الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الخميس، أكتوبر 01، 2026

وداعاً أستانا : عبده حقي


أغادر كازاخستان ولا أعرف على وجه الدقة ماذا أغادر، هل أغادر بلداً يمتد مثل جملة لم تُكتب نهايتها بعد، أم أغادر مرآة بعيدة رأيت فيها وجهاً آخر لي، وجهاً كان مختبئاً خلف سنوات كثيرة من الإقامة في المكان ذاته، خلف أسماء الشوارع التي أحفظها، خلف فاس التي أعرف أبوابها وحجارتها وروائحها، ثم وجد نفسه فجأة في أستانا، تحت سماء لا تشبه سماء مدينتي، وفي ريح كانت تمر من جسدي كما لو أنها تبحث عن مسافر آخر يسكن داخلي، ولهذا لا أستطيع أن أقول إنني زرت كازاخستان فقط، فالزيارة كلمة صغيرة، محايدة، تشبه خاتماً على جواز السفر، أما ما حدث لي هنا فكان شيئاً آخر، كان انزياحاً خفيفاً في مركز الروح، كأن العالم دفعني بضعة سنتيمترات عن نفسي القديمة ثم قال لي: انظر من هنا، سترى الأشياء بطريقة مختلفة.

وصلت إلى أستانا وأنا أحمل معي خارطة صنعتها المخيلة قبل الطائرة، كنت أعرف أسماء قليلة وصوراً قليلة ومسافات حسبتها بالأرقام، لكن المدينة سرعان ما مزقت تلك الخارطة وتركتني أمشي داخل خارطة أخرى لا ترسمها الشوارع بل الدهشة، ففي كل صباح كنت أخرج من فندق كينغ كأنني أخرج من صفحة إلى صفحة، أرى ماكدونالد على جهة والمطعم الصيني على الجهة الأخرى، وأسأل نفسي عن الشمال والجنوب والشرق والغرب، بينما المدينة نفسها كانت تقول لي بصمت إن الاتجاه الحقيقي ليس على شاشة الهاتف، بل في ذلك الميل الغامض الذي يقود المسافر إلى ما لم يخطط له، كنت أتعلم الخريطة، لكن الخريطة كانت تتعلم خطواتي أيضاً، وكل شارع مررت به كان يضيف نقطة صغيرة إلى جسدي كأن جسدي نفسه صار تطبيقاً سرياً للمكان.

كانت أستانا تبدو لي أحياناً مدينة بُنيت في الليلة السابقة، مدينة لم يكد الإسمنت فيها يجف من حلم المهندس، أبراج من زجاج، مساحات مفتوحة كأنها تُركت عمداً كي تعبرها الرياح القادمة من السهوب، مبانٍ تتحدث لغة المستقبل بواجهات لامعة، وقباب ذهبية تنتمي إلى ذاكرة أقدم، وكانت السماء فوق كل ذلك واسعة إلى حد يجعل الإنسان صغيراً جداً، لكن ليس صغيراً بالمعنى المهين، بل صغيراً كما تكون نقطة الحبر ضرورية لتكوين حرف، وكنت أمشي في تلك المسافات وأشعر أن المدينة لم تكتمل بعد، وأنني أنا أيضاً لم أكتمل، وأن بيننا اتفاقاً سرياً على أن يظل كل منا مشروعاً مفتوحاً.

جلست في الحافلة الحمراء التي حملتني عبر المدينة، وكانت أستانا تمر خلف الزجاج مثل فيلم بلا ترجمة، أبراج، جسور، ساحات، تماثيل، أعلام، وجوه عابرة، شوارع مستقيمة كأنها مرسومة بمسطرة عملاقة، وكنت أتحول في كل منعطف من سائح إلى شاهد ومن شاهد إلى شخصية داخل الصورة، حتى خُيّل إلي أن الحافلة لا تتحرك في شوارع المدينة، بل تتحرك في طبقات الزمن، دقيقة في العصر السوفييتي، دقيقة في زمن الاستقلال، دقيقة في مستقبل لم يولد بعد، ثم تعود بي إلى مقعدي وأنا أحاول أن أقرر في أي زمن كنت قبل قليل.

في ساحة الاستقلال شعرت أن الأمم أيضاً تملك ذاكرة جسدية، أن لها ندوباً وفرحاً وعظاماً رمزية، وأن الساحات ليست فراغاً بين المباني كما نظن، بل صفحات ضخمة تكتب عليها الشعوب ما تريد أن تقوله للزمن، وكنت أتأمل النصب والفضاء المفتوح وأفكر في معنى أن تستيقظ دولة ذات صباح فتقول: هذا اسمي، هذه حدودي، هذه رايتي، هذه ذاكرتي، ثم تبدأ رحلة طويلة كي تقنع نفسها أولاً والعالم ثانياً بأنها لم تعد مجرد هامش في إمبراطورية انتهت، وفي تلك اللحظة تذكرت المغرب، لا لأن المشهد يشبهه، بل لأن كل استقلال في العالم يوقظ فينا أسئلة وطننا، وكل علم غريب يجعلنا نرى علمنا بوضوح أكبر.

دخلت المتحف الوطني فشعرت كأنني أنزل إلى طبقات جيولوجية من الذاكرة البشرية، الخيول القديمة تركض خلف الزجاج، الذهب يلمع من زمن لم تكن فيه أستانا موجودة، المحاربون يحدقون في المستقبل من خوذهم الصامتة، والخرائط تتغير كما تتغير ملامح البشر، قبائل وإمبراطوريات وحدود، دول تأتي ودول تختفي، أسماء تُمحى وأسماء تُكتب، وفجأة فهمت أن التاريخ ليس طريقاً مستقيماً، بل حيواناً ضخماً يلتهم خرائطه القديمة باستمرار، وأن الإنسان الذي يقف أمام قطعة أثرية لا ينظر فقط إلى الماضي، بل ينظر إلى الاحتمال البعيد لأن يصبح هو نفسه أثراً ذات يوم، صورة في هاتف قديم، جواز سفر مثقوب، تذكرة طائرة، أو اسماً مكتوباً على هامش كتاب.

وفي إكسبو شعرت أنني انتقلت من سرداب التاريخ إلى مختبر الغد، من الذهب القديم إلى الضوء الإلكتروني، من صهيل الخيول إلى همس الآلات، وكانت التكنولوجيا تحيط بي كأنها غابة جديدة لم تعد أشجارها من خشب بل من شاشات وخوارزميات، وهناك، في فضاءات الذكاء الاصطناعي، وقفت طويلاً أمام مفارقة لا تكاد تفارقني منذ سنوات: الإنسان يصنع آلة كي تساعده على التفكير، ثم يقف أمامها متسائلاً إن كانت ستغير معنى أن يكون إنساناً، وكنت أنا، الكاتب القادم من المغرب، أجد نفسي في قلب هذه المفارقة، أحمل معي أسئلتي عن الكاتب الهجين والقارئ الهجين والناقد الهجين، وأرى أن ما كنت أكتبه نظرياً في بلادي صار هنا فضاءً يمكن أن أدخله بجسدي، وأن الفكرة التي كانت تسكن الورق خرجت فجأة من الصفحة وصارت شاشة وضوءً وصوتاً ومساراً مستقبلياً.

ولم تكن أستانا بالنسبة إلي مدينة التكنولوجيا وحدها، فقد كانت في اللحظة نفسها مدينة القباب، وكان المسجد ذو القباب الذهبية يظهر أمامي كأنه شمس متعددة الرؤوس، يلتقط الضوء ثم يعيده إلى السماء، وكنت أرى فيه توازناً غريباً بين الروحي والهندسي، بين الدعاء والحساب، بين الإنسان الذي يرفع رأسه إلى الله والمهندس الذي يقيس الزوايا بالأرقام، وربما كانت هذه الثنائية أكثر ما شدني في كازاخستان: بلد يركض نحو المستقبل ولا يريد أن يترك ظلال أجداده في الخلف، بلد يحمل هاتفاً ذكياً في يد وحكاية بدوية قديمة في اليد الأخرى.

ثم جاء السوق المركزي ليكسر صرامة العمارة ويعيدني إلى جسد الحياة، إلى الروائح والأصوات والألوان والمساومة والضحكات، إلى أكوام المكسرات والفواكه المجففة والحلويات والتمور والعلب التي كنت أقلبها بحثاً عن السكر، وإلى الباعة الذين لا يعرفون اسمي ولا أعرف أسماءهم لكننا نتفاهم بالإشارة والابتسام وبعض الكلمات المتعثرة، وهناك بدا لي العالم أكثر بساطة من كل النظريات، فالإنسان في السوق لا يحتاج إلى فلسفة كبيرة كي يعرف الآخر، يكفي أن يمد يده إلى سلعة، أن يسأل عن الثمن، أن يبتسم، أن يتردد، أن يشتري أو يمضي، وهكذا تنشأ تلك الأخوة العابرة التي لا تسجلها كتب التاريخ.

كنت أتأمل وجوه الكازاخستانيين طويلاً، ملامح تتقاطع فيها آسيا وذاكرة السهوب وتاريخ طويل من الاختلاط والعبور، عيون تحمل في بعض الأحيان هدوءاً صعب التفسير، وبشرة تتدرج بين درجات كثيرة، وكنت أفكر في عبثية الحدود التي نضعها داخل رؤوسنا، فنحن نصل إلى بلد بعيد وفي ذهننا صورة جاهزة عن أهله، ثم تكفي عدة وجوه في حافلة أو سوق أو مقهى كي تتشقق الصورة، ويظهر الإنسان خلف الجغرافيا، ذلك الكائن البسيط الذي يستيقظ صباحاً ويبحث عن عمل ويحب أبناءه ويغضب ويضحك ويشعر بالبرد ويشيخ ويخشى الفقد مثلنا تماماً.

وكان أكثر لقاءات الرحلة غرابة بالنسبة إلي لقائي برجل مات قبل زمن طويل: ساكن سيفولين، دخلت متحفه ولم أشعر أنني أزور بيت كاتب راحل، بل كأنني أدخل إلى غرفة بقي فيها صاحبها للحظة فقط ثم سيعود، الكتب، الأشياء، الجدران، أثر حياة مرت من هنا ولم تنطفئ بالكامل، وقلت في داخلي إن الكاتب ربما يكون الكائن الوحيد الذي يستطيع أن يغادر الغرفة ويبقى فيها، أن يموت ويبقى صوته جالساً على الكرسي، وأن تتحول أوراقه إلى جسد ثانٍ لا تأكله المقابر، وكنت أنظر إلى أثر سيفولين وأفكر في مصير كتاباتي أنا أيضاً، في تلك الصفحات التي كتبتها بعيداً عن كازاخستان، في الروايات والمقالات والأسئلة، وأتساءل إن كان الكاتب يكتب ليبقى أم يكتب فقط كي يؤجل اختفاءه قليلاً.

هناك شعرت بأخوة غريبة بيني وبين رجل لم أعرفه، هو كازاخي وأنا مغربي، هو ينتمي إلى تاريخ مختلف ولغة مختلفة وتجربة مختلفة، لكن الكتابة كانت جسراً بلا جمارك بيننا، ولم أحتج إلى تأشيرة كي أدخل عالمه، فالكاتب حين يقترب من أثر كاتب آخر لا يسأله من أين أنت، بل ماذا فعلت بك الكلمات، وكنت أرغب أن أقول له إنني جئت من فاس، من مدينة بعيدة جداً، لأقف أمام صمتك، وإن المسافة بين فاس وأستانا تبدو على الخريطة آلاف الكيلومترات، لكنها في الأدب قد تختصر إلى جملة واحدة.

وكلما ابتعدت عن فاس كانت فاس تقترب مني أكثر، وهذا واحد من أسرار السفر التي لم أفهمها إلا متأخراً، فنحن لا نعرف مدننا جيداً ونحن داخلها، نحتاج أحياناً أن نبتعد عنها كي تبدأ في الظهور، كنت أمشي قرب النهر في أستانا فأفكر في أزقة فاس، أرى الجسور الواسعة فتقفز إلى ذهني الأزقة الضيقة، أسمع لغة لا أفهمها فتزداد العربية داخلي وضوحاً، أشرب قهوة في مكان بعيد فتصلني فجأة رائحة الشاي بالنعناع من وطن يبعد آلاف الكيلومترات، وكأن المسافة ليست انفصالاً بل عدسة تكبير.

وعندما كان أحدهم يسألني من أين أنت وأجيبه: Morocco، كنت أشعر أن الكلمة لا تخرج وحدها من فمي، بل يخرج معها تاريخ كامل، مدن وجبال وبحر وصحراء ووجوه وأسماء، وفي بعض المرات كان الجواب يأتي سريعاً: أشرف حكيمي، فأبتسم وفي داخلي شيء من الحيرة، كيف يمكن لبلد كامل أن يختزل أحياناً في لاعب كرة قدم؟ كيف تتحول الهوية في مخيلة الآخر إلى اسم واحد ووجه واحد وقميص رياضي؟ كنت أفكر في هذه المفارقة وأنا بعيد عن بلادي، وأفهم أن علينا نحن الكتاب والفنانين والمثقفين أن نجعل أسماء أخرى تسافر أيضاً، أن يسافر الأدب المغربي كما تسافر الكرة، أن تصبح الرواية والقصيدة والفكرة وجوهاً أخرى للمغرب في ذاكرة العالم.

أما النهر فقد كان قصة أخرى، كنت أبحث عن الطريق إليه كما لو أنني أبحث عن جملة ضاعت مني، أسأل عند خروجي من الفندق: هل أذهب يميناً أم يساراً؟ أين الشمال؟ أين الماء؟ ثم أصل في النهاية إلى الضفة وأكتشف أن الأنهار لا تحتاج إلى خرائط، فهي تعرف دائماً إلى أين تذهب، وربما لهذا يحب البشر الجلوس أمامها، لأنهم يرون فيها ما يفتقدونه في حياتهم: الاتجاه، الماء يمضي ولا يتردد، بينما نحن نقف على الضفة نحمل آلاف الاحتمالات، نلتفت إلى الخلف، نخاف من الأمام، ونقضي سنوات طويلة نسأل أي طريق نسلك.

كنت أمشي بجانب النهر وأرى صورتي أحياناً في زجاج البنايات، مسافراً في السبعين من العمر يعبر مدينة في قلب آسيا، فأسأل نفسي من الذي كان سيصدق قبل سنوات أنني سأكون هنا؟ كم باباً في الحياة نظنه قد أغلق بسبب العمر ثم نكتشف أنه كان ينتظر فقط أن نلمسه؟ كانت الرحلة بالنسبة إلي احتجاجاً صغيراً على فكرة أن الإنسان يتوقف عن الاكتشاف حين يتقدم في السن، بل ربما يحدث العكس، فالشاب يسافر ليرى العالم، أما من عاش طويلاً فيسافر ليرى معنى العالم.

الليل في أستانا كان يزيد المدينة غرابة، الضوء يخرج من الأبراج كأن هناك سكاناً من زمن آخر يعملون خلف الزجاج، الشوارع تتسع أكثر، والريح تمر بين المباني بصوت لا يكاد يسمع، وأعود إلى الفندق محملاً بصور اليوم، أضع الهاتف جانباً، فأكتشف أن أفضل الصور لم تدخل الهاتف أصلاً، صورة امرأة مجهولة عبرت أمامي، ضحكة طفل، يد بائع تمد لي كيساً، صوت سيارة، رائحة قهوة، برودة مفاجئة في الوجه، تلك التفاصيل التي لا نضغط من أجلها على زر الكاميرا تصبح بعد الرحلة أقوى من الصور التي التقطناها عمداً.

تعلمت في كازاخستان أن المسافر يجمع أشياء لا يعرف أنه يجمعها، يحتفظ بطريقة نطق اسم شارع، بإيقاع لغة، بشكل نافذة، بلون سماء، بخطأ ارتكبه في الاتجاه، بلحظة تردد أمام متجر، ثم تعود هذه الأشياء لاحقاً، بعد شهور أو سنوات، من دون استئذان، ربما وأنا جالس في فاس سأرى علبة مكسرات فتنهض أستانا كاملة من مكانها، أو أسمع كلمة روسية عابرة في فيلم فتفتح في ذاكرتي باب الفندق، أو أرى صورة قبة ذهبية فيعود إلي ذلك الهواء البارد الذي لا تستطيع الصورة أن تنقله.

والآن أستعد للرحيل، وأفهم لماذا يكون الوداع أقسى من الوصول، ففي الوصول لا نملك شيئاً كي نفقده، المدينة غريبة تماماً ويمكننا أن ندخلها بخفة، أما في الرحيل فقد تراكمت الأشياء داخلنا، صار هناك شارع نعرفه، باب فندق اعتدنا فتحه، مقهى جلسنا فيه، طريق أخطأنا فيه ثم حفظناه، وجه رأيناه أكثر من مرة، وبالتالي فإننا لا نغادر مدينة مجهولة كما وصلنا، بل نغادر مكاناً صنع داخلنا غرفة صغيرة لن نعرف كيف نفرغها بعد ذلك.

أجمع حقيبتي، لكنني أشعر أن هناك حقيبة أخرى لا يراها موظف المطار، حقيبة بلا وزن ولا عجلات، وضعت فيها ساحة الاستقلال، والمتحف الوطني، وإكسبو، والذكاء الاصطناعي، والسوق المركزي، وبيت ساكن سيفولين، وضفة النهر، والمسجد ذا القباب الذهبية، وجولة الحافلة الحمراء، والشوارع التي قطعتها بسيارات إندرايف، والوجوه التي عبرتني، والأسئلة التي طرحتها ولم أجد لها جواباً كاملاً، وهذه الحقيبة لا تخضع لحدود الوزن المسموح به، ويمكنني أن أحملها إلى المغرب من دون أن يدفعني أحد رسوماً إضافية.

أتخيل الطائرة وهي ترتفع فوق أستانا، المباني تصغر، النهر يصبح خيطاً، الطرق تتحول إلى خطوط، ثم تنطفئ التفاصيل واحدة تلو الأخرى، وفي لحظة ما لن أرى المدينة أبداً، ستكون تحت الغيوم، وسأعرف أنها ما تزال هناك رغم أن عيني لا تراها، وهذه ربما أجمل استعارة للذاكرة: الأشياء لا تختفي لأنها خرجت من مجال الرؤية، بل تبدأ حياة أخرى داخلنا.

وداعاً أستانا، أيتها المدينة التي لم أكن أعرف قبل زمن قريب شكل صباحها ولا طعم هوائها، ثم صرت أعرف كيف يبدو الليل على بعض شوارعها، وكيف يلمع الذهب فوق قببها، وكيف يمر النهر تحت جسورها، وكيف تنفتح أبواب أسواقها، وكيف يمكن لكاتب مغربي أن يقف في بيت كاتب كازاخي ويشعر أن المسافة بينهما لم تكن سوى سوء تفاهم جغرافي.

وداعاً كازاخستان، يا بلاد السهوب الواسعة والذهب القديم والزجاج الجديد، يا أرض الخيول والذاكرة والبرد، يا بلاداً تعلمت فيها أن الجغرافيا ليست مجرد خرائط، بل طريقة جديدة للنظر إلى الذات، وأن الإنسان لا يسافر دائماً كي يصل إلى مكان، بل أحياناً كي يعود من مكان آخر إلى نفسه.

سأعود إلى المغرب، وستهبط الطائرة، وسأجد الكلمات التي أعرفها والوجوه التي أعرفها والطرقات التي أعرفها، وربما أعيش بعد أيام كما لو أن كل شيء عاد إلى طبيعته، لكنني أعرف أن ذلك لن يكون صحيحاً تماماً، لأن شيئاً صغيراً تبدل في الداخل، فكل رحلة حقيقية تترك وراءها انكساراً دقيقاً في مرآة الروح، ومن ذلك الانكسار يدخل ضوء جديد.

وسأقول لمن يسألني عن كازاخستان إنني رأيت بلداً بعيداً، لكن هذه الجملة لن تكفي، سأقول إنني رأيت أستانا، ولن تكفي أيضاً، سأريه الصور، لكنها لن تكفي، لأن ما حدث بالفعل لا يمكن تصويره: لقد رأيت جزءاً من العالم لم أكن أعرفه، وفي الطريق رأيت جزءاً من نفسي لم أكن أعرفه أيضاً.

لهذا لا أقول وداعاً بمعنى النهاية.

أقولها كما يقول المسافر للمدينة التي دخلت ذاكرته: ابقي هناك.

ابقي بنهرك وجسورك ورياحك وأسواقك ومتاحفك وكتّابك وقبابك الذهبية.

ابقي في تلك المنطقة الغامضة بين الحلم والذاكرة.

أما أنا فسأعود إلى فاس، لكن فاس التي سأعود إليها لن تكون تماماً هي فاس التي غادرتها، لأن الذي سيعبر أبوابها هذه المرة سيحمل في عينيه شيئاً من سماء آسيا الوسطى.

وسأعرف كلما فتحت حقيبتي أنني لم أعد وحدي.

هناك مدينة بعيدة نامت بين قمصاني.

هناك نهر صغير يواصل الجريان في الذاكرة.

هناك ريح من سهوب كازاخستان ستفتح أحياناً نافذة غرفتي في فاس من دون أن تتحرك الستائر.

وهناك، في مكان لا تستطيع أي خريطة تحديده، سيظل رجل مغربي يمشي في أستانا إلى الأبد، يسأل عن اتجاه النهر، يرفع رأسه نحو قبة ذهبية، يدخل متحف كاتب مات منذ زمن، يتأمل وجوهاً لا يعرفها، ثم يواصل السير كأن المدينة لا تنتهي.

ربما لهذا نسافر.

ليس كي نترك مكاناً ونصل إلى آخر.

بل كي نصنع لأنفسنا أكثر من حياة.

حياة بقيت في فاس.

وحياة عبرت أستانا.

وحياة ثالثة لا يعرفها أحد، وُلدت في المسافة بين المدينتين، وما زالت الآن، وأنا أكتب كلمة الوداع، تحلق في مكان ما فوق الغيوم.



0 التعليقات: