الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الجمعة، أكتوبر 30، 2026

رحيل محمد العلي… شاعر الفكرة حين كانت الحداثة معركة بقلم: عبده حقي


حين يرحل شاعر من طراز محمد العلي، لا تبدو المسألة مجرد خبر ثقافي يضاف إلى سجل الغياب، ولا مجرد مناسبة لاستعادة دواوين وكتب وصور من زمن أدبي مضى، بل تصبح لحظة للتأمل في مرحلة كاملة من تاريخ الثقافة العربية الحديثة، مرحلة كانت فيها القصيدة موقفًا، وكانت الكلمة مخاطرة، وكان المثقف يدخل إلى ساحة الكتابة وهو يعرف أن كل فكرة جديدة قد تتحول إلى قضية، وكل انحياز إلى الحرية قد يصبح مواجهة مفتوحة مع أنظمة التفكير السائدة. لذلك فإن رحيل محمد العلي لا يعني فقط غياب شاعر سعودي بارز، بل يفتح من جديد ملف الحداثة والتنوير في السعودية والخليج، وملف تلك الأجيال التي آمنت بأن الأدب لا يعيش إلا إذا تجاوز وظيفة الزينة اللغوية إلى وظيفة أعمق هي مساءلة المجتمع والزمن والذات.

وُلد محمد عبد الله العلي في الأحساء سنة 1932، في فضاء اجتماعي وثقافي لم يكن يعرف بعد التحولات الكبرى التي ستصنع لاحقًا المملكة الحديثة بكل تناقضاتها وأسئلتها. عاش زمنًا انتقلت فيه المنطقة من إيقاع تقليدي شديد البطء إلى عصر النفط والمدن والصحافة والتعليم والجامعات والتحولات الاجتماعية العاصفة. وكانت هذه التحولات بالنسبة إلى شاعر مثله أكثر من مجرد خلفية تاريخية، لأنها شكلت المادة العميقة التي غذت وعيه وحساسيته وأسئلته الشعرية والفكرية.

لقد جاء محمد العلي إلى الشعر في زمن لم تكن فيه الحداثة كلمة مألوفة أو آمنة. كان الانتماء إلى شعر التفعيلة، والتجريب في اللغة، والانفتاح على الفكر الحديث، ومحاولة إعادة النظر في علاقة الإنسان بالتقاليد، كلها اختيارات ذات ثمن ثقافي وفكري. ولم يكن النقاش حول الحداثة في السعودية نقاشًا شكليًا حول البحور الشعرية والأوزان والقافية، بل كان في جوهره نقاشًا حول المجتمع نفسه: كيف يفكر؟ كيف يتغير؟ وما الحدود التي ينبغي أن تُرسم بين التراث والتجديد؟

من هنا يمكن فهم محمد العلي باعتباره واحدًا من شعراء المرحلة الذين جعلوا من القصيدة مختبرًا للسؤال. لم يكن همه أن يعلن انفصالًا استعراضيًا عن الماضي، ولا أن يحول الحداثة إلى شعار أجوف، بل كان يسعى إلى كتابة شعر قادر على ملامسة التحولات النفسية والفكرية التي يعيشها الإنسان الجديد. ولهذا بدت قصيدته أقرب إلى التأمل والحفر الداخلي، وأكثر ميلًا إلى بناء علاقة مركبة بين الصورة والفكرة، بين الإحساس والتساؤل.

وكانت تجربته الثقافية تتجاوز الشعر نفسه. فقد كتب المقالة، وخاض النقاش الفكري، وانخرط في الصحافة، وشارك في تشكيل خطاب ثقافي جديد بدأ يظهر في السعودية منذ النصف الثاني من القرن العشرين. وهذا الجانب بالغ الأهمية في فهم مكانته، لأن محمد العلي لم يكن شاعرًا منعزلًا في برج لغوي، بل مثقفًا حاضرًا في مجتمعه، يراقب تحولات الناس، ومصير الأفكار، والصدام بين الأجيال، والجدل حول التعليم والثقافة والمرأة والحرية ومفهوم التقدم.

في الثمانينيات والتسعينيات خصوصًا، أصبحت الحداثة في السعودية موضوعًا ثقافيًا شديد الحساسية. ظهرت كتب ومقالات ومناظرات حادة، وأخذ النقاش شكلًا يتجاوز الأدب ليصل إلى الدين والاجتماع والسياسة والثقافة. انقسم المشهد بين من رأى في الحداثة ضرورة تاريخية تسمح للمجتمع العربي بتجديد أدوات تفكيره، وبين من اعتبرها اقتحامًا فكريًا غريبًا يهدد الهوية والقيم.

محمد العلي وجد نفسه داخل هذه المعركة لا خارجها. وكان أحد الأصوات التي دافعت عن حق المثقف في التفكير والتجريب والاختلاف. وحين دخل في سجالات مع بعض الكتب التي هاجمت الحداثة الأدبية، لم يكن دفاعه مجرد دفاع عن مدرسة شعرية، بل دفاعًا عن مبدأ أوسع: أن الثقافة لا يمكن أن تستمر إذا حُوصرت الأسئلة، وأن الشعر لا يمكن أن يبقى حيًا إذا تحول إلى تكرار صيغ جاهزة ورؤى موروثة.

ومن هنا تأتي أهمية العبارة التي استُعملت في بعض مواد الرثاء عنه: «معركة الفكرة في غير زمنها». وهي عبارة مكثفة تختصر جانبًا كبيرًا من تجربته. فقد كان محمد العلي من المثقفين الذين سبقوا زمنهم أحيانًا في طرح أسئلة لم تكن البيئة الثقافية مستعدة بعد لاستقبالها بسهولة. وكان عليه أن يدفع ثمن هذا التقدم الزمني، لأن الأفكار حين تأتي مبكرًا كثيرًا ما تواجه بالمقاومة قبل أن تتحول بعد سنوات إلى جزء طبيعي من المشهد الثقافي.

والتاريخ الثقافي العربي مليء بمثل هذه الحالات. فكل مشروع تنويري حقيقي تقريبًا بدأ بوصفه إزعاجًا للنظام الفكري السائد. وكل قصيدة جديدة بدت في لحظتها خروجًا قبل أن تصبح لاحقًا تقليدًا جديدًا. ولذلك فإن قراءة محمد العلي اليوم تسمح لنا بإعادة النظر في معنى المعركة الثقافية ذاتها: هل كان الخلاف حول الحداثة خلافًا على الشعر؟ أم كان في الحقيقة خلافًا على صورة الإنسان العربي الذي ينبغي أن يولد من قلب التحولات الحديثة؟

بالنسبة إليّ، أرى أن محمد العلي ينتمي إلى ذلك النمط من المثقفين الذين لا تقاس أهميتهم بعدد الكتب التي تركوها فقط، وإنما بنوعية الأسئلة التي ساهموا في إدخالها إلى المجال العام. فثمة كتاب يتركون مكتبات كاملة، لكن أثرهم يبقى محدودًا، وثمة كتاب آخرون ينجحون في تعديل اتجاه النقاش الثقافي ولو من خلال عدد أقل من النصوص. والعلي أقرب إلى الفئة الثانية، لأنه جعل من الكتابة فعلًا يتجاوز النص إلى التفكير في شروط إنتاجه وموقعه داخل المجتمع.

لقد كان واعيًا بأن القصيدة الحديثة ليست مجرد بناء لغوي جديد، بل هي في العمق تعبير عن ذات جديدة. فالإنسان الذي تغيرت مدينته، وتعليمه، وعلاقته بالعالم، ومصادر معرفته، لا يمكنه أن يكتب دائمًا بالقوالب نفسها التي كُتبت بها القصيدة قبل قرون. ومن هنا جاءت حداثته متصلة بتحول الإنسان نفسه، لا بتجريب شكلي منفصل عن الواقع.

لكن تجربة محمد العلي تكشف أيضًا شيئًا آخر: أن الحداثة العربية لم تكن يومًا خطًا مستقيمًا. فقد انتصرت في الشكل أحيانًا وخسرت في الجوهر. أصبح شعر التفعيلة مقبولًا، وانتشر الشعر الحر، ثم قصيدة النثر، وصارت المفردات الحداثية جزءًا من المعجم الثقافي اليومي، لكن الأسئلة الكبرى حول حرية الفرد واستقلال العقل وحق الاختلاف ما تزال مطروحة بدرجات مختلفة في المجتمعات العربية.

وهذا ما يجعل استعادة مشروع العلي اليوم ذات دلالة خاصة. فربما لم تعد معركة الوزن والقافية هي القضية المركزية، لكن معركة التفكير ما تزال قائمة، وربما انتقلت من الصحف والمجلات القديمة إلى المنصات الرقمية، ومن السجالات المطولة إلى الصدامات السريعة عبر وسائل التواصل الاجتماعي. تغيرت الوسائط، لكن جوهر السؤال بقي قائمًا: هل نريد ثقافة تحتمل الاختلاف أم ثقافة تبحث عن التطابق؟

ومن المثير أيضًا أن محمد العلي جاء من الأحساء، أي من منطقة ذات تاريخ ثقافي واجتماعي غني، وكانت ولا تزال فضاء للتداخل بين التقاليد والمعرفة والتعليم والحراك الأدبي. وهذا الانتماء المكاني منح تجربته خصوصية واضحة، لأنه لم يكن يكتب من مركز ثقافي واحد، بل من هامش جغرافي تحول مع الزمن إلى واحد من منابع التجديد الفكري والأدبي في السعودية.

كما أن مساره المهني في التعليم والصحافة منحه احتكاكًا مباشرًا بالناس والطلاب والمجتمع، فلم تكن أفكاره نتاج عزلة جامعية أو فلسفية، بل خرجت من تماس يومي مع التحولات الحقيقية التي عرفتها البلاد. لذلك كان يكتب وهو يعرف أن التغيير لا يحدث فقط داخل الكتب، بل داخل المدارس والبيوت والشوارع والعلاقات بين الأجيال.

وقد جمع بعض إنتاجه في كتب مثل «كلمات مائية» و«هموم الضوء» و«درس البحر» و«لا أحد في البيت»، وهي عناوين تكشف وحدها عن طبيعة حساسيته الشعرية؛ فهي تنفتح على الماء والضوء والبحر والغياب، أي على عناصر تتصل بالحركة والتحول وعدم الثبات. وكأن اللغة عنده كانت دائمًا تبحث عن شكل لا يستقر، وعن معنى لا يغلق نفسه في تعريف نهائي.

أما من الناحية الفكرية، فقد ظل وفيًا لفكرة أن المثقف ليس موظفًا لدى اليقين. المثقف الحقيقي بالنسبة إلى تجربة مثل تجربته هو من يطرح السؤال حتى حين يكون السؤال مزعجًا، ومن يدافع عن حق المجتمع في التفكير، لا عن حق فئة معينة في امتلاك الحقيقة. وهنا بالضبط نصل إلى جوهر التنوير كما تمثله سيرته: ليس التنوير تبني مجموعة من الأفكار الجاهزة القادمة من الخارج، بل هو تدريب دائم على استعمال العقل ومراجعة المألوف.

لقد عاش محمد العلي طويلًا بما يكفي لكي يرى تغيرات هائلة في المجتمع السعودي. رأى المدن تكبر، والتعليم ينتشر، والصحافة تتطور، والجامعات تتوسع، والجيل الجديد يدخل العالم الرقمي، والمرأة تحضر بقوة أكبر في المجال العام، والمشهد الثقافي ينتقل من الجدل حول شرعية الحداثة إلى نقاشات الذكاء الاصطناعي والثقافة الرقمية وما بعد الحداثة.

وربما تكمن مفارقة رحيله في أن كثيرًا من الأفكار التي كانت تبدو قبل عقود صادمة أو غريبة أصبحت اليوم جزءًا من المشهد الثقافي العادي. وهذا لا يعني أن معاركه انتهت، بل يعني أن كل جيل يعيد صياغة المعركة بأسئلته الخاصة.

من وجهة نظري، لا ينبغي أن نقرأ محمد العلي بوصفه مجرد «رائد حداثة» بالمعنى الاحتفالي، لأن مثل هذه الألقاب قد تتحول مع الزمن إلى متحف لغوي يفرغ التجربة من قلقها الحقيقي. الأهم أن نقرأه باعتباره شاهدًا على مرحلة كان فيها المثقف العربي يعتقد أن للكلمة قدرة فعلية على تغيير المجتمع، وأن الشعر يمكن أن يكون شريكًا في صناعة الوعي، وأن النقاش الثقافي ليس ترفًا بل ضرورة.

وإذا كان جيله قد خاض معركة الحداثة، فإن جيلنا يواجه اليوم معارك من نوع آخر: معركة الخوارزمية، وتفكك الانتباه، وتراجع القراءة العميقة، وتحول الثقافة إلى محتوى سريع الاستهلاك. لكن الرابط بين الزمنين واحد: الحاجة إلى عقل نقدي يرفض الاستسلام لما يفرضه الوسط الاجتماعي أو التقني.

لهذا فإن رحيل محمد العلي يمكن أن يكون مناسبة لطرح سؤال أوسع: ماذا بقي من صورة المثقف التي يمثلها؟ هل ما يزال الكاتب قادرًا على أن يساهم في صناعة النقاش العمومي؟ وهل ما تزال القصيدة قادرة على أن تكون فعلًا معرفيًا لا مجرد مادة جمالية؟

لا أملك جوابًا نهائيًا عن هذه الأسئلة، لكنني أعتقد أن التجارب الكبرى لا تُقاس بما إذا كانت قد انتصرت بالكامل أم لا. يكفي أحيانًا أن تفتح نافذة في جدار ثقافي شديد الصلابة لكي يتغير اتجاه الهواء كله. ومحمد العلي كان واحدًا من أولئك الذين فتحوا نوافذ مبكرة في الثقافة السعودية الحديثة.

رحل الشاعر، لكن معركة الفكرة لا ترحل. تتغير وجوهها ومفرداتها وأدواتها، وتعود في كل جيل بصيغة جديدة. وربما هذا هو أعظم ما يتركه شاعر مفكر وراءه: لا إجابات نهائية، بل أسئلة ترفض الموت.

الكاتب المغربي عبده حقي



0 التعليقات: