نافذة في بيت امرأة لم أولد بعد كي أحبها. أرفع الملعقة فتسمعني المدينة. لا أحد يلتفت. هذا جيد. يجب ألا يلتفت أحد عندما تبدأ الأشياء في الاعتراف.
أقول صباح الخير للرجل الجالس قبالتي، لكن الصباح يسقط من فمي على الطاولة ويتدحرج حتى حذائه، فيلتقطه من غير أن يراه ويضعه في جيبه مع النقود والمفاتيح وصورة طفل يبتسم من داخل سنة لم تقع. أفكر أن الإنسان العادي هو أكثر الحيوانات سرية؛ يخرج كل صباح مرتديًا حياته كما لو أنها قميص مكوي بعناية، ولا يدري أن خلف أذنه سلّمًا يصعد إلى غابة، وأن إصبعه الصغير يعرف أكثر مما تعرفه جميع الخرائط.
أحبه لهذا السبب.
أحب أولئك الذين يمرون أمامي من دون أن يشكوا في أنني أراقب الثقب الصغير الذي يتركه كل واحد منهم في الهواء. تمر امرأة فيرتجف عمود الإنارة. يعبر ساعي البريد فتتغير رائحة الشارع. يفتح رجل مظلته تحت شمس كاملة، فأفهم أن المطر موجود في مكان آخر لكنه نسي عنوانه.
لا شيء غريب.
هذا هو الغريب.
لقد تعلمت أن أكون مثلهم بما يكفي كي لا تنهض الطاولات عندما أدخل. أضع وجهي في مكانه قبل الخروج، أزرر صوتي إلى أعلى، وأخبئ الطيور في جيب المعطف. أقول نعم في الموضع الذي ينام فيه نعم، وأقول لا إذا كانت النافذة مغلقة، وأضحك إذا ضحكوا، مع أن ضحكتي في الداخل تكون أحيانًا سلّمًا ينزل إلى قاع بئر حيث تجلس سمكة مرتدية قبعة أبي وتقرأ جريدة الغد.
أبي؟
لا أعرف لماذا جاء أبي الآن.
ربما لأن الباب فتح.
لكن الباب لم يفتح.
إنه فقط تذكّر أنه كان شجرة.
أضع يدي على الطاولة فتبدأ أصابعي في التفكير بدلًا مني. الإصبع الأول يريد السفر، الثاني يريد قتل الساعة، الثالث يحب امرأة اسمها ربما الثلاثاء، الرابع مات منذ زمن ولم يخبرني أحد، أما الخامس فيشير إلى سقف المقهى حيث يمر قطار بطيء مملوء بأشخاص نائمين، وكل واحد منهم يحلم بي وأنا أكتب هذه الجملة.
أتوقف.
الجملة لا تتوقف.
تسير وحدها في الزقاق، تدخل متجر الأحذية، تشتري قدمين، ثم تختفي في اتجاه البحر.
البحر بعيد.
البحر هنا.
هناك قطرة مالحة تحت لساني منذ طفولتي، وربما لهذا السبب كنت دائمًا أشك في اليابسة. الأرض نفسها لا تبدو لي إلا بحرًا توقف فجأة عن الحركة كي لا يوقظ الموتى.
يمر رجل يحمل خبزًا.
أراه يحمل قلبًا دافئًا ملفوفًا في ورق.
يمر طفل يحمل بالونًا.
أراه مربوطًا إلى كوكب صغير يخاف أن يضيع.
تمر عجوز.
لا تمر.
العجوز هي الشارع كله وقد ارتدى معطفًا بنيًا ليزور نفسه.
أبتسم لها.
تبتسم لي.
للحظة أفهم كل شيء.
ثم تصل الحافلة.
وهذا ما يحدث دائمًا: في اللحظة التي يوشك العالم فيها أن يشرح نفسه، تصل حافلة أو يرن هاتف أو يسأل أحدهم عن الثمن، فتعود الأسرار إلى أماكنها بسرعة، كما تعود الفئران إلى الجدران عند إشعال المصباح.
لهذا أصبحت أحب التفاصيل الحقيرة. العملة المعدنية تحت الطاولة. الزر المفقود. الورقة التي كتب عليها شخص رقمًا ثم مزقها. المنديل المبلل في سلة القمامة. حذاء وحيد خلف باب. هذه ليست أشياء. إنها رسائل أخطأت العناوين.
كنت ألتقطها وأضعها في رأسي.
ازدحم رأسي حتى صار له رصيف.
ثم محطة.
ثم مدينة.
وفي المدينة رجل يشبهني لكنه لا يعرفني. أراه أحيانًا من الخلف عند المنعطفات، فأسرع، يسرع، أركض، يركض، حتى يختفي داخل امرأة تفتح حقيبتها بحثًا عن مرهم لصداعها.
ربما أنا صداع امرأة مجهولة.
فكرة مريحة.
على الأقل سيكون لي سبب.
كان الآخرون يطمئنون إليّ لأنني أتقن فن عدم الظهور. لا أعني الاختفاء، فهذا سهل؛ أعني أن تظهر تمامًا من دون أن يراك أحد. أن تجلس بينهم وتصبح كرسيًا إضافيًا، أن تتكلم فيعتقدوا أن الكلمات خرجت من الراديو، أن تحمل في رأسك انفجار نجمة بينما تسأل بهدوء عن سعر السكر.
السكر.
كلمة خطيرة.
حبة واحدة منه سقطت صباحًا فوق الطاولة وبقيت هناك تلمع كسنّ صغير اقتلعته السماء من فمها أثناء النوم. مددت يدي إليها ثم تراجعت. بعض الأشياء يجب ألا تُلمس، لأنها إذا تحركت سنتيمترًا واحدًا ربما تغير ترتيب الموتى في المقابر.
من يعرف؟
العقل يقول لا أحد.
لكن العقل رجل يرتدي ربطة عنق ضيقة ويكره المفاجآت.
أنا لا أثق به.
كلما قال لي إن الباب باب، وضعت أذني عليه لأسمع البحر في الجهة الأخرى. كلما قال لي إن الحجر حجر، انتظرت حتى ينام ثم سألته عن طفولته. كلما قال لي إن الناس مجرد ناس، نظرت طويلًا إلى وجوههم حتى أرى الحيوانات القديمة التي تركت فيها الزمنَ نائمًا.
في وجه الجزار غيمة.
في وجه المدرّس قارب مثقوب.
في وجه الشرطي مصباح مطفأ.
وفي وجه الفتاة التي تمر الآن أمام الزجاج غرفة كاملة، سرير غير مرتب، كتاب مفتوح، وردة يابسة، ورجل لم يدخل حياتها بعد لكنه واقف هناك منذ سنوات.
أريد أن أخبرها.
لا أخبرها.
ربما الرجل أنا.
ربما هو الكرسي.
ربما لا يوجد رجل.
هذه أفضل الاحتمالات.
أن يكون الشيء موجودًا وغير موجود في الوقت نفسه، كالحب، كالموت، كالمفتاح الذي نجده بعد أن نكسر الباب.
أتعامل مع الناس برفق لأنني أخاف عليهم من الأشياء التي يحملونها من دون علمهم. كل واحد منهم يمشي وفي داخله حريق صغير مؤجل، درج مغلق، مدينة غارقة، حصان أبيض، جريمة لم تقع، قبلة تأخرت أربعين عامًا، وطفل ينام تحت الطاولة منتظرًا أن يكبر الرجل فوقها.
وأنا؟
ربما كنت أحملهم جميعًا.
ربما لهذا أثقل في المساء.
أعود إلى البيت، أخلع معطفي، فتسقط منه الشوارع. أفرغ جيبي: مفتاح، ورقة، قطعة نقد، جناح عصفور، اسم امرأة، رائحة مستشفى، درج يصعد إلى الأسفل، وصوت أمي تقول شيئًا لم أسمعه جيدًا لأن القمر كان يمر بيننا بعربة مليئة بالتفاح الأسود.
أضع كل شيء على الطاولة.
أتفقد وجهي.
ما زال هناك.
هذه مفاجأة.
أنام.
لكن النوم لا يأتي؛ يرسل بدلًا منه مندوبًا قصير القامة يحمل حقيبة حمراء. يقول لي وقّع هنا. أوقع. يفتح الحقيبة فتخرج منها غرفتي وأنا نائم فيها.
أقترب مني.
أضع يدي على كتفي.
أقول لنفسي: لا تخف، إنهم لم يكتشفوا شيئًا بعد.
أفتح عيني.
الصباح جالس عند حافة السرير.
لا يرتدي شيئًا.
وفي فمه مفتاح صغير.
أسأله لأي باب.
فيبتلعه.







0 التعليقات:
إرسال تعليق