الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

السبت، أكتوبر 31، 2026

كيف تغيّر التكنولوجيا الإنسان المغربي؟ عبده حقي


ينطلق كتاب «ماذا تفعل التكنولوجيا بالمغاربة؟ تحولات الإنسان والمجتمع في المغرب الخوارزمي» من سؤال مغاير للسؤال التقني التقليدي. فبدل أن يكتفي بالسؤال عن كيفية استعمال المغاربة للهواتف والإنترنت والمنصات والذكاء الاصطناعي، يحاول أن يقلب زاوية النظر ليسأل: ماذا تفعل هذه التكنولوجيا بالمغاربة أنفسهم؟ كيف تعيد تشكيل الزمن والانتباه والذاكرة والجسد، وكيف تتدخل في الأسرة والعلاقات الاجتماعية واللغة والقراءة والاستهلاك والعمل والتعليم والمواطنة؟

تقوم الدراسة على فرضية مركزية مفادها أن التكنولوجيا في المغرب لم تعد مجرد مجموعة أدوات يستخدمها الفرد عند الحاجة، بل أصبحت تتحول تدريجيًا إلى بيئة اجتماعية وثقافية ومعرفية يعيش داخلها. فالهاتف الذكي لم يعد وسيلة اتصال فقط، وإنما أصبح منظمًا لليوم، وذاكرة خارجية، وخريطة، ومنصة للعمل والاستهلاك والترفيه. كما أن الخوارزميات لم تعد تظهر بوصفها برامج تقنية بعيدة عن المستخدم، بل أصبحت وسيطًا يشارك في ترتيب ما يراه، وما يقرأه، وما يشتريه، وما يظهر أمامه من أخبار وأشخاص وأفكار.

ومن هنا تقترح الدراسة مفهوم «المغربي الخوارزمي» للإشارة إلى الفرد الذي لم يعد يعيش فقط في مجتمع رقمي، بل داخل فضاء تتدخل فيه أنظمة التوصية والتصنيف والتنبؤ في جزء متزايد من تجربته اليومية. هذا المواطن لا يفقد إرادته أمام الخوارزمية، لكنه لا يختار داخل فراغ محايد أيضًا؛ إذ إن جزءًا من فضاء الاختيار نفسه أصبح مرتبًا مسبقًا بواسطة أنظمة غير مرئية تعتمد على البيانات والسلوك السابق.

يتناول الباب الأول مسار الانتقال من المغربي الرقمي إلى المغربي الخوارزمي. يبدأ من دخول الهاتف المحمول والإنترنت إلى الحياة اليومية المغربية، ثم يتتبع تحول التكنولوجيا من أداة خارجية إلى بيئة دائمة، وظهور الذات الرقمية التي تعرض نفسها وتترك آثارًا قابلة للجمع والتصنيف. ويبرز هذا الباب أن الرقمنة لم تغير فقط طريقة التواصل، بل بدأت تغير معنى الهوية نفسها، لأن الفرد أصبح يعيش في الوقت نفسه داخل ذاته الواقعية وداخل تمثيل رقمي يتكون من الصور والبيانات والتفاعلات والحسابات.

أما الباب الثاني فيركز على سؤال الشاشة وما فعلته بالإنسان المغربي من الداخل. يناقش الهاتف الذكي بوصفه أداة أعادت هندسة اليوم، واقتصاد الانتباه الذي جعل الزمن والتركيز موردين تتنافس عليهما المنصات، ثم ينتقل إلى الذاكرة في عصر محركات البحث والذكاء الاصطناعي، حيث أصبح جزء من المعرفة مخزنًا خارج الرأس. كما يتناول الجسد الرقمي، وما أحدثته الشاشة في النوم والحركة والصورة الجسدية والعلاقة بين الإنسان وقياس ذاته. ويخلص الباب إلى أن الهاتف لا يضيف نشاطًا جديدًا فقط إلى الحياة، بل يعيد توزيع الوقت والانتباه والحركة والذاكرة.

ينتقل الباب الثالث من الفرد إلى الأسرة والمجتمع والعلاقات. ويحلل كيف دخلت الشاشة إلى البيت المغربي، وكيف غيرت العلاقة بين الآباء والأبناء، ووسعت الفجوة الرقمية بين الأجيال، ثم يناقش الحب والصداقة والزواج في العصر الرقمي، حيث أصبح التواصل أكثر كثافة واستمرارًا، لكنه صار كذلك أكثر عرضة للمراقبة وسوء الفهم والحضور الدائم. كما يتتبع انتقال جانب من الحومة والجوار إلى المجموعات الرقمية، فيكشف أن التكنولوجيا لم تلغ العلاقات التقليدية، بل أعادت تشكيلها في صورة هجينة تجمع القرب الجسدي والحضور الشبكي.

ويخصص الباب الرابع للثقافة والمعرفة والاقتصاد. يناقش أولًا ما فعله الإنترنت باللغة المغربية، وكيف خرجت الدارجة بقوة إلى الكتابة اليومية، واتسعت أنماط المزج بين العربية والفرنسية والإنجليزية والأمازيغية، ثم ينتقل إلى التحول من القارئ إلى المستخدم، حيث أصبحت القراءة جزءًا من بيئة أوسع تجمع النص والصوت والفيديو والتنبيه والرابط. كما يناقش صناعة الشهرة المغربية عبر المؤثرين وصناع المحتوى، حيث أصبح عدد المتابعين والمشاهدات نوعًا من الرأسمال الاجتماعي القابل للتحويل إلى مال ومكانة. وينتهي الباب بتحليل المستهلك المغربي داخل بيئة الخوارزمية، حيث لم يعد السوق ينتظر أن يذهب إليه الفرد، بل صار يصل إليه عبر الإعلان المخصص والتوصية والمؤثر والمنصة.

ويشكل الباب الخامس المرحلة الأكثر استشرافًا في الكتاب، لأنه ينتقل إلى المغرب في عصر الذكاء الاصطناعي. يناقش الفصل السابع عشر التعليم المغربي بعد ChatGPT، ويسأل عن معنى التعلم حين تصبح الإجابة متاحة قبل اكتمال عملية الفهم، وعن دور المدرس، والغش الأكاديمي، ومستقبل البحث والتقويم. وتخلص الدراسة هنا إلى أن المشكلة الأساسية لم تعد الوصول إلى المعلومة، بل الحكم على المعلومة، وأن المدرسة المقبلة تحتاج إلى تعليم المتعلم كيف يتحقق وينقد ويقرر، لا كيف يحصل على جواب فقط.

أما الفصل الثامن عشر فيحلل العمل المغربي أمام الأتمتة، ويرفض فكرة أن الذكاء الاصطناعي سيقضي بصورة آلية على المهن كلها، ويقترح بدل ذلك التركيز على المهام داخل المهنة. فبعض المهام الروتينية تصبح قابلة للأتمتة، بينما تزداد قيمة الحكم البشري والتواصل والمسؤولية والتخصص. كما يناقش العمل عن بعد، واقتصاد المنصات، والعمل الحر الرقمي، ويطرح سؤال الحماية الاجتماعية والإدارة الخوارزمية وتوزيع مكاسب الإنتاجية.

ويتناول الفصل التاسع عشر علاقة المواطن بالخوارزمية من خلال الإدارة الإلكترونية والهوية الرقمية والبيانات والخصوصية والخدمات الرقمية. ويبين أن الرقمنة تستطيع أن تخفف الانتظار والمسافة والكلفة، لكنها تحول المواطن في الوقت نفسه إلى كيان بياناتي داخل النظام. ومن هنا تصبح حماية الخصوصية، والحق في معرفة كيفية استخدام البيانات، والحق في الاعتراض على القرارات الآلية، عناصر أساسية في المواطنة الرقمية.

ويأتي الفصل العشرون بوصفه تركيبًا استشرافيًا للسؤال الأكبر: أي مغربي تصنعه التكنولوجيا؟ ولا يقدم الكتاب جوابًا حتميًا، لأن التكنولوجيا لا تعمل بالطريقة نفسها على جميع الأفراد. لكنه يرسم ملامح إنسان مغربي هجين يعيش بين المكان والشبكة، وبين الذاكرة الداخلية والخارجية، وبين الاستقلال والاعتماد، وبين الهوية المحلية والبنية العالمية للمنصات. ويقترح أن المستقبل قد ينتج مغربيًا أكثر قدرة إذا امتلك المهارات والمعرفة والحقوق، أو أكثر تبعية إذا تحولت الأدوات إلى بدائل عن التفكير والاختيار.

تقوم الدراسة كلها على رفض الحتمية التقنية. فهي لا ترى أن التكنولوجيا تدمر المجتمع أو تحرره تلقائيًا، بل تؤكد أن نتائجها تتحدد من خلال التفاعل بين التصميم التقني والثقافة والمؤسسات والقوانين والاقتصاد والتعليم والاختيارات البشرية. ولذلك فإن التكنولوجيا نفسها يمكن أن تؤدي إلى نتائج مختلفة بحسب السياق الاجتماعي وطريقة تنظيمها.

ومن أبرز المفاهيم التي تطورها الدراسة مفهوم «الفجوة الخوارزمية». فالفجوة الرقمية لم تعد تعني فقط امتلاك الجهاز أو الاتصال، بل القدرة على فهم الخوارزمية واستخدام الذكاء الاصطناعي والتحقق من نتائجه وتحويل التكنولوجيا إلى معرفة وفرصة ودخل. وقد يملك شخصان الهاتف نفسه، لكن أحدهما يستطيع استخدامه لتطوير عمله وتعلمه، بينما يظل الآخر داخل دائرة الاستهلاك والترفيه والتلقي.

كما تميز الدراسة بين الاستعمال التعويضي للتكنولوجيا والاستعمال التكويني لها. فالآلة قد تقوم بالمهمة بدل الإنسان، أو تساعد الإنسان على تعلم كيفية القيام بها. وهذا الفرق يظهر بوضوح في التعليم والعمل والكتابة والبحث. ومن هنا تصبح القضية الأساسية ليست مقدار استخدام الذكاء الاصطناعي، بل طبيعة العلاقة التي نبنيها معه.

وتنتهي الدراسة إلى أن التحول الأكبر الذي أحدثته التكنولوجيا في المجتمع المغربي يتمثل في انتقالها من شيء يوجد خارج الإنسان إلى وسيط يدخل في تشكيل علاقته بالعالم. فهي أصبحت تشارك في إدارة الوقت، وترتيب الانتباه، وتنظيم الذاكرة، وصناعة الصورة الاجتماعية، وإنتاج الرغبات، وتوجيه المعرفة، وتنظيم العمل، وتقديم الخدمات.

لكن الخاتمة العامة، المعنونة «من استعمال التكنولوجيا إلى التفاوض معها»، ترفض أن يكون هذا التحول مصيرًا مغلقًا. وتقترح بدلًا من ذلك الانتقال إلى مرحلة جديدة تقوم على التفاوض مع التقنية، أي بناء قدرة فردية ومؤسساتية على تحديد ما ينبغي تفويضه للآلة وما ينبغي أن يبقى تحت المسؤولية البشرية، وما البيانات التي يجوز جمعها، وما القرارات التي ينبغي أن تكون قابلة للتفسير، وكيف توزع مكاسب الأتمتة، وكيف تحمى اللغات والثقافة والانتباه والخصوصية داخل العالم الرقمي.

ولا يعني التفاوض مقاومة التكنولوجيا، كما لا يعني الاستسلام لها. إنه يعني أن يعرف الفرد والمجتمع أين تساعد التقنية وأين تبدأ حدودها.

ومن هنا تنتهي الدراسة إلى خلاصة مركزية: التكنولوجيا تجعل المغربي أكثر قدرة وأكثر اعتمادًا في الوقت نفسه. إنها تمنحه الوصول إلى المعرفة والخدمة والعمل والتواصل، لكنها تزيد اعتماده على المنصة والجهاز والبيانات والخوارزمية. ومن ثم فإن الرهان الحقيقي ليس التخلص من هذا الاعتماد، وإنما منع تحوله إلى تبعية.

إن المغرب الخوارزمي الذي يستشرفه الكتاب ليس مجتمعًا تقرره التكنولوجيا وحدها، بل مجتمعًا ستحدده الطريقة التي يختار بها المغاربة ومؤسساتهم تنظيم علاقتهم بها. فإذا نجح التعليم في بناء التفكير النقدي، والقانون في حماية البيانات والحقوق، والاقتصاد في توزيع مكاسب الأتمتة، والثقافة في الحفاظ على لغاتها ومعانيها، والإدارة في الجمع بين الكفاءة والمساءلة، يمكن للتكنولوجيا أن تصبح قوة لتوسيع القدرة الإنسانية.

أما إذا توسع الاستخدام أسرع من الفهم، والرقمنة أسرع من الحقوق، والأتمتة أسرع من إعادة التأهيل، فقد يتحول جزء من التمكين إلى تبعية جديدة أقل ظهورًا وأكثر عمقًا.

وهكذا لا ينتهي الكتاب بإجابة مغلقة، بل بسؤال يريد أن يبقى مفتوحًا في ذهن القارئ:

كيف يمكن للمغربي أن يعيش داخل عالم خوارزمي من دون أن يتخلى عن حقه في أن يبقى هو صاحب المعنى والحكم والقرار؟

ذلك هو السؤال الذي يجمع فصول الكتاب كلها، وهو أيضًا الرهان الذي يضعه أمام المجتمع المغربي في السنوات المقبلة.

الكاتب المغربي عبده حقي


0 التعليقات: