يتحول الكتاب العربي الإلكتروني بهدوء إلى جزء أساسي من المشهد الثقافي، من دون أن يحظى دائماً بالضجيج الذي يرافق الإصدارات الورقية ومعارض الكتب وحفلات التوقيع. فخلال الأيام القليلة الماضية من شهر شتنبر 2026 ظهرت على منصات بيع وتوزيع الكتب العربية مجموعة جديدة ومتنوعة من الكتب الإلكترونية، تتراوح بين الرواية والفكر الإسلامي والدراسات اللغوية والتاريخ والبحث الأكاديمي والذكاء الاصطناعي، بما يكشف أن النشر الرقمي العربي لم يعد مجرد نسخة احتياطية من الورق، وإنما أصبح مساراً قائماً بذاته للوصول إلى القارئ.
ومن الضروري، قبل استعراض هذه الحصيلة، التمييز بين صدور الكتاب نفسه للمرة الأولى وبين إتاحته الإلكترونية حديثاً على منصة معينة. فقد يكون الكتاب منشوراً ورقياً منذ سنة أو أكثر، وربما متاحاً إلكترونياً على منصة أخرى، ثم يظهر بتاريخ جديد في متجر رقمي مختلف. وهذه مسألة مهمة حتى لا نخلط بين تاريخ التأليف والنشر الأصلي وبين تاريخ إدراج النسخة الإلكترونية الجديدة. ومن أبرز الأمثلة التي رصدتها هذا الأسبوع مجموعة عناوين أضيفت إلى قائمة الكتب الإلكترونية في نيل وفرات/iKitab بتاريخ 16 شتنبر 2026، في حين تكشف منصات أخرى أن بعض طبعاتها الأصلية أقدم.
الغزالي يعود من بوابة الكتاب الإلكتروني
من أبرز الإتاحات الرقمية الجديدة كتاب الباحث المغربي إدريس الكنبوري «الغزالي وفلسفة بناء الذات»، الذي أُدرج في نسخته الإلكترونية بصيغة EPUB بتاريخ 16 شتنبر عن دار البشير للثقافة والعلوم. يدور الكتاب حول تجربة الإمام أبي حامد الغزالي الفكرية والروحية، ويحاول قراءتها من زاوية بناء الإنسان لذاته وعلاقته بالمعرفة والإيمان والعمل.
ويبدو لي حضور هذا النوع من الكتب رقمياً مهماً لسبب يتجاوز موضوعه الديني أو التراثي. فنحن أمام نموذج لانتقال الدراسات التراثية، التي ارتبطت لعقود بالمجلدات الورقية والمكتبات التقليدية، إلى الهاتف والحاسوب واللوح الإلكتروني. وهذا التحول قد يساهم في إيصال الفكر العربي والإسلامي القديم إلى فئة جديدة من القراء اعتادت البحث والقراءة داخل الوسائط الرقمية.
كما تكشف المقارنة أن الكتاب كانت له طبعة ورقية سابقة تعود إلى فبراير 2025، وهو ما يؤكد أن تاريخ 16 شتنبر 2026 ينبغي فهمه هنا بوصفه تاريخاً للإتاحة الإلكترونية الحديثة على المنصة، لا بوصفه تاريخ الظهور الأول للعمل.
«إمبراطورية المصطلحات»: اللغة العربية داخل معركة المعرفة
وفي الحقل اللغوي والفكري ظهر إلكترونياً كتاب «إمبراطورية المصطلحات: دراسة تطبيقية في المعجمية المختصة والمصطلحية» لخالد فهمي، عن دار البشير للثقافة والعلوم، في صيغة EPUB بتاريخ 16 شتنبر 2026. ويتناول الكتاب علاقة المصطلح باللغة والهوية وإنتاج المعرفة، ويرجع إلى تشكل المصطلحات في الثقافة العربية والإسلامية ثم ينتقل إلى المشكلات التي تواجه العربية في العصر الحديث، وخصوصاً أمام الهيمنة الاصطلاحية الأجنبية والحاجة إلى تطوير معاجم متخصصة قادرة على مواكبة العلوم الجديدة.
هذا الكتاب يطرح، من وجهة نظري، سؤالاً حساساً في زمن الذكاء الاصطناعي: هل نستطيع إنتاج المعرفة بلغتنا، أم أننا سنكتفي بترجمة مفاهيم يولدها الآخرون؟
فالمعركة الرقمية ليست معركة أجهزة وبرمجيات فقط، بل هي أيضاً معركة مصطلحات. وكل مجال جديد، من الذكاء الاصطناعي التوليدي إلى علوم البيانات والحوسبة الكمومية، يدخل إلى الثقافة عبر اللغة أولاً. فإذا عجزت اللغة عن تسمية الظاهرة وشرحها وتوطينها معرفياً، أصبح مستخدمها تابعاً للمصطلح المستورد قبل أن يصبح تابعاً للتكنولوجيا نفسها.
ومثل كتاب الكنبوري، يتضح من المقارنة مع منصة أبجد أن أصل العمل يعود إلى فترة أسبق، بينما يمثل تاريخ شتنبر الجاري مرحلة جديدة في توزيعه الإلكتروني عبر منصة أخرى.
«المسيح الأسمر»: الاغتراب السوداني يصل إلى القارئ الرقمي
وفي الرواية، برزت الإتاحة الإلكترونية لرواية «المسيح الأسمر» للشفيع علي الفكي عن دار البشير للثقافة والعلوم، والمدرجة بصيغة EPUB بتاريخ 16 شتنبر.
تدور الرواية حول يعقوب، الرجل السوداني الذي يحمل ذاكرة موطنه إلى مدينة غريبة ويجد نفسه داخل دوائر الفقر والاغتراب والعنصرية والقمع والسجون والهروب. وتضع الرواية الإنسان المهمش في قلب الحكاية، وتربط المنفى الخارجي بشعور أعمق بالغربة داخل الوطن وداخل الذات.
إن وجود روايات من السودان وأفريقيا العربية داخل منصات القراءة الرقمية يكتسب قيمة إضافية، لأن الرقمنة قادرة، نظرياً، على تقليص اختلالات التوزيع الجغرافي التي ظلت تجعل بعض الآداب العربية أقل انتشاراً من غيرها.
لكن «المسيح الأسمر» يقدم كذلك مثالاً واضحاً على صعوبة تحديد معنى «الجديد الإلكتروني». فالكتاب موجود على منصة أبجد منذ فترة سابقة، حيث تشير بياناتها إلى طبعة تعود إلى سنة 2024، بينما ظهرت نسخته على نيل وفرات/iKitab بتاريخ 16 شتنبر 2026. وبالتالي فالجديد هنا هو اتساع دائرة الإتاحة الرقمية، وليس ميلاد الرواية للمرة الأولى.
وهذه نقطة تستحق الانتباه مستقبلاً في الصحافة الثقافية العربية.
من البحث العلمي إلى أدوات الذكاء الاصطناعي
ومن أكثر العناوين ارتباطاً بالتحولات الجديدة كتاب «من قلمك إلى العالم: رحلة النشر في الدوريات الدولية بين المعايير والتحكيم وأدوات الذكاء الاصطناعي»، الصادر عن دار البشير للثقافة والعلوم والمتاح إلكترونياً بصيغة EPUB بتاريخ 16 شتنبر 2026.
الكتاب يتناول النشر العلمي الدولي وشروطه والتحكيم الأكاديمي، ويدخل أدوات الذكاء الاصطناعي ضمن البيئة الجديدة التي يعمل فيها الباحث.
أرى أن هذا العنوان يعكس تحوّلاً مهماً جداً في طبيعة الكتاب الإلكتروني العربي. فالـEbook لم يعد حكراً على الروايات والكتب الخفيفة التي يمكن قراءتها أثناء السفر، بل أصبح وعاء للمعرفة المهنية والأكاديمية المتخصصة.
بل إن الشكل الإلكتروني قد يكون في هذا المجال أكثر ملاءمة من الورق. فالباحث الذي يكتب على الحاسوب ويستخدم قواعد البيانات وبرامج إدارة المراجع وأدوات الذكاء الاصطناعي سيجد من الطبيعي أن يكون الكتاب الذي يشرح له هذه الأدوات موجوداً داخل البيئة الرقمية نفسها.
واللافت كذلك أن العمل كان معروفاً من قبل على منصة أبجد، ما يعيد تأكيد ظاهرة الانتقال التدريجي للعناوين بين منصات القراءة العربية بدلاً من صدورها رقمياً في توقيت موحد.
الذكاء الاصطناعي يدخل قلب البحث الإعلامي
وتتضمن قائمة الكتب الحديثة كذلك عنوان «توظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي في البحث الإعلامي: رؤية منهجية بين الإحصاء وعلوم البيانات»، الظاهر ضمن الإصدارات الحديثة المرتبطة بدار البشير. مجرد ظهور هذا النوع من الكتب في قوائم النشر العربي الجديد يكشف السرعة التي ينتقل بها الذكاء الاصطناعي من الأخبار التقنية إلى المناهج الجامعية والدراسات الإعلامية.
قبل سنوات قليلة كان الحديث في كليات الإعلام يدور أساساً حول مناهج تحليل المضمون والاستبيان والمقابلة والإحصاء التقليدي. أما اليوم فأصبحت علوم البيانات والخوارزميات والنماذج الذكية جزءاً من النقاش حول البحث الإعلامي نفسه.
وهو تحول أعتقد أن السنوات المقبلة ستجعله أكثر وضوحاً، خصوصاً مع ظهور أبحاث تحلل ملايين النصوص والمنشورات والصور والفيديوهات آلياً بدلاً من العينات الصغيرة التي كانت تفرضها حدود العمل اليدوي.
«أشعة على مجتمع السودان الغربي»: التاريخ الأفريقي في المكتبة الرقمية
ومن الدراسات التاريخية المتاحة حديثاً إلكترونياً كتاب «أشعة على مجتمع السودان الغربي في العصر الوسيط» لإبراهيم حسن جوف، الصادر عن دار البشير للثقافة والعلوم والمدرج إلكترونياً في 16 شتنبر.
يهتم الكتاب بالعادات والتقاليد في مجتمع السودان الغربي خلال العصر الوسيط، ويقاربها بمنظور نقدي وتحليلي، محاولاً التمييز بين العناصر المرتبطة بالبيئة الاجتماعية والتاريخية وتلك التي لها صلة بالتقاليد الإسلامية.
والأهمية الثقافية لهذا النوع من الإصدارات تكمن أيضاً في أنه يعيد أفريقيا إلى داخل المكتبة العربية. فما زال تاريخ غرب أفريقيا وحواضره الإسلامية وطرق التجارة والمدارس والممالك التي ازدهرت فيه أقل حضوراً لدى القارئ العربي مما يستحق.
وتوفر الرقمنة فرصة استثنائية لتصحيح جزء من هذا الاختلال، لأنها تجعل الكتاب التاريخي المتخصص متاحاً للطالب والباحث في المغرب أو موريتانيا أو السنغال أو أوروبا من دون انتظار وصول النسخة الورقية.
الدين والنهضة في «منهجية سورة البقرة في بناء الأمة»
وفي الدراسات الإسلامية صدر إلكترونياً كذلك كتاب «منهجية سورة البقرة في بناء الأمة: قصة طالوت وجالوت نموذجاً» لعبد الباقي الديب عن دار البشير للثقافة والعلوم، بصيغة EPUB، بتاريخ 16 شتنبر.
ينطلق الكتاب من القصة القرآنية لاستنباط أفكار تتعلق بالقيادة وبناء الجماعة والإصلاح ومواجهة التحديات، وهو بذلك ينتمي إلى نمط من الدراسات التي تحاول وصل النص الديني بأسئلة المجتمع المعاصر.
وبغض النظر عن الموقف من مناهج هذا النوع من التأليف، فإن حضوره الإلكتروني دليل إضافي على اتساع قاعدة النشر الرقمي العربي، بحيث لم تعد هناك تقريباً منطقة معرفية مغلقة أمام الـEbook.
قراءات جديدة في صادق جلال العظم ويوسف سلامة
ومن الإصدارات الإلكترونية القريبة زمنياً أيضاً كتاب «أساتذتي: قراءات وشهادات في أعمال صادق جلال العظم ويوسف سلامة» لخلدون النبواني، الصادر عن دار النهضة العربية للطباعة والنشر والتوزيع، والمدرج إلكترونياً بتاريخ 10 شتنبر 2026.
الكتاب يعيد القارئ إلى اثنين من الأصوات الفلسفية والفكرية العربية، ويضعنا أمام ظاهرة أعتقد أنها مهمة: إعادة قراءة تراث المفكرين العرب المعاصرين، لا بوصفه جزءاً من التاريخ القريب فقط، بل بوصفه مادة لا تزال قادرة على إنتاج النقاش.
إن الكتاب الإلكتروني قد يخدم هذا النوع من المؤلفات بشكل خاص؛ إذ يسمح بإعادة تداول أسماء وأعمال قد لا تتوافر ورقياً بسهولة في جميع البلدان العربية.
«خط متقطع»: الحرب والذاكرة في صيغة رقمية
وفي الأدب صدر إلكترونياً «خط متقطع» للينا نصار عن دار النهضة العربية بتاريخ 9 شتنبر. يقدم العمل كتابة مشغولة بظلال الحرب والذاكرة والخوف والإنسان الموجود بين الأماكن المتكسرة والذكريات الثقيلة.
وما يجمع هذا الكتاب مع «المسيح الأسمر»، رغم اختلاف التجربتين، هو أن السرد العربي الرقمي يعيد باستمرار طرح سؤال الإنسان الذي يتنقل بين الحرب والمنفى والمدينة والذاكرة.
وهذه ليست صدفة. فجانب كبير من الأدب العربي الراهن يتشكل داخل مجتمعات عرفت خلال العقود الأخيرة حروباً ونزوحاً وهجرات وانكسارات كبرى، ومن الطبيعي أن تنتقل آثارها إلى الرواية والقصة والشعر.
من الورق الرقمي إلى ثقافة رقمية حقيقية
ما أستخلصه من حصيلة الأيام الماضية هو أن الكتاب الإلكتروني العربي موجود فعلاً ويتسع، لكن طريقة الإعلان عنه لا تزال متأخرة عن نموه الحقيقي.
نجد الكتاب في متجر، ثم نجده في منصة اشتراك، وقد يظهر بتاريخ مختلف في متجر ثالث. وأحياناً لا نعرف بسهولة هل التاريخ المعروض هو تاريخ الإصدار الأصلي أم إصدار الطبعة الإلكترونية أم تاريخ إضافة الملف إلى المتجر.
وهنا أرى أن قطاع النشر العربي يحتاج إلى تطوير ثقافة ببليوغرافية رقمية أكثر دقة. ينبغي أن تعلن دور النشر بوضوح عن تاريخ النسخة الورقية، وتاريخ النسخة الإلكترونية، والمنصات التي أتيحت عليها، وصيغة الملف، وما إذا كانت النسخة الإلكترونية متاحة بالشراء أو ضمن اشتراك.
هذه المعلومات ليست تقنية هامشية. إنها أصبحت جزءاً من تاريخ الكتاب نفسه.
الـEbook العربي يخرج من مرحلة التجريب
والحصيلة الحالية تكشف أيضاً تنوعاً لافتاً. لدينا في أيام قليلة كتاب في فلسفة الغزالي، وآخر في المصطلحية، ورواية سودانية، ودراسة في تاريخ غرب أفريقيا، وكتاب حول النشر الأكاديمي والذكاء الاصطناعي، وكتاب في بناء الأمة، ودراسة حول مفكرين عربيين معاصرين، ونصوص أدبية مشغولة بالحرب والذاكرة.
هذا التنوع يعني بالنسبة إلي أن الكتاب الإلكتروني العربي بدأ يخرج من مرحلة كان يُنظر إليه فيها كنسخة ثانوية أو أقل قيمة من الكتاب الورقي.
لقد أصبح وسيطاً طبيعياً للمعرفة.
والأهم أنه يمنح القارئ العربي شيئاً كانت سوق الكتاب عاجزة دائماً عن توفيره له: الوصول السريع عبر الحدود.
فالقارئ في المغرب لا يحتاج، من حيث المبدأ، إلى انتظار وصول صندوق كتب من القاهرة أو بيروت. والقارئ العربي المقيم في كندا أو ألمانيا أو أستراليا لا يحتاج إلى دفع تكاليف شحن تفوق أحياناً ثمن الكتاب نفسه. والطالب يستطيع حمل عشرات المراجع في جهاز يزن أقل من كتاب ورقي واحد.
لكن هذا المستقبل يحتاج إلى شروط: أسعار مناسبة، ومنصات أكثر سهولة، وحماية حقوق المؤلف، ووضوح في الملكية الرقمية، وإمكانية القراءة عبر أجهزة متعددة، وفهرسة عربية متطورة.
فالرهان الحقيقي لم يعد أن نحول الورق إلى ملف إلكتروني.
الرهان هو أن نبني منظومة عربية للكتاب الرقمي تستطيع أن تجمع الكاتب والناشر والمكتبة والمنصة والباحث والقارئ داخل فضاء واحد واضح وموثوق.
وحين أصل إلى نهاية هذه الجولة في إصدارات منتصف شتنبر 2026، أجد أن الخبر الحقيقي ليس صدور كتاب إلكتروني هنا وآخر هناك. الخبر الأهم هو أن المكتبة العربية نفسها تتغير أمام أعيننا. الرف لم يعد قطعة خشب على جدار المنزل، والمكتبة لم تعد بناية علينا الوصول إليها، والكتاب لم يعد ينتظر شاحنة أو سفينة كي يعبر من بلد عربي إلى آخر.
لقد دخل الكتاب العربي الجيب والهاتف والشاشة والسحابة الرقمية.
وما يزال أمامه طريق طويل، لكنه بدأ بالفعل يكتب فصلاً جديداً من تاريخه.
بقلم الكاتب المغربي عبده حقي







0 التعليقات:
إرسال تعليق