الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

السبت، أكتوبر 31، 2026

عمر هلال يرد بقوة على السفير الجزائري «لا تعطونا دروسًا في فلسطين» عبده حقي


لم يكن السجال الذي جرى داخل مجلس الأمن بين السفير المغربي عمر هلال ونظيره الجزائري عمار بن جامع مجرد فصل جديد من التوتر الدبلوماسي بين الرباط والجزائر، بل بدا في تقديري تعبيرًا مكثفًا عن التحول الذي يعرفه ملف الصحراء داخل المؤسسات الدولية، وعن انتقال النقاش تدريجيًا من مرحلة إدارة النزاع والحفاظ على آليات احتوائه إلى مرحلة البحث الجدي عن صيغة سياسية قابلة للتطبيق، وهي الصيغة التي يضع المغرب في صلبها منذ سنة 2007 مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، باعتبارها مشروعًا يزاوج بين الحفاظ على الوحدة الترابية للمملكة وتمكين سكان الأقاليم الجنوبية من صلاحيات واسعة لتدبير شؤونهم المحلية ضمن إطار مؤسساتي وقانوني واضح.

وما وقع في جلسة مجلس الأمن يوم 30 أكتوبر 2026 يؤكد، في نظري، أن الملف لم يعد يتحرك داخل القوالب القديمة نفسها، لأن النقاش الأممي أصبح أكثر ارتباطًا بمفاهيم الواقعية السياسية والجدوى والقابلية للتنفيذ، في وقت باتت فيه مبادرة الحكم الذاتي حاضرة بصورة مركزية في النقاشات المرتبطة بمستقبل التسوية. ومن الزاوية المغربية، فإن قيمة هذه المبادرة لا تكمن فقط في كونها اقتراحًا قدمته الرباط منذ سنوات، بل في كونها تصورًا سياسيًا متكاملًا يحاول تجاوز منطق الحلول القصوى التي أثبتت التجربة صعوبة تنزيلها، ويقترح بدلًا منها صيغة تستند إلى التفاوض وإلى بناء مؤسسات محلية تتمتع باختصاصات واسعة، مع احتفاظ الدولة المغربية باختصاصاتها السيادية الأساسية المرتبطة بالدفاع والعلاقات الخارجية والمرتكزات الدستورية والسيادية للمملكة.

إن ما يمنح مقترح الحكم الذاتي قوته، من وجهة النظر المغربية، هو أنه لا يقدم مجرد عنوان سياسي قابل للاستهلاك الإعلامي، بل يقترح هندسة واضحة للحل، تقوم على تمكين سكان المنطقة من مؤسسات تشريعية وتنفيذية وقضائية محلية، ومن إدارة جزء واسع من شؤونهم الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، ضمن السيادة المغربية والوحدة الوطنية. ولهذا فإن السؤال الذي ينبغي أن يطرح اليوم، بعد عقود طويلة من النزاع، ليس فقط أي طرف يمتلك خطابًا أكثر حدة أو قدرة أكبر على المناورة الدبلوماسية، وإنما أي مقترح قادر عمليًا على إخراج المنطقة من حالة الانتظار الطويلة، وإنهاء نزاع عطّل إمكانات التعاون المغاربي وأبقى المنطقة أسيرة استقطاب مزمن استنزف الجميع من دون أن يقود إلى حل نهائي.

من هنا أقرأ أيضًا حدة الموقف المغربي داخل مجلس الأمن، لأن الرباط لا تريد، في هذه المرحلة، إعادة فتح الملف من نقطة الصفر أو العودة إلى دوائر سياسية مغلقة أثبتت محدوديتها، بل تسعى إلى تثبيت فكرة أن هناك مقترحًا واقعيًا قائمًا يمكن البناء عليه وتطويره داخل مسار تفاوضي. وبالنسبة إلى المغرب، فإن الحكم الذاتي ليس فقط وسيلة لحماية السيادة، بل أيضًا صيغة لتجاوز الثنائية العقيمة التي ظلت تحكم النزاع بين خيارين متعارضين بالكامل، بحيث يقدم حلًا وسطًا يمنح السكان تدبيرًا واسعًا لشؤونهم، ويضمن في الوقت نفسه استمرار الإطار السيادي المغربي، وهو ما يجعل المبادرة بالنسبة إلى الرباط أقرب إلى منطق التسويات السياسية التي تنهي النزاعات الطويلة بدل إبقائها مفتوحة إلى ما لا نهاية.

في هذا السياق جاءت مواجهة عمر هلال مع السفير الجزائري لتكشف مرة أخرى عمق الخلاف حول طبيعة الأطراف ودورها في النزاع، إذ يصر المغرب على أن الجزائر ليست مجرد دولة مجاورة أو مراقب بعيد عن الملف، بل فاعل سياسي ودبلوماسي مركزي فيه، نظرًا إلى حضورها المباشر في مختلف مراحل النقاشات المرتبطة بالعملية السياسية، ودعمها الواضح للبوليساريو، ووجود مخيمات تندوف فوق أراضيها، إضافة إلى مشاركتها المستمرة في الاتصالات الأممية التي يقودها المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة. وفي المقابل، تحافظ الجزائر على خطاب يعتبرها دولة مساندة لمبدأ تقرير المصير وليست طرفًا مباشرًا في النزاع، وهو اختلاف جوهري لا يتعلق بالمصطلحات فقط، بل بطريقة بناء أي تسوية مستقبلية ومن سيشارك فعليًا في صياغتها وضمان تنفيذها.

لهذا فإن السؤال المغربي الموجه إلى الجزائر يحمل بعدًا سياسيًا واضحًا: إذا كانت الجزائر لا تعتبر نفسها طرفًا، فلماذا تحتل هذا الحيز الواسع في جميع المداولات والاتصالات المرتبطة بالقضية؟ ولماذا يحضر موقفها بهذه القوة في كل لحظة مفصلية تخص مستقبل الملف؟ ومن وجهة النظر المغربية، فإن الاعتراف بالدور الفعلي للجزائر لا يهدف فقط إلى توجيه المسؤولية، بل إلى وضع أسس أكثر واقعية لأي مفاوضات مقبلة، لأن الوصول إلى تسوية دائمة يقتضي حضور جميع الفاعلين المؤثرين، لا الاكتفاء بصيغ دبلوماسية تسمح لكل طرف بالتنصل من موقعه الحقيقي داخل النزاع.

ثم جاءت الإشارة إلى فلسطين لتدفع السجال إلى مستوى أكثر حساسية، بعدما رفض عمر هلال المقارنة بين القضية الفلسطينية وملف الصحراء، واعتبر أن لكل قضية سياقها التاريخي والقانوني والسياسي المختلف. ومن وجهة نظري، فإن هذا الرد ينسجم مع الموقف المغربي الذي يرى أن استدعاء فلسطين باعتبارها نموذجًا جاهزًا للمقارنة قد يؤدي إلى تبسيط نزاع شديد التعقيد، لأن الصحراء لها مسارها الأممي الخاص وقراراتها وأطرافها ومقترحاتها السياسية، بينما للقضية الفلسطينية تاريخ آخر وبنية قانونية وسياسية مختلفة تمامًا، ومن ثم فإن استخدام إحدى القضيتين لشرح الأخرى لا يضيف بالضرورة وضوحًا إلى النقاش، بل قد يتحول إلى أداة بلاغية أكثر من كونه مقاربة تساعد على إنتاج حل.

والمغرب، في تقديري، لا يحتاج إلى الاقتراض من القضية الفلسطينية كي يدافع عن موقفه في الصحراء، لأن لديه حجته السياسية الخاصة التي تستند إلى مشروع الحكم الذاتي وإلى تصور مستقبلي للأقاليم الجنوبية ضمن الدولة المغربية، كما أن دفاعه عن هذه المبادرة يزداد قوة كلما بقي مرتبطًا بالوقائع وبالخطط المؤسساتية وبالقدرة على تقديم إجابات عملية عن مستقبل السكان، بدل الاكتفاء بالحروب الكلامية أو بالمقارنات الرمزية. فكلما ظهر الحكم الذاتي باعتباره تصورًا مفصلًا وقابلًا للتنفيذ، وكلما اتضحت اختصاصات المؤسسات المنتخبة والضمانات القانونية وآليات توزيع الموارد وحماية الخصوصية الثقافية الحسانية، أصبح الطرح المغربي أكثر قدرة على الإقناع داخل المحافل الدولية.

وفي هذا المستوى تحديدًا أرى أن المغرب يملك مساحة واسعة لتقوية موقفه، ليس فقط من خلال الدبلوماسية، بل أيضًا من خلال جعل الأقاليم الجنوبية واجهة فعلية لنموذج تنموي متقدم، لأن قوة أي مشروع سياسي لا تقاس فقط بما يقوله على الورق، وإنما بقدرته على التحول إلى واقع يومي يشعر به السكان في الاقتصاد والتعليم والبنية التحتية وفرص العمل والمشاركة المحلية. وكلما نجحت المدن الجنوبية في التحول إلى أقطاب اقتصادية متصلة بعمقها الإفريقي، وإلى فضاءات للاستثمار والتجارة والطاقة والموانئ والخدمات، أصبح خطاب الحكم الذاتي أكثر ارتباطًا بفكرة المستقبل وليس فقط بفكرة إنهاء نزاع قديم.

وهنا أجد أن الرهان المغربي يتجاوز بكثير مسألة تثبيت السيادة، لأن الحكم الذاتي يمكن أن يتحول، إذا جرى تطويره بما يكفي، إلى مدخل لإعادة بناء العلاقات المغاربية نفسها. فاستمرار النزاع أدى طوال عقود إلى إغلاق الحدود، وإهدار فرص اقتصادية ضخمة، وتعطيل مشروع اتحاد مغاربي كان يمكن أن يشكل قوة إقليمية حقيقية، كما أن التحديات الأمنية الجديدة في الساحل والصحراء، وصعود شبكات الإرهاب والجريمة العابرة للحدود والهجرة غير النظامية، تجعل التعاون بين المغرب والجزائر حاجة استراتيجية وليس مجرد خيار سياسي يمكن تأجيله إلى ما لا نهاية.

إن إنهاء النزاع وفق صيغة واقعية لن يكون انتصارًا للمغرب وحده، بل يمكن أن يفتح الباب أمام مرحلة جديدة تستعيد فيها المنطقة قدرتها على التفكير في مصالحها المشتركة بدل البقاء رهينة خصومة تاريخية تستنزف الجميع. ولهذا فإن المبادرة المغربية، من منظور الرباط، ينبغي أن تقدم باعتبارها مشروعًا للاستقرار الإقليمي وليس فقط حلًا محليًا لمسألة الصحراء، لأنها إذا نجحت في خلق توافق حول تدبير موسع للأقاليم الجنوبية تحت السيادة المغربية، فإنها قد تضع حدًا لأحد أكثر الملفات التي شلت العلاقات بين دولتين مركزيتين في المنطقة المغاربية.

والسجال الأخير داخل مجلس الأمن يعكس أيضًا تحولًا في أسلوب الدبلوماسية المغربية، التي أصبحت أكثر مباشرة في الرد على الخطاب الجزائري وأكثر ميلًا إلى تفكيك حججه داخل القاعة نفسها، بدل الاكتفاء بلغة بروتوكولية عامة. وهذه المقاربة قد تمنح الموقف المغربي حضورًا أقوى، لكنها تفرض في الوقت نفسه قدرًا أكبر من الدقة والانضباط، لأن قوة الحجة المغربية لا تحتاج إلى المبالغة، بل تحتاج إلى تقديم الوقائع كما هي وإظهار أن الحكم الذاتي ليس مجرد شعار سياسي، وإنما خيار يمكن أن يقدم أجوبة ملموسة عن أسئلة السيادة والتمثيل والحقوق والتنمية والاستقرار.

وفي النهاية، فإن المعركة الحقيقية لن تحسم بجملة قوية في مجلس الأمن، ولا بمقاطعة دبلوماسية ولا برد إعلامي واسع الانتشار، لأن النزاعات الدولية الكبرى تحسمها موازين المصالح والتفاهمات والتحالفات والقدرة على تقديم مشروع قابل للحياة. ولهذا أرى أن المهمة الأساسية للدبلوماسية المغربية في المرحلة المقبلة هي الانتقال من الدفاع عن الحكم الذاتي باعتباره مبادرة مغربية إلى ترسيخه باعتباره صيغة يمكن للمجتمع الدولي أن يرى فيها مخرجًا واقعيًا للنزاع، خاصة إذا اقترن ذلك بضمانات مؤسساتية واضحة وحماية حقيقية للحقوق المحلية وتوسيع المشاركة السياسية والاقتصادية لسكان المنطقة.

لقد وصل ملف الصحراء إلى مرحلة لا يكفي فيها تكرار المواقف القديمة، لأن الزمن السياسي نفسه تغير، وأصبح المجتمع الدولي أكثر بحثًا عن الحلول التي يمكن تنفيذها على الأرض بدل الاستمرار في إدارة نزاعات مفتوحة بلا أفق. ومن هنا تأتي أهمية مقترح الحكم الذاتي بالنسبة إلى المغرب، لأنه يقدم صيغة تجمع بين السيادة والتدبير المحلي والاستقرار، وتمنح سكان الصحراء أفقًا سياسيًا ومؤسساتيًا داخل المملكة، كما تفتح الباب أمام إنهاء خصومة مغاربية أنهكت المنطقة طويلًا.

ومن هذا المنطلق، فإن ما يحتاجه المغرب اليوم ليس فقط مواصلة الدفاع عن وحدته الترابية، بل تحويل الحكم الذاتي إلى مشروع متكامل للمستقبل، يبرهن للعالم أن المملكة لا تقدم مجرد موقف تفاوضي، وإنما تصورًا عمليًا وقابلًا للحياة لإنهاء النزاع، وإعادة بناء الثقة، وفتح أفق جديد للمنطقة المغاربية كلها. فإذا نجح المغرب في ذلك، فإن النقاش داخل مجلس الأمن لن يبقى محصورًا في من يرفع صوته أكثر أو من يرد بسرعة أكبر، بل سينتقل إلى السؤال الجوهري: أي مشروع قادر فعلًا على إنهاء النزاع وبناء استقرار دائم؟ ومن الزاوية المغربية، يبقى الحكم الذاتي هو الإجابة الأكثر وضوحًا وواقعية على هذا السؤال.


0 التعليقات: