يصعب عليّ أن أتقبل الطريقة التي يُشهر بها بعض الخطاب السلفي المحافظ حديث «لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة» كلما اقتربت امرأة من موقع سياسي أو قضائي أو إداري رفيع. فالحديث، في هذا الخطاب، لا يُناقش بوصفه نصًا له سياق تاريخي وأسباب ورود ومجال دلالة، بل يتحول فجأة إلى حكم نهائي جاهز لإغلاق الباب في وجه نصف المجتمع. وما يزعجني هنا ليس وجود الحديث في كتب السنة، وإنما هذا الإصرار على تحويله إلى ما يشبه الفيتو الأبدي ضد المرأة، وكأن التاريخ توقف، وكأن شكل الدولة لم يتغير، وكأن الفقه نفسه لم يعرف الخلاف والاجتهاد.
إن أسوأ ما يمكن فعله بالنص الديني هو انتزاعه من التاريخ ثم استخدامه لإيقاف التاريخ.
قيل الحديث في سياق سياسي معلوم يتعلق بفارس بعد اضطراب بيت كسرى وانتقال الملك إلى امرأة في ظرف سياسي بالغ التعقيد. لكن الخطاب المحافظ يتجاوز هذه التفاصيل بسهولة مذهلة، لأن السياق يربك اليقين الذي يريد تسويقه. إنه يريد جملة قصيرة وحاسمة: المرأة لا تصلح للحكم. وبعد ذلك يصبح كل شيء زائدًا: أسباب الورود، التاريخ، طبيعة السلطة، اختلاف الفقهاء، تطور الدولة، بل حتى الوقائع التي تناقض هذا التعميم.
وهنا أطرح السؤال الذي يتهرب منه كثيرون: لماذا نعتبر السياق ضروريًا لفهم عشرات النصوص، ثم نتخلص منه عندما يتعلق الأمر بحقوق النساء؟
الدولة الحديثة ليست عرش كسرى. رئيسة الحكومة اليوم لا تملك رقاب الناس، ولا تقرر وحدها الحرب والسلم، ولا تورث السلطة لأبنائها. السلطة موزعة بين مؤسسات ودستور وبرلمان وقضاء وإدارة وهيئات رقابة. فكيف نستعير حكمًا ناتجًا عن نظام ملكي إمبراطوري قديم ثم نفرضه على دولة دستورية في القرن الحادي والعشرين؟ هذا ليس وفاءً للتاريخ؛ إنه تجاهل للتاريخ.
المشكلة أن بعض الخطاب السلفي يريد منا تصديق مفارقة غريبة: يمكن للمرأة أن تصبح طبيبة تجري جراحة في الدماغ، وأستاذة جامعية تشرف على آلاف الطلبة، وقاضية تفصل في مصائر الناس، ومهندسة تدير مشاريع بمليارات الدراهم، لكنه ما إن يُكتب أمام اسمها «رئيسة حكومة» حتى تنهار فجأة أهليتها العقلية والسياسية بسبب جنسها. بأي منطق يمكن الدفاع عن هذا التناقض؟
إذا كانت الكفاءة هي المعيار في بقية المسؤوليات، فلماذا تختفي الكفاءة أمام باب السلطة؟
ولا أجد جوابًا مقنعًا سوى أن المسألة لم تعد دينية فقط، بل أصبحت مرتبطة ببنية اجتماعية ذكورية تبحث باستمرار عن سند ديني يحصن امتيازاتها. فالمرأة في بعض هذه الخطابات مقبولة طالما بقيت داخل المساحة التي رسمها لها الرجل. فإذا تجاوزتها، استُدعيت النصوص بسرعة، وكأن الدين وُجد أساسًا لحراسة الحدود الاجتماعية بين الجنسين.
الأغرب أن القرآن نفسه يقدم ملكة سبأ بوصفها حاكمة تستشير قومها قبل اتخاذ القرار. يقول النص القرآني على لسانها: «قالت يا أيها الملأ أفتوني في أمري ما كنت قاطعة أمرًا حتى تشهدون». أي صورة أكثر وضوحًا للشورى والحكمة السياسية من هذه؟ لم يصف القرآن قومها بالفشل لأن امرأة حكمتهم، ولم يجعل جنسها سببًا لسقوط مملكتها، بل رسم شخصية سياسية حذرة تفكر في عواقب الحرب قبل الاندفاع إليها.
فكيف يمكن تجاهل هذا البناء القرآني الكامل ثم بناء نظرية سياسية كاملة على قراءة واحدة لحديث مرتبط بواقعة تاريخية بعينها؟
لقد نجحت نساء في الحكم وفشلت أخريات، كما نجح رجال وفشل عدد هائل منهم. وإذا كنا سنقيس أهلية النساء للحكم بأخطاء حاكمات معينات، فعلينا بالمنطق ذاته أن نغلق أبواب السياسة أمام الرجال بسبب العدد الهائل من الطغاة والفاشلين والحكام الذين دمّروا دولهم عبر التاريخ.
لكن أحدًا لا يقول: «فشل هذا الرجل، إذن الرجال لا يصلحون للحكم».
أما إذا أخطأت امرأة واحدة، فسرعان ما تتحول فرديتها إلى محاكمة لجنس كامل.
هنا يظهر عمق التحيز.
وأكثر ما يثير استغرابي أن الذين يرفضون تولي المرأة السلطة باسم نصوص التراث يتعاملون مع التراث ذاته بطريقة انتقائية. فالفقه الإسلامي لم يكن كتلة واحدة، ولم يكن العلماء نسخًا متطابقة. اختلفوا في القضاء، والولايات، والإمامة، وحدود كل منصب. لكن الخطاب الديني الشعبوي يحب الاختزال؛ لأن الاختلاف يزعزع سلطة الخطيب الذي يريد أن يتحدث وكأن كل شيء محسوم منذ أربعة عشر قرنًا.
الحقيقة أن كثيرًا من القضايا التي يقدمها بعض الوعاظ اليوم باعتبارها «إجماعًا واضحًا» كانت داخل التراث نفسه موضوع أخذ ورد ونقاش واجتهاد.
لذلك فإن السؤال لم يعد بالنسبة إليّ: هل الحديث موجود؟ فالحديث معروف ومروي في صحيح البخاري. السؤال الحقيقي هو: ماذا نفعل به اليوم؟ هل نقرأه قراءة تاريخية وفقهية منضبطة، أم نحوله إلى عصا نضرب بها المرأة كلما طالبت بالمشاركة في السلطة؟
إن الإيمان لا يحتاج إلى الخوف من الأسئلة. والنصوص لا تصبح أكثر قداسة بإيقاف التفكير حولها، بل تصبح أكثر حضورًا عندما نفهمها بعمق ومسؤولية. أما تحويلها إلى شعارات جاهزة، فهو لا يحمي الدين بقدر ما يحوله إلى مادة صراع اجتماعي.
ومن المؤسف أن بعض دعاة السلفية يصرون على أن أي اعتراض على قراءتهم اعتراض على الدين نفسه. كأنهم صادروا حق المسلمين جميعًا في الفهم والاجتهاد، وجعلوا تفسيرهم الشخصي هو الإسلام، ومن يخالفهم يخالف الشريعة.
وهنا ينبغي أن نكون واضحين: لا أحد يحتكر الله، ولا أحد يحتكر النص، ولا أحد يملك حق تحويل اجتهاده البشري إلى حقيقة سماوية مغلقة.
أنا لا أطالب بإسقاط الحديث، ولا بإهانة السنة، ولا بالتعامل المتعالي مع التراث. بل أطالب بعكس ذلك تمامًا: أن نحترم النص بما يكفي لكي نرفض تبسيطه، وأن نحترم الدين بما يكفي لكي لا نحوله إلى مبرر للتمييز، وأن نحترم العقل بما يكفي لكي نفرق بين واقعة سياسية في القرن السابع وبين دولة دستورية في القرن الحادي والعشرين.
إن صلاحية الإنسان للحكم لا توجد في كروموسوماته. إنها في عقله ونزاهته وخبرته وقدرته على إدارة الاختلاف وتحمل المسؤولية. وقد يكون الرجل كارثة سياسية، وقد تكون المرأة حاكمة ناجحة، والعكس صحيح.
ولذلك لا أخشى امرأة تصل إلى موقع القرار بقدر ما أخشى مجتمعًا يقنع نفسه بأن الذكورة شهادة كفاءة سياسية.
المجتمعات لا تسقط لأن امرأة حكمتها، بل تسقط عندما يُغلق باب الكفاءة، ويُقدَّم الجنس على القدرة، وتتحول النصوص إلى أسوار تمنع التفكير. وما أخشاه على الدين نفسه أن يظل بعضهم يربطه بكل أشكال الإقصاء، حتى يتصور الجيل الجديد أن عليه أن يختار بين إيمانه وحقه في المساواة.
الدين أوسع من هذا الاختزال، والفقه أعمق من هذه الشعارات، والتاريخ أكثر تعقيدًا من جملة تُرفع في وجه كل امرأة تريد أن تدخل باب السياسة.
أما المستقبل فلن يسأل الحاكم إن كان رجلًا أو امرأة.
سيسأله فقط: ماذا فعلت بالسلطة؟








0 التعليقات:
إرسال تعليق