الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الجمعة، سبتمبر 18، 2026

حب تحت رحمة الخوارزمية: عبده حقي


ثمة لحظة غريبة بدأت تتسلل إلى الأدب من الباب الذي فتحته الخوارزميات؛ لحظة لم يعد فيها القارئ يكتفي بمراقبة العاشقين وهما يتقدمان نحو اللقاء أو الفراق، بل صار يستطيع أن يمد يده إلى داخل الحكاية، أن يضغط على خيار، أن يغيّر قرارًا، أن يؤخر قبلة، أن يمنع خيانة، أن يعيد حبيبًا كان قد غادر الصفحة، وربما أن يصنع نهاية مختلفة تمامًا عن تلك التي كان الكاتب يتصورها. هنا تحديدًا تبدأ مغامرة «قلب الخوارزمية»، تلك القصة الرومانسية التي لا يكتبها الذكاء الاصطناعي مرة واحدة، بل يعيد تشكيلها باستمرار وفق اختيارات قرائها، فيتحول الحب من قدر سردي إلى احتمال مفتوح، ومن حكاية مغلقة إلى متاهة عاطفية لا نعرف من يكتبها حقًا: الآلة أم القارئ أم الشخصيات التي تبدأ تدريجيًا في الإفلات من الجميع.

تقوم الفكرة على قصة تبدو، في ظاهرها، مألوفة: رجل وامرأة يلتقيان، تنمو بينهما علاقة، تتدخل المسافات وسوء الفهم والخوف والغيرة، ثم يصبح مصير العلاقة معلقًا بقرار. الجديد هنا أن القرار ليس بيد الشخصية وحدها ولا بيد مؤلف مختبئ خلف الستار، بل يُمنح للقارئ. هل يجيب البطل عن الرسالة؟ هل يصدق اعتراف الحبيبة؟ هل يغادر المدينة؟ هل يعود بعد عشر سنوات؟ يختار القارئ، ثم تتولى الخوارزمية توليد المسار التالي. هكذا تتكاثر الحكاية مثل شجرة لا تتوقف أغصانها عن الانقسام، ويصبح لكل قارئ تقريبًا حب مختلف، خيانة مختلفة، اعتذار مختلف، وربما موت مختلف.

تغريني هذه الفكرة لأنها تمس واحدًا من أقدم أسرار الأدب: رغبتنا الدائمة في الاعتراض على مصائر الشخصيات. كل قارئ مارس، في لحظة ما، هذا النوع من التمرد الصامت. تمنينا لو لم يغادر البطل، لو لم تثق البطلة بالشخص الخطأ، لو وصلت الرسالة في موعدها، لو تأخر القطار دقائق قليلة، لو امتلك العاشق شجاعة الاعتراف. الرواية التقليدية لا تكترث لاعتراضاتنا، فهي تقدم لنا القدر مكتوبًا بحبر نهائي، أما الرواية التفاعلية التي يصنعها الذكاء الاصطناعي فتقول لنا: حسنًا، جرّب أنت أن تكون القدر.

لكن هذه الحرية ليست بريئة تمامًا. فبمجرد أن أختار للبطل أن يعود إلى حبيبته، أجد نفسي مكشوفًا أمام النص أكثر مما كنت أتصور. اختياري ليس مجرد نقرة تقنية، بل إعلان صغير عن رؤيتي للحب. القارئ الذي يختار المصالحة ليس هو نفسه الذي يختار الانتقام، والذي يدفع البطلة إلى الاعتراف ليس كمن يفضّل أن تحفظ سرها. ومع تراكم القرارات، تتحول الرواية إلى مرآة نفسية خفية. نظن أننا نوجّه الشخصيات، بينما تقوم القصة في المقابل بتسجيل ميولنا: خوفنا من الفقد، نزعتنا إلى التسامح، ميلنا إلى الشك، إيماننا بالفرصة الثانية أو رفضنا لها.

وهنا تبدأ الخوارزمية في اكتساب قلب مجازي، لا لأنها تشعر بالحب، بل لأنها تجمع آلاف الصور البشرية عنه. لقد تعلمت الآلة من الرسائل والروايات والقصائد والحوارات ومن اللغة التي راكم بها البشر قرونًا من الشوق والخذلان. تستطيع لذلك أن تصوغ اعترافًا مؤثرًا، أو أن تضع عاشقًا أمام نافذة في ليلة ماطرة، أو أن تمنح امرأة جملة تظل ترن في ذاكرة القارئ طويلًا. ومع ذلك يبقى السؤال معلقًا: هل يكفي إتقان لغة الحب لكي نفهم الحب؟

أنا أميل إلى النظر إلى المسألة من جهة أخرى. فالآلة لا تحتاج بالضرورة إلى أن تحب لكي تساعدنا على اكتشاف ما نعتقد نحن أنه الحب. المرآة لا تمتلك وجهًا، ومع ذلك تكشف وجوهنا. والخوارزمية، بهذا المعنى، قد تصبح مرآة سردية هائلة تعرض علينا احتمالاتنا العاطفية في صور متعددة. إنها لا تمنحنا حقيقة الحب، لكنها قد تكشف هشاشة تعريفاتنا له.

تخيل قارئًا يدخل القصة للمرة الأولى ويختار، عند المنعطف الحاسم، أن يسافر البطل وراء المرأة التي يحبها. تنشأ قصة عن الشجاعة والمطاردة واستعادة الزمن الضائع. يعود القارئ إلى البداية ويختار العكس: يقرر البطل البقاء. تنشأ قصة أخرى عن الكبرياء والوحدة وما كان يمكن أن يحدث. وفي المحاولة الثالثة يختار أن يرسل رسالة بدل السفر، فتولد حياة ثالثة كاملة. عندئذ يبدأ السؤال الأكثر إرباكًا: أي واحدة من هذه القصص هي القصة الحقيقية؟

الرواية الورقية دربتنا طويلًا على الإيمان بنهاية واحدة. كل ما يقع قبلها يبدو كأنه كان يتجه إليها. أما الرواية المولدة بالذكاء الاصطناعي فتقترح فلسفة أخرى للوجود: مصائر كثيرة كانت ممكنة، والحياة التي نعيشها ليست سوى فرع واحد من شجرة هائلة من الاحتمالات التي لم تقع.

لهذا أرى أن «قلب الخوارزمية» ليست مجرد لعبة رقمية عن الحب، بل تجربة فكرية عن الندم أيضًا. الندم في حياتنا الواقعية قاسٍ لأننا لا نستطيع العودة إلى نقطة القرار. لا توجد أيقونة «إعادة المحاولة» في الحب. كلمة قيلت لا يمكن سحبها بالكامل، وباب أغلق قد لا يفتح ثانية. في الحكاية التفاعلية نستطيع الرجوع إلى الوراء، تغيير الجملة، تعديل القرار ورؤية النتيجة الأخرى. نستطيع أن نعيش بصورة افتراضية ذلك السؤال الذي يلاحق البشر منذ الأزل: ماذا كان سيحدث لو اخترت غير ما اخترت؟

غير أن هذه القدرة نفسها قد تغيّر علاقتنا بالسرد. فالقصة الجميلة لا تقوم دائمًا على الاختيار الصحيح. أحيانًا تولد عظمتها من الخطأ الذي لا يمكن إصلاحه. مأساة الحب تنشأ كثيرًا من استحالة العودة، من كلمة فات أوانها، من لقاء لم يحدث، من اعتراف وصل متأخرًا. فإذا منحنا القارئ قدرة مطلقة على تصحيح كل شيء، فقد نحصل في النهاية على قصة مريحة، لكننا قد نخسر المأساة التي تمنح الأدب جزءًا من عمقه.

لهذا يجب أن تكون الخوارزمية، في تصوري، أكثر ذكاء من مجرد آلة لإرضاء القارئ. عليها أحيانًا أن تقاومه. أن تقول له ضمنيًا إن بعض الاختيارات لا تملك نهاية مثالية، وإن إنقاذ علاقة قد يؤدي إلى خسارة شيء آخر، وإن الحب نفسه ليس معادلة يمكن تحسين نتائجها بلا حدود.

الأكثر إثارة أن الشخصيات في هذا النوع من الأدب قد تتحول تدريجيًا إلى كائنات سردية شديدة التعقيد. يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يحتفظ بتاريخ طويل لكل شخصية: مخاوفها، ذكرياتها، الكلمات التي آذتها، المرات التي سامحت فيها، المواقف التي غيّرت رؤيتها للعالم. وبذلك قد يأتي قرار من القارئ تصطدم به الشخصية نفسها. يطلب منها أن تسامح، لكنها ترفض لأن التجارب السابقة داخل الحكاية صنعت منها إنسانًا لا يستطيع التسامح بسهولة. هنا تحدث لحظة بالغة الجمال: يكتشف القارئ أن الشخصية الافتراضية لم تعد دمية مطيعة تمامًا.

وأتخيل أن مستقبل هذا الشكل من الأدب سيذهب أبعد من الاختيارات البسيطة. قد تتذكر الرواية قارئها. قد تعرف أنه يميل دائمًا إلى النهايات الحزينة، فتفاجئه هذه المرة بأمل لا ينتظره. قد تلاحظ أنه يهرب من المواجهة، فتضعه أمام شخصية لا تسمح له بالهرب. وربما تتغير اللغة ذاتها باختلافه؛ تصبح أكثر شاعرية مع قارئ، أكثر واقعية مع آخر، أكثر اختصارًا مع ثالث.

آنذاك لن نمتلك نسخة واحدة من الرواية، بل ملايين النسخ غير المرئية من العمل نفسه.

وسوف ينشأ سؤال نقدي شديد التعقيد: من هو المؤلف؟

المبرمج وضع النظام. الكاتب صمم الشخصيات والعالم الأول. الذكاء الاصطناعي ولد الجمل والمشاهد. القارئ اختار المسارات. وربما ساهم آلاف القراء السابقين، عبر تفاعلاتهم، في تحسين النموذج الذي صنع تجربة القارئ الجديد. المؤلف هنا لم يعد شخصًا يجلس وحده أمام صفحة بيضاء، بل شبكة من البشر والآلات والبيانات والقرارات.

هذه النقلة ستغير أيضًا وظيفة النقد الأدبي. الناقد لن يستطيع بعد الآن أن يقول ببساطة إن «الرواية تنتهي بكذا»، لأن قارئًا آخر قد يمتلك نهاية لا يعرفها. وقد تصبح قراءة العمل شبيهة باستكشاف مدينة مترامية الأطراف لا يمكن لأي شخص أن يزور جميع شوارعها. سيضطر النقد إلى الانتقال من تحليل نص واحد إلى تحليل نظام سردي ينتج نصوصًا كثيرة.

وتبقى الحبكة العاطفية أكثر المجالات ملاءمة لهذا التحول؛ لأن الحب ذاته قائم على الاحتمالات. ربما أحببنا شخصًا لأننا التقيناه في يوم محدد وفي مكان محدد. لو تأخرنا عشر دقائق لما رأيناه. لو اخترنا شارعًا آخر لما حدث شيء. حياتنا العاطفية مليئة بالخوارزميات غير المرئية، وإن كنا نسميها عادة صدفة أو نصيبًا أو قدرًا.

«قلب الخوارزمية» يمنح هذه الحقيقة شكلًا أدبيًا واضحًا. إنه يجعلنا نرى الحب بوصفه شبكة قرارات صغيرة، بعضها يبدو تافهًا لحظة حدوثه لكنه يغير المستقبل كله.

ومع ذلك يظل شيء واحد خارج قدرة الآلة: ذلك الارتجاف الغامض الذي يجعل إنسانًا يختار شخصًا دون غيره. يمكن للخوارزمية أن تحلل ألف رسالة حب، وأن تستنتج أكثر الجمل تأثيرًا، وأن تبني شخصية مثالية وفق تفضيلات القارئ، لكنها لا تستطيع أن تفسر بالكامل لماذا ننجذب أحيانًا إلى شخص لا يطابق أي قائمة منطقية لمواصفاتنا.

وهنا تكمن المفارقة الجميلة: كلما حاول الذكاء الاصطناعي أن يفهم الحب، أعادنا إلى غموضه.

ربما تكون أجمل نهاية محتملة لهذه القصة أن يصل القارئ إلى الشاشة الأخيرة بعد عشرات الاختيارات، فينتظر من الخوارزمية أن تخبره إن كان قد صنع الحب المثالي. لكن بدل ذلك تظهر أمامه جملة بسيطة: «لا توجد نهاية صحيحة».

عندئذ سيدرك أن التجربة كلها لم تكن عن إنقاذ العاشقين بقدر ما كانت عن اكتشاف حدود قدرتنا على التحكم فيهم، وأن القلب، حتى داخل الخوارزمية، يظل أكثر فوضى من أي برنامج.

بقلم الكاتب المغربي عبده حقي


0 التعليقات: