تكشف جولة في الأخبار الثقافية المنشورة في عدد من الصحف والمواقع المغربية خلال الساعات الأربع والعشرين الأخيرة أن الثقافة المغربية تعيش في نهاية أكتوبر 2026 حركة لافتة يصعب اختزالها في حدث واحد أو مدينة واحدة. فبين صدور الكتب، والمعارض الفوتوغرافية، والموسيقى، والسينما البديلة، وفنون الشارع، والتراث، تبدو الخريطة الثقافية للمملكة ممتدة من طنجة وفاس والرباط إلى الدار البيضاء ومراكش وآسفي، في مشهد تتجاور داخله الذاكرة المغربية مع التجريب الفني الجديد، ويحاول فيه المبدعون والمؤسسات إعادة وصل الثقافة بالجمهور وبالفضاء العمومي.
ومن أبرز الأخبار الثقافية التي فرضت حضورها خلال هذه الساعات عودة الكاتب والفنان التشكيلي المغربي ماحي بينبين إلى الواجهة الأدبية من خلال عمله الجديد «Nokta»، الذي يقدم تجربة ترتبط بالفكاهة والذاكرة الشخصية، بعد مسار روائي ارتبط طويلاً بموضوعات الألم الإنساني والهشاشة والمصائر الفردية. وقد أبرزت «Aujourd’hui Le Maroc» هذا الإصدار ضمن تغطيتها الثقافية ليوم 30 أكتوبر، في إشارة إلى انتقال بينبين بين عوالم الرواية والتشكيل والسرد القصير، وإلى استمرار حضوره بوصفه واحداً من الأسماء المغربية التي تتحرك بين فضاءات ثقافية محلية ودولية.
وفي المجال نفسه، يبرز الكتاب أيضاً باعتباره وسيلة لإعادة قراءة التاريخ المغربي وعلاقاته بالعالم. فقد تناولت الصحيفة نفسها مؤلف فؤاد بنصديق «Le Consul réfractaire. Louis Chénier et les siens, du sultan Mohammed III à Robespierre»، وهو عمل يعيد النظر في جانب من العلاقات المغربية الفرنسية خلال القرن الثامن عشر، ويستحضر شخصيات ومسارات تتيح قراءة الدبلوماسية والتاريخ من زاوية تتجاوز الرواية السياسية الرسمية إلى التاريخ الإنساني والعائلي والثقافي. ورغم أن الخبر يعود إلى 29 أكتوبر، فإن حضوره ظل بارزاً في واجهة القسم الثقافي المتجددة خلال النافذة التي شملتها الجولة، وهو ما يعكس اهتماماً واضحاً بالكتاب التاريخي إلى جانب الإبداع الأدبي.
وفي الفنون البصرية، يتأكد الحضور المغربي في الساحة الدولية من خلال مشاركة المصور والفنان هشام بنوهود في «Paris Photo 2026». ووفق ما نشرته «Aujourd’hui Le Maroc» في 30 أكتوبر، يقدم بنوهود ثلاث سلاسل فوتوغرافية تستكشف الحدود بين الواقع والبناء الفني، في تجربة يقوم فيها الفنان أحياناً بتشكيل الفضاء قبل تصويره، بما يجعل الصورة النهائية نتيجة تدخل تخييلي وتركيبي وليس مجرد تسجيل لما يوجد أمام العدسة. وتكتسب هذه المشاركة أهمية خاصة لأنها تأتي في واحد من أهم المواعيد العالمية المخصصة للصورة الفوتوغرافية، بما يؤكد تزايد حضور التصوير المغربي المعاصر في المنصات الدولية.
ومن مراكش، حملت الأخبار الثقافية وجهاً آخر للفن المعاصر، مع افتتاح حديقة ماجوريل جناحها المؤقت الثاني، المرتبط بمشروع الفنانة والمصممة سلسبيـل الوزاني، الفائزة بجائزة مؤسسة حديقة ماجوريل لسنة 2026. والحدث مهم ليس فقط بوصفه افتتاح فضاء جديد، بل لأنه يكشف عن تحول بعض المؤسسات التراثية والسياحية المغربية إلى منصات للإبداع المعاصر ودعم المواهب الصاعدة، وهو ما يسمح بربط الذاكرة المعمارية والبصرية للأماكن بإنتاج فني جديد.
وتحضر السينما بقوة في أجندة هذه الساعات، وخصوصاً من خلال تجربة Boujloud Film Fest في الرباط، وهي تظاهرة خصصت برامجها لأفلام الرعب والخيال والفانتازيا، وانطلقت في 30 أكتوبر وتستمر إلى فاتح نونبر. وذكرت «الصباح» أن البرنامج يضم أفلاماً طويلة وقصيرة ولقاءات ونقاشات يشارك فيها سينمائيون وفنانون وباحثون مغاربة وأجانب، مع عروض موزعة على المعهد العالي لمهن السمعي البصري والسينما وسينما الفن السابع وفضاء «Tatmin». ومن الأعمال المبرمجة أفلام «Reflet dans un diamant mort» و«Black Zombie» و«Mārama»، إلى جانب الفيلم القصير «Qu’importe si les bêtes meurent» للمخرجة المغربية صوفيا العلوي.
وتحمل هذه التظاهرة دلالة تتجاوز طبيعة الأفلام المعروضة، لأنها تفتح مساحة أمام أجناس سينمائية لا تحظى عادة بحضور واسع في القاعات المغربية. فالرعب والفانتازيا والسينما الغرائبية لا تزال أقل انتشاراً من الدراما الاجتماعية والكوميديا، وبالتالي يمثل المهرجان محاولة لتوسيع الذائقة السينمائية وخلق جمهور لأنماط جديدة من الكتابة البصرية. كما أن فتح العروض مجاناً أمام الجمهور يعيد طرح مسألة العلاقة بين المهرجانات والوصول الديمقراطي إلى الثقافة.
وفي طنجة، أعلنت «Aujourd’hui Le Maroc» عن عرض فيلم التحريك القصير «La Robe peau» للمخرج Joachim Hérissé في سينماتيك طنجة يوم 31 أكتوبر، وهو موعد يضيف إلى الخريطة السينمائية المغربية بعداً آخر يتعلق بفن التحريك وبالأفلام القصيرة التي تجد في السينماتيك والمهرجانات فضاءات عرض بديلة عن التوزيع التجاري التقليدي.
أما «TelQuel»، فقد جعلت من أجندة الخروج الثقافي موضوعاً مركزياً في مادتها المنشورة يوم 30 أكتوبر، جامعة بين السينما والعروض الفنية والرقص المعاصر وبرامج المعهد الفرنسي، وهو ما يشير إلى كثافة العرض الثقافي مع نهاية الأسبوع وإلى اتساع الخيارات أمام الجمهور في عدد من المدن المغربية. وتبرز هذه المتابعة الإعلامية أيضاً تحول الصحافة الثقافية جزئياً من مجرد تقديم أخبار الفنانين إلى وظيفة الدليل الثقافي الذي يساعد الجمهور على الوصول إلى التظاهرات والأعمال الجديدة.
وفي الموسيقى، تبدو نهاية أكتوبر لحظة مزدحمة بصورة خاصة. ففي آسفي تستعد الدورة الثانية عشرة من المهرجان الدولي كناوة سامبا للانطلاق من 31 أكتوبر إلى 2 نونبر، وهو لقاء يقوم على تفاعل موسيقى كناوة المغربية مع الإيقاعات العالمية، ويعيد التأكيد على قدرة التراث الموسيقي المغربي على الدخول في حوارات مع أنماط آتية من فضاءات جغرافية وثقافية مختلفة. وقد تصدر هذا الموعد الأخبار الثقافية المنشورة في «Aujourd’hui Le Maroc» يوم 30 أكتوبر.
وإذا كان كناوة يمثل أحد وجوه هذا الانفتاح، فإن الموسيقى الشعبية والحضرية والأمازيغية تشكل وجهاً آخر. فبرنامج «WeCasablanca Festival» الذي امتدت فعالياته بين 29 و31 أكتوبر جمع على منصة واحدة تقريباً ألواناً متباينة من المشهد الموسيقي المغربي، من Ribab Fusion ذات الجذور الأمازيغية إلى فهد بنشمسي وإيقاعات كناوة، ثم حمزة الصنهاجي والستاتية في الشعبي، وصولاً إلى سليم كرافاطا وريم فكري في الموسيقى الحضرية والبوب. وبذلك يتحول المهرجان إلى صورة مصغرة عن تنوع الذائقة الموسيقية المغربية المعاصرة، حيث لا يلغي الحديثُ التراثَ، ولا يمنع التراثُ التجريبَ والتحديث.
وفي فاس، وهي مدينة ذات حمولة ثقافية وتراثية عميقة، برز المهرجان الوطني لفنون الشارع بوصفه واحداً من الأحداث اللافتة. وأفادت «الصباح» بأن الدورة العاشرة للمهرجان تمتد ثلاثة أيام، وتشهد مشاركة أسماء من بينها نبيلة معان ومحمد عدلي وحميد القصري، إلى جانب فقرات ومعارض وأنشطة ترفيهية وفنية تجعل من الشوارع والساحات فضاءات للعرض. وتكمن أهمية فنون الشارع في أنها تخرج الثقافة من البنيات المغلقة إلى المجال العمومي، وتجعل الجمهور العابر جزءاً من التجربة الفنية حتى وإن لم يكن قد قرر مسبقاً الذهاب إلى مسرح أو قاعة عرض.
ويحضر التراث أيضاً بقوة في هذه الحصيلة. فقد واصلت الصحافة المغربية متابعة الفعاليات التي تزامنت مع احتفالات عيد الوحدة، ومن بينها المواعيد الموسيقية والتراثية في مناطق مختلفة من المملكة. ويبرز هنا موسم طانطان في دورته التاسعة عشرة، الذي انطلق في 30 أكتوبر ويستمر إلى 3 نونبر، جامعاً بين الموسيقى الحسانية والفنون الشعبية والتبوريدة وسباقات الهجن والتقاليد المرتبطة بثقافة الصحراء المغربية. ورغم أن تفاصيل البرنامج كانت قد أعلنت قبل أيام، فإن انطلاقه الفعلي في 30 أكتوبر جعله أحد أبرز المواعيد الثقافية الجارية في اللحظة الراهنة.
وثمة ملمح آخر يستحق الانتباه في الأخبار الثقافية الأخيرة، وهو اتساع معنى «الثقافة» ليشمل ظواهر اجتماعية كانت تصنف تقليدياً خارج الصفحات الثقافية. ففي «المغربية» برز يوم 30 أكتوبر موضوع عن «أزنزار»، بوصفه نموذجاً للمشجع الذي يتحول إلى سفير للثقافة المغربية في ملاعب العالم. وهذا النوع من الموضوعات يعكس فهماً أكثر اتساعاً للهوية الثقافية، بحيث لم تعد الثقافة محصورة في الكتاب والمسرح والفنون الجميلة، بل أصبحت تشمل الملابس والأهازيج والسلوك الجماهيري والرموز التي يحملها المغاربة معهم إلى الفضاء الرياضي الدولي.
وفي جريدة «العلم»، حمل ملحقها الثقافي مادة بعنوان «رِباطٌ دون قيد!» منشورة في 30 أكتوبر، وهي شهادة أدبية لمحمد بشكار مرتبطة بالرباط وذاكرتها وفضائها الثقافي، وكانت قد ألقيت ضمن دورة أكاديمية نظمها بيت الشعر في المغرب بالمسرح الوطني محمد الخامس. وتمثل مثل هذه النصوص استمراراً لتقليد الصحافة الثقافية الذي لا يكتفي بنقل الخبر، بل يفتح صفحاته أيضاً للنص الأدبي والشهادة والتأمل في المدينة والذاكرة والمكان.
وإلى جانب هذه الحركة الإبداعية، يلفت الانتباه أيضاً ارتباط جزء من الإنتاج الموسيقي والثقافي بالمناسبات الوطنية الجديدة. فقد نشر خبر عن إصدار الفنان يوسف فهمي الإدريسي أغنية «عيد الوحدة» بالتزامن مع أول احتفال بهذه المناسبة في 31 أكتوبر 2026، بما يكشف مجدداً عن العلاقة القديمة والمتجددة بين الموسيقى والذاكرة الوطنية، وعن سرعة تفاعل الإنتاج الفني مع اللحظات الرمزية التي تدخل التقويم الجماعي للمغاربة.
وعند جمع هذه الأخبار في صورة واحدة، يتبين أن المشهد الثقافي المغربي خلال هذه الساعات لا يعيش على إيقاع مهرجان واحد أو فن واحد. ثمة أدب يعيد اكتشاف الذاكرة الشخصية والتاريخية، وفن فوتوغرافي يعبر الحدود، وفن تشكيلي يبحث عن فضاءات جديدة، وسينما رعب وفانتازيا تحاول خلق جمهورها، وموسيقى تتحرك بين كناوة والشعبي والأمازيغي والبوب، وفنون شارع تعيد احتلال الفضاء العمومي، وتراث حساني يستعيد حضوره في موسم طانطان.
والأهم من كثرة هذه التظاهرات هو انتشارها الجغرافي. فلم يعد الحديث الثقافي المغربي مرتبطاً حصرياً بمحور الرباط والدار البيضاء. فآسفي تقدم كناوة وسامبا، وطنجة تستضيف سينما التحريك، وفاس تنزل بالفن إلى الشارع، ومراكش تمنح الفن المعاصر فضاءات جديدة، والصويرة تواصل حوارها الموسيقي المتوسطي، وطانطان تجعل التراث الحساني محور موعد دولي. إنها خريطة ثقافية أكثر تعدداً مما توحي به القراءة السريعة للعناوين اليومية.
غير أن هذه الوفرة تطرح، في المقابل، سؤالاً ضرورياً: هل تتحول كثرة الأحداث إلى حياة ثقافية مستدامة، أم أن الثقافة المغربية ما تزال تعتمد بدرجة كبيرة على منطق المهرجانات والمواعيد الموسمية؟ فالرهان الحقيقي ليس في أن يكون للمغرب عشرات المهرجانات والمعارض والحفلات فقط، بل في أن تتحول هذه الدينامية إلى عادة ثقافية يومية، وإلى جمهور قارئ ومشاهد ومتذوق، وإلى فضاءات دائمة للإبداع والنقد والتكوين.
ومع ذلك، فإن حصيلة الساعات الأربع والعشرين الأخيرة تمنح مؤشراً إيجابياً: الثقافة المغربية تتحرك في اتجاهات متعددة في الوقت نفسه، وتفاوض باستمرار علاقتها بالتراث وبالعالم وبالأجيال الجديدة. ففي اليوم نفسه تقريباً يستطيع المغربي أن ينتقل من كتاب جديد إلى فيلم فانتازي، ومن معرض فوتوغرافي إلى سهرة شعبية، ومن فنون الشارع إلى التراث الحساني، ومن ذاكرة مدينة إلى تجربة فنية معاصرة.
وهذه، في حد ذاتها، علامة على مجتمع ثقافي لا يعيش بنبرة واحدة. فالمشهد المغربي اليوم أشبه بفسيفساء كبيرة: قطعة منها أمازيغية، وأخرى حسانية، وثالثة أندلسية، ورابعة إفريقية، وأخرى متوسطية وعالمية، فيما يحاول جيل جديد من الفنانين والكتاب والمصورين والسينمائيين أن يضيف إليها لغته الخاصة.
الكاتب المغربي عبده حقي







0 التعليقات:
إرسال تعليق