الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الجمعة، سبتمبر 18، 2026

من يراقب الصحافي؟ سوق سرية تتاجر بالموقع والعلاقات والتحركات: عبده حقي


 أصبحت بيانات الصحافيين سلعة للمراقبة لأن اقتصاد البيانات الحديث لم يعد يميّز كثيرًا بين «مستخدم عادي» و«صحافي يعمل على ملف حساس». الهاتف، التطبيقات، الإعلانات، خدمات تحديد الموقع، ملفات تعريف الارتباط، وسماسرة البيانات تنتج مجتمعةً سجلًا بالغ الدقة عن حركة الفرد وعلاقاته وعاداته. الجديد أن هذه البيانات التجارية، التي جُمعت أصلًا للإعلانات والتحليل التسويقي، يمكن شراؤها أو إعادة توظيفها لأغراض استخباراتية وأمنية.

تقرير حديث للجنة حماية الصحافيين نُشر في 27 غشت 2026 يصف هذه المنظومة باعتبارها «نظام مراقبة» متصلًا بصناعة الإعلان الرقمي. فالتطبيقات وحزم البرمجيات المدمجة فيها تجمع إشارات من الأجهزة، ثم تُتداول بعض البيانات عبر شبكات الإعلانات والمزايدات اللحظية، قبل أن تصل في بعض الحالات إلى وسطاء بيانات وشركات تقدم أدوات استخبارات إعلانية. والنتيجة أن قاعدة بيانات تجارية يمكن أن تكشف أين يقيم الصحافي، وأين يذهب، ومتى تحرك، وربما من التقى به. 

القضية الأخطر هنا ليست معرفة أن شخصًا ما زار مقهى أو مكتبًا، بل إعادة بناء شبكة مصادره الصحافية. فإذا تكرر وجود هاتف صحافي وهاتف مسؤول أو موظف أو شاهد في المكان نفسه، في التوقيت نفسه، يصبح بالإمكان استنتاج علاقة محتملة بينهما. ومع تكرار البيانات عبر أسابيع أو أشهر يمكن تكوين ما يسمى «نمط الحياة»: المنزل، مقر العمل، العيادات، الفنادق، المطارات، أماكن الاجتماعات، والأشخاص الذين يتكرر وجودهم بالقرب من الجهاز.

وقد عرض تقرير لجنة حماية الصحافيين مثالًا لبيانات تجارية تضم نحو 100 مليون نقطة موقع لحوالي مليون جهاز خلال أسبوعين فقط من سنة 2025؛ وأفاد صحافيون تمكنوا من استخدام عينة من تلك البيانات للتعرف إلى أفراد وأنماط حركتهم. كما أشار التقرير إلى حالة الصحافية المصرية بسمة مصطفى، حيث أظهرت مجموعة بيانات تجارية تفاصيل عن تحركاتها ومواقع مرتبطة بحياتها اليومية في برلين، وهو ما أثار مخاوفها من إمكانية استغلال مثل هذه المعلومات في تعقبها. 

وهكذا تحولت المراقبة من نموذج قديم يحتاج إلى التنصت المباشر على الهاتف إلى نموذج أكثر سهولة: اشترِ البيانات أولًا، ثم ابحث عن الشخص الذي تريد مراقبته. هذا التحول مهم لأن الجهات المستفيدة قد لا تحتاج في البداية إلى اختراق هاتف الصحافي؛ يكفي أن تجد بياناته ضمن سوق تجارية واسعة.

وهناك طبقة ثانية أشد خطورة هي برامج التجسس. لجنة حماية الصحافيين توثق منذ سنوات أن أدوات متقدمة مثل Pegasus تستطيع، عند نجاح الاختراق، الوصول إلى مكالمات وصور ورسائل وبيانات الجهاز، حتى إن كانت بعض المحادثات تتم عبر خدمات مشفرة. ولهذا فإن تشفير الرسالة أثناء انتقالها لا يحل المشكلة إذا أصبح الهاتف نفسه مخترقًا. 

والخطر لم ينته مع فضائح السنوات الماضية. ففي مارس 2025 أعلنت منظمة العفو الدولية أنها وجدت أدلة على استهداف صحافيتين من شبكة BIRN في صربيا بروابط مرتبطة ببرنامج Pegasus. التحليل الجنائي للأجهزة والرسائل أظهر محاولة استهداف أثناء عمل إحداهما على ملفات مرتبطة بالاستثمارات والفساد. 

وفي أبريل 2026 خلصت دراسة للاتحاد الدولي للصحافيين إلى أن مراقبة الصحافيين لم تعد مجرد عمليات منفصلة تقوم بها أجهزة حكومية، بل أصبحت جزءًا من صناعة دولية تتداخل فيها شركات برمجيات التجسس، وبنية الاتصالات، ومزودو التكنولوجيا، وأسواق البيانات، في ظل تفاوت كبير في الرقابة القانونية. 

بل إن التطورات الأخيرة تظهر استمرار هذا النموذج. ففي 15 شتنبر 2026 حذرت الولايات المتحدة وبريطانيا وهولندا من حملة تجسس إلكتروني منسوبة إلى جهات مرتبطة بالاستخبارات الإيرانية استهدفت، من بين آخرين، صحافيين وناشطين ومعارضين، باستخدام ملفات وروابط خادعة للوصول إلى الاتصالات وقوائم الاتصال ومحتوى الأجهزة. 

يمكن إذن تلخيص دورة تحويل الصحافي إلى «سلعة مراقبة» هكذا:

  • يبدأ الأمر بهاتف وتطبيقات تبدو عادية تجمع الموقع ومعرّفات الجهاز وبيانات الاستخدام.

  • تنتقل بعض هذه المعلومات إلى منظومة الإعلان والتحليل الرقمي.

  • يعاد تجميعها لدى وسطاء البيانات في ملفات ضخمة يمكن البحث فيها وشراؤها.

  • تُستخدم تقنيات الربط والتحليل لتحديد جهاز الصحافي وتحركاته وعلاقاته المحتملة.

  • وإذا كانت الجهة المستهدِفة تريد معلومات أعمق، تنتقل من المراقبة التجارية إلى التصيد الإلكتروني أو برامج التجسس المتقدمة.

ولهذا أعتقد أن السؤال الجديد في حماية الصحافة لم يعد فقط: من يتنصت على الصحافي؟ بل: من يستطيع شراء حياته الرقمية؟

فالصحافي يحمل اليوم في جيبه أرشيفًا مصغرًا عن عمله: مصادره، اتصالاته، تحركاته، صوره، مواعيده، وعلاقاته المهنية. وإذا تحول هذا الأرشيف إلى بيانات قابلة للبيع، فإن الخطر لا يصيب الصحافي وحده؛ بل يصل مباشرة إلى المصدر الذي وعده بالسرية. ومن هنا تصبح حماية البيانات جزءًا جوهريًا من حماية حرية الصحافة نفسها.


0 التعليقات: