ثمة قرارات تبدو إدارية في ظاهرها، لكنها تتسلل في الواقع إلى أكثر المناطق حميمية في حياتنا: موعد الاستيقاظ، ساعة نوم الطفل، الطريق إلى المدرسة، بداية العمل، وجبة العشاء، ضوء الصباح، ازدحام الشوارع، وحتى ذلك الشعور الغامض الذي يصيبنا عندما ننظر إلى الساعة فنشعر أن الزمن الرسمي لا ينسجم تمامًا مع الزمن الذي تقوله أجسادنا. ومن هذه الزاوية تحديدًا أرى أن عودة المغرب نهائيًا إلى توقيت غرينيتش ليست مجرد حذف ستين دقيقة من الساعة، بل هي تعديل في الإيقاع الاجتماعي والنفسي لمجتمع كامل عاش سنوات طويلة داخل نقاش متوتر حول الزمن.
ابتداء من 20 شتنبر 2026 يطوي المغرب مرحلة العمل المستمر تقريبًا بتوقيت GMT+1، ويعود إلى ساعته القانونية وفق توقيت غرينيتش. واللافت بالنسبة إليّ أن أهمية القرار لا تكمن فقط في نتيجته التقنية، بل في أنه ينهي حالة مؤقتة تحولت، منذ 2018، إلى وضع شبه دائم، وأنتجت معها نقاشًا اجتماعيًا متكررًا، خصوصًا لدى الأسر التي لديها أطفال متمدرسون، والعمال الذين يغادرون بيوتهم باكرًا، والموظفين الذين شعروا خلال أشهر الشتاء بأن يومهم يبدأ قبل أن يبدأ النهار فعلًا.
الزمن ليس عقارب فقط
ينظر علم النفس إلى الزمن اليومي باعتباره أكثر من ترتيب للساعات والدقائق. الإنسان يعيش بين زمنين متداخلين: زمن اجتماعي تفرضه المدرسة والعمل والإدارة والمواعيد، وزمن بيولوجي تنظمه دورة النوم واليقظة والضوء والظلام. وكلما اقترب الزمنان من بعضهما أصبح تنظيم الحياة اليومية أسهل نسبيًا، بينما قد يؤدي اتساع المسافة بينهما إلى شعور بالتعب أو صعوبة في الاستيقاظ أو اضطراب في العادات لدى بعض الأشخاص.
لهذا لا أعتقد أن النقاش المغربي حول الساعة الإضافية كان مجرد انفعال شعبي عابر أو مقاومة نفسية للتغيير. جزء مهم منه ارتبط بتجربة يومية ملموسة: طفل يستيقظ في صباح شتوي شديد الظلمة، وأب أو أم يغادران البيت قبل الشروق، وعامل ينتظر وسيلة النقل بينما المدينة ما تزال غارقة في الليل. الساعة على الهاتف تقول إن اليوم بدأ، بينما الضوء الطبيعي يقول شيئًا مختلفًا.
في هذه المسافة بين ما تقوله الساعة وما يشعر به الجسد تولد أحيانًا حالة يمكن تسميتها بعدم الانسجام الزمني.
عودة غرينيتش قد تقلص هذه المسافة لدى شرائح واسعة، خصوصًا في الصباح الشتوي. سيأتي الشروق، بحسب الساعة الرسمية، أبكر بنحو ساعة مقارنة بنظام GMT+1، وهو ما يعني أن نسبة أكبر من التنقلات الصباحية ستتم في الضوء الطبيعي بدل الظلام.
وهذه ليست مسألة رمزية بسيطة. الضوء أحد أهم الإشارات التي يستعين بها الدماغ لتنظيم الساعة البيولوجية. ولذلك فإن التعرض لضوء الصباح يرتبط بتثبيت إيقاع النوم واليقظة، وإن كانت استجابة الأفراد تختلف تبعًا لأعمارهم وعاداتهم ومواعيد نومهم.
الأطفال أول المستفيدين اجتماعيًا
أكثر ما كان يثيرني في الجدل حول الساعة الإضافية هو التركيز المتكرر على الأطفال.
الطفل لا يفهم القرارات المتعلقة بالمناطق الزمنية، لكنه يشعر بنتائجها مباشرة. عندما توقظه الأسرة في الظلام وتدفعه إلى ارتداء ملابسه وتناول فطوره والخروج إلى المدرسة، قد لا يكون جسده قد انتقل بالكامل بعد إلى حالة اليقظة المناسبة. وقد تصبح المسألة أكثر وضوحًا لدى الأطفال والمراهقين الذين ينامون متأخرين أصلًا.
العودة إلى غرينيتش لن تحل وحدها مشكلة النوم المدرسي، لأن المشكلة مرتبطة أيضًا بموعد ذهاب الأطفال إلى الفراش واستعمال الهواتف والشاشات وتنظيم الزمن الأسري ومواعيد الدراسة، لكنها قد تجعل التوقيت الرسمي أقرب إلى الإيقاع الطبيعي للصباح خلال أجزاء مهمة من السنة.
وسيكون لذلك أثر اجتماعي آخر لا يقل أهمية: الإحساس بالأمان.
كثير من الآباء والأمهات يشعرون بقلق أكبر عندما يخرج الطفل من المنزل في الظلام. المسألة هنا نفسية بقدر ما هي أمنية. الضوء يجعل المجال الحضري مرئيًا، وتصبح الطرق والحافلات والأشخاص أكثر وضوحًا، وينخفض شعور الأسرة بأن طفلها خرج إلى «الليل» رغم أن الساعة تقول إنه ذاهب إلى المدرسة صباحًا.
وهكذا قد تربح الأسرة المغربية شيئًا يبدو صغيرًا لكنه بالغ الأهمية: صباحًا أكثر قابلية للفهم.
ساعة تستعيد الثقة بين الإنسان ويومه
من الآثار النفسية المثيرة لأي تغيير في الزمن ما يمكن وصفه بإحساس السيطرة.
نحن لا نستطيع التحكم في مرور الزمن، لكننا نحتاج إلى الشعور بأن تنظيمه الاجتماعي منطقي. فكل نظام زمني يفرض على الناس نمطًا للحياة، وعندما يعتقد جزء من المجتمع أن هذا النظام منفصل عن احتياجاته اليومية، يتحول التوقيت من أداة تنظيم إلى موضوع احتجاج.
وهنا أعتقد أن قرار العودة إلى غرينيتش يحمل بُعدًا نفسيًا وسياسيًا-اجتماعيًا في الوقت نفسه: الإحساس بأن شكاوى متكررة عبّر عنها الناس خلال سنوات انتهت إلى تغيير ملموس.
ليس مطلوبًا أن يكون جميع المغاربة متفقين على الساعة نفسها، فقد توجد فئات ستفتقد ساعة إضافية من الضوء في نهاية اليوم، خصوصًا في الصيف، لكن إنهاء التبديل والنقاش المتكرر حول الساعة قد يمنح المجتمع شيئًا آخر مهمًا: الاستقرار الزمني.
فالناس يتكيفون بسهولة أكبر مع نظام ثابت من نظام يتغير أو يظل موضع شك وانتظار. والأسرة تستطيع ترتيب نومها وعملها ومدرستها وتنقلاتها عندما تعرف أن الساعة التي تعتمدها اليوم لن تصبح فجأة موضوع تعديل جديد بعد أسابيع أو أشهر.
لكن المساء سيصبح أقصر
لا ينبغي، مع ذلك، تقديم العودة إلى غرينيتش باعتبارها انتصارًا بلا كلفة اجتماعية.
فالساعة التي سنربحها صباحًا سنفقدها، وفق الساعة الرسمية، في المساء.
خلال فترات معينة من السنة سيحل الغروب عند الساعة الرسمية أبكر مما كان عليه في نظام GMT+1. وهذا قد يغير عادات مرتبطة بالخروج بعد العمل والتسوق والرياضة والجلوس في المقاهي والنزهات العائلية.
المغربي الذي كان يغادر عمله في الخامسة أو السادسة ويجد أمامه وقتًا أطول من الضوء قد يشعر أن يومه صار أقصر، رغم أن عدد ساعات الضوء الطبيعي لم يتغير إطلاقًا. ما تغير فقط هو موضعها داخل الساعة الرسمية.
وهنا تظهر مفارقة نفسية مثيرة: الإنسان لا يعيش مدة النهار فحسب، بل يعيش الطريقة التي يتم بها توزيع ذلك النهار على جدول حياته.
ساعة ضوء في السابعة صباحًا ليست لها القيمة النفسية نفسها التي تكون لها ساعة ضوء في السابعة مساءً. الأولى تخدم غالبًا الاستيقاظ والمدرسة والعمل، بينما الثانية تخدم الترفيه والحياة الاجتماعية والأسرة والتجارة.
لذلك أتوقع أن تختفي معركة الساعة القديمة لتظهر نقاشات أخرى أكثر تفصيلًا حول مواعيد العمل والمدرسة والإدارة.
المشكلة ربما لم تكن في الساعة وحدها
هنا نصل إلى السؤال الأهم: هل كان خلاف المغاربة مع GMT+1 خلافًا مع التوقيت فعلًا، أم مع الطريقة التي نُنظم بها حياتنا؟
الساعة القانونية ليست سوى إطار. أما داخل هذا الإطار فهناك مواقيت المدارس والإدارات والمصانع والقطارات والحافلات والمتاجر والجامعات.
ولو كانت لدينا مرونة أكبر في تنظيم هذه المواقيت، لما تحولت الساعة إلى قضية اجتماعية بهذا الحجم.
فالمغرب بلد يمتد جغرافيًا من الشرق إلى الغرب، وله تفاوتات كبيرة بين الصيف والشتاء وبين المدن والمناطق القروية وبين طبيعة الوظائف. العامل الزراعي لا يعيش الزمن نفسه الذي يعيشه موظف البنك، والتلميذ لا يعيش الجدول نفسه الذي يعيشه صاحب متجر، والعامل بنظام المناوبة له علاقة مختلفة تمامًا بالليل والنهار.
لهذا فإن العودة إلى غرينيتش ينبغي أن تفتح نقاشًا أوسع حول «سياسة الزمن» في المغرب.
لماذا تبدأ المدارس في الساعة نفسها تقريبًا في مختلف الفصول؟ هل يمكن منح بعض القطاعات مرونة أكبر؟ هل يجب أن تتغير بعض مواقيت العمل بين الشتاء والصيف من دون تغيير الساعة القانونية نفسها؟ هل ينبغي أن نعيد التفكير في زمن التنقل الحضري الطويل الذي يسرق من العامل ساعتين أو ثلاث ساعات يوميًا؟
تلك، في تقديري، أسئلة أكثر عمقًا من السؤال القديم: GMT أم GMT+1؟
الإنسان المغربي بين ساعتين
لقد أنتجت سنوات الساعة الإضافية ظاهرة طريفة لكنها ذات دلالة اجتماعية كبيرة: كثير من المغاربة كانوا يقولون «الساعة الجديدة» و«الساعة القديمة».
كان بعض الناس يحسب الموعد مرتين، ويقول لغيره: التاسعة بالتوقيت الجديد تعني الثامنة بالقديم.
هذه اللغة تكشف شيئًا مهمًا جدًا.
لقد وُجد طوال سنوات زمن رسمي وزمن شعبي مضمر. كانت الساعة القانونية تتحرك، لكن جزءًا من الذاكرة الاجتماعية يواصل الاحتفاظ بغرينيتش باعتباره مرجعًا داخليًا. وهذه الازدواجية ليست تقنية فقط، بل شكل من أشكال مقاومة المجتمع للزمن عندما يشعر بأنه مفروض عليه من الخارج.
الآن ستختفي تدريجيًا عبارات «الساعة القديمة» و«الساعة الجديدة»، لأن الساعة القديمة نفسها ستصبح الساعة الرسمية.
وهنا أرى أثرًا رمزيًا مثيرًا: المجتمع لا يعود فقط إلى GMT، بل ينهي نوعًا من الانقسام اليومي في تسمية الزمن.
هل سننام أفضل؟
سيكون من المبالغة القول إن المغرب سيصبح فجأة مجتمعًا أكثر راحة نفسيًا لأن عقارب الساعة عادت ستين دقيقة إلى الوراء.
جودة النوم تتأثر بعوامل كثيرة: مدة النوم، القلق، الضوضاء، العمل الليلي، استعمال الهاتف قبل النوم، المنبهات، ظروف السكن، الأمراض، العمر، النشاط البدني وعشرات العوامل الأخرى.
لكن التوقيت يمكن أن يكون واحدًا من عناصر البيئة التي تجعل النوم والاستيقاظ أكثر أو أقل انسجامًا مع الضوء الطبيعي.
في الأيام الأولى قد يشعر بعض الأشخاص بأنهم يستيقظون مبكرًا أو يشعرون بالنعاس في ساعة مختلفة، لكن التحول ساعة إلى الخلف يكون عادة أقل قسوة على كثير من الناس من فقدان ساعة من النوم عند تقديم الساعة إلى الأمام.
وبعد فترة قصيرة سيختفي التغيير نفسه، وتبقى النتيجة طويلة المدى: توقيت ثابت.
وهذا ربما هو المكسب النفسي الأعمق.
عودة إلى إيقاع أبسط
أعتقد أن قيمة العودة إلى غرينيتش ستظهر بصورة أبطأ مما يتوقعه البعض.
لن يستيقظ المغاربة صباح الاثنين ليجدوا مجتمعًا مختلفًا. لن تختفي مشاكل النقل، ولن تتحسن المدرسة بسبب عقرب الساعة، ولن يختفي الإرهاق المهني، ولن تنتهي اضطرابات النوم.
لكن آلاف التفاصيل الصغيرة ستتغير.
سيخرج تلميذ من بيته في ضوء أكثر. ستفتح امرأة نافذتها صباحًا فتشعر بأن الساعة والجسد والشمس تتحدث اللغة نفسها. سيذهب عامل إلى محطة الحافلة في وقت يبدو أقرب إلى معنى «الصباح». وسيضطر شخص آخر، في المقابل، إلى التكيف مع حلول الظلام أبكر في المساء.
إنها إعادة توزيع للضوء داخل حياتنا الاجتماعية.
ولعل الدرس الأهم الذي ينبغي أن نستخلصه من تجربة الساعة الإضافية هو أن الزمن ليس ملكًا للإدارة وحدها. إنه مادة اجتماعية شديدة الحساسية. فالقرار الذي يغير رقمًا على شاشة الهاتف يمكن أن يصل إلى نوم الطفل، وقلق الأم، وإنتاجية العامل، وحركة المتجر، ومزاج الموظف وشعور مجتمع كامل بإيقاع يومه.
لهذا تبدو لي عودة المغرب نهائيًا إلى توقيت غرينيتش أكبر من مجرد تصحيح للساعة.
إنها فرصة لكي نكتشف أن جودة الحياة لا تُقاس فقط بالدخل والبنية التحتية والخدمات، بل أيضًا بالطريقة التي نوزع بها أثمن مورد يمتلكه الإنسان ولا يستطيع استعادته بعد أن يمضي: الزمن.
بقلم الكاتب المغربي عبده حقي







0 التعليقات:
إرسال تعليق