وأنا أتتبع الصحف والمواقع الإخبارية المغربية خلال الأسبوع الماضي، شعرت بأن المغرب كان يعيش أكثر من زمن في وقت واحد. زمن سياسي يتسارع كلما اقترب يوم الاقتراع، وزمن اجتماعي يصر على تذكير الجميع بأن الأسعار والشغل والصحة والتعليم لا تنتظر نهاية الحملات، وزمن اقتصادي يحاول الحفاظ على توازنه وسط تقلبات الأسواق والطاقة والعملات، وزمن ثقافي يستعيد نشاطه مع نهاية الصيف. لهذا لم أجد الأسبوع مجرد سلسلة من الأخبار المنفصلة، بل صورة مكثفة لبلد يتحرك سريعًا ويعيد في الآن نفسه طرح أسئلة قديمة حول الثقة والعدالة الاجتماعية والقدرة على تحويل الأوراش الكبرى إلى أثر ملموس في حياة المواطن.
الانتخابات تبتلع واجهة الأخبار
كان من الصعب متابعة الصحافة المغربية هذا الأسبوع من دون الاصطدام في كل صفحة تقريبًا بانتخابات الثالث والعشرين من شتنبر. الحملات تحركت في المدن والقرى، وصور المرشحين انتشرت في الشوارع والمنصات الرقمية، والتجمعات والخطابات والوعود استعادت إيقاعها التقليدي، بينما دخلت الأحزاب مرحلة السباق الأخير قبل فتح صناديق الاقتراع.
الأرقام وحدها تكشف حجم التنافس: آلاف المرشحين موزعون على نحو ألف وثمانمائة وخمسين لائحة للفوز بمقاعد مجلس النواب البالغ عددها 395 مقعدًا. لكن ما لفت انتباهي أكثر من الأرقام هو السؤال الذي ظل يتردد خلفها: هل ما يزال الناخب المغربي يرى في الانتخابات أداة حقيقية لتغيير شروط حياته اليومية؟
قراءة الصحافة خلال الأسبوع كشفت أن الحملة لم تكن معركة برامج فقط، بل معركة ثقة أيضًا. الأحزاب قدمت وعودًا تتعلق بالشغل والدعم الاجتماعي والدخل والتقاعد والصحة والسكن والاستثمار والشباب، غير أن جزءًا واسعًا من النقاش الإعلامي ظل يعود إلى المسافة الموجودة بين الوعد الانتخابي والتطبيق بعد تشكيل الحكومات.
لا أرى أن هذه المسافة تخص حزبًا بعينه؛ إنها مشكلة أعمق في الثقافة الانتخابية المغربية. المواطن يسمع كل خمس سنوات تقريبًا لغة متشابهة: فرص الشغل، حماية الطبقة الوسطى، دعم الفئات الهشة، إصلاح الصحة والتعليم، محاربة الفساد، تبسيط الإدارة. ولذلك أصبحت معركة الأحزاب الحقيقية ليست فقط إقناع المواطن ببرنامج جديد، بل إقناعه بأن تنفيذ البرنامج ممكن أصلًا.
الشباب.. الحاضر الأكبر خارج المشهد السياسي
من أكثر المفارقات التي استوقفتني أن الشباب حاضرون بقوة في الخطاب الانتخابي، لكن حضورهم داخل الجسم الانتخابي أقل بكثير مما توحي به الخطب السياسية.
الصحافة المغربية والدولية التي تابعت الانتخابات سلطت الضوء على ضعف تسجيل الفئات الأصغر سنًا مقارنة بالفئات الأكبر عمرًا. هنا أرى إحدى أهم القضايا التي ينبغي أن تتوقف عندها الطبقة السياسية بعد الاقتراع أيا كانت النتائج: ماذا يعني أن يتحدث الجميع باسم الشباب فيما يظل جزء مهم منهم بعيدًا عن المؤسسات الحزبية والانتخابية؟
الشاب المغربي اليوم يقارن بين خطاب السياسي وما يراه على هاتفه يوميًا. يقارن الأجور بغلاء السكن، ويقارن وعود التشغيل بما يسمعه من أصدقائه الباحثين عن العمل، ويقارن مشاريع البنية التحتية الكبرى بما يواجهه في النقل والصحة والتعليم. لذلك فإن استعادة ثقته لا يمكن أن تتم بصورة انتخابية أو مقطع فيديو قصير، وإنما بسياسات يمكن قياس أثرها.
واللافت أيضًا أن قضية المرأة عادت إلى النقاش خلال الحملة، سواء بسبب مستوى حضورها في الترشيحات أو بسبب ما رصدته جمعيات من تشهير وعنف رمزي واستهداف للسمعة في الفضاء الرقمي. وهذه ليست تفاصيل هامشية في نظري، لأن جودة الانتخابات لا تقاس فقط بسلامة عملية التصويت، بل أيضًا بجودة البيئة التي يخوض فيها المواطنون والمواطنات المنافسة السياسية.
الجيب المغربي حاضر في الحملة أكثر من الشعارات
إذا كانت الانتخابات تصدرت العناوين، فإن القدرة الشرائية بقيت الحاضر الصامت داخل أغلب الأخبار. أسعار المواد الغذائية، المحروقات، الدجاج، تكاليف السكن، النقل والعلاج، كلها قضايا ظهرت بصورة مباشرة أو غير مباشرة في تغطية الأسبوع.
ارتفاع أسعار الدجاج مثلًا أصبح موضوعًا سياسيًا واجتماعيًا في الوقت نفسه، خصوصًا مع تزامنه مع موسم الولائم والتجمعات الانتخابية. بعض المهنيين أعادوا الأمر إلى عوامل الإنتاج والعرض والطلب، بينما ربط جزء من النقاش الشعبي الارتفاع بأجواء الحملة. لا أستطيع أن أختزل سوقًا كاملة في الانتخابات، لكن مجرد ظهور هذا الربط في النقاش العام يكشف حساسية المغاربة الشديدة تجاه الأسعار.
كما عادت المحروقات إلى دائرة القلق مع تحركات أسعار النفط عالميًا. فاقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على استيراد الطاقة يبقى معرضًا لتقلباتها، وكل ارتفاع في الوقود لا يتوقف تأثيره عند محطة البنزين، بل ينتقل تدريجيًا إلى النقل والإنتاج والتوزيع وبالتالي إلى أسعار سلع أخرى.
لهذا ألاحظ أن الاقتصاد الانتخابي في المغرب تغير. المواطن لم يعد يكتفي بسماع رقم عن النمو أو الاستثمار، بل يسأل سؤالًا أبسط بكثير: ماذا وصلني أنا من هذا النمو؟
الدرهم والاحتياطي.. اقتصاد يتحرك تحت السطح
بعيدًا عن ضجيج الحملة، حمل الأسبوع مؤشرات مالية تستحق الانتباه. الدرهم سجل تراجعًا أمام الدولار والأورو خلال الفترة الأخيرة، فيما ظلت احتياطيات البلاد من العملة الصعبة عند مستويات مرتفعة مقارنة بالسنوات السابقة.
هذه أرقام قد تبدو بعيدة عن المواطن العادي، لكنها ليست كذلك تمامًا. قوة الدولار مثلًا تنعكس على كلفة كثير من الواردات المسعرة به، وعلى الطاقة والمواد الأولية وبعض المنتجات الصناعية.
وفي المقابل، تشكل الاحتياطيات الخارجية القوية عنصر أمان مهمًا للاقتصاد، لأنها تمنح المغرب قدرة أكبر على مواجهة الصدمات الخارجية وتمويل وارداته.
ولفت انتباهي أيضًا استمرار حضور الفلاحة والأمن الغذائي في الأخبار، من البحث عن استيراد أبقار حلوب جديدة إلى متابعة الأسواق الدولية للمواد الزراعية والأسمدة. المغرب الذي تعرض في السنوات الأخيرة لضغط الجفاف يجد نفسه مضطرًا باستمرار إلى الموازنة بين حماية الإنتاج المحلي وضمان وفرة المواد الأساسية في السوق.
المتقاعدون يطرقون باب الانتخابات
من الأخبار الاجتماعية ذات الدلالة هذا الأسبوع عودة ملف المتقاعدين إلى الواجهة. تنظيمات تمثل هذه الفئة دعت الأحزاب إلى عدم تحويل مطالبها إلى مجرد وعود موسمية مرتبطة بالانتخابات.
وجدت في هذا الموقف تعبيرًا مكثفًا عن مشكلة تتجاوز المتقاعدين أنفسهم. فكلما اقترب موعد انتخابي تصبح فئات اجتماعية عديدة موضع اهتمام مكثف، ثم تخشى بعد ذلك أن تعود إلى هامش الأولويات.
المتقاعد اليوم يواجه ارتفاع الأسعار وتكاليف العلاج والسكن والخدمات بمدخول غالبًا ما يبقى ثابتًا. ومع تقدم المجتمع المغربي تدريجيًا في العمر، لن يبقى ملف التقاعد شأنًا فئويًا، بل سيتحول أكثر فأكثر إلى قضية مركزية تتقاطع فيها المالية العمومية والحماية الاجتماعية والعدالة بين الأجيال.
حوادث السير.. رقم أسبوعي يجب ألا يصبح عاديًا
وسط السياسة والاقتصاد استوقفني رقم شديد القسوة: عشرات القتلى وآلاف الجرحى في حوادث السير داخل المناطق الحضرية خلال أسبوع واحد.
مشكلة هذه الأرقام أننا اعتدنا سماعها. يتحول الموت على الطرق إلى نشرة أسبوعية ثم ننتقل إلى خبر آخر.
بالنسبة إلي، هذا واحد من الملفات التي تحتاج إلى تغيير جذري في طريقة التعامل معها. لا يتعلق الأمر فقط بالعقوبات أو الرادارات، بل بثقافة قيادة، وجودة الطرق والمركبات، والتكوين، والنقل العمومي، واحترام الراجلين، والتخطيط الحضري.
حين يموت عشرات المواطنين في أسبوع واحد في الشوارع، تصبح السلامة الطرقية قضية صحة عامة لا مجرد مخالفة لقانون السير.
المحامون والعدالة.. توتر مهني ممتد
بقي ملف المحامين حاضرًا هو الآخر بعد أشهر من الخلاف حول القانون المنظم للمهنة واستمرار أشكال التوقف عن العمل. واللافت أن هذا النزاع لم يعد شأنًا داخليًا للمهنة، لأن أي اضطراب طويل في عمل المحامين ينعكس بالضرورة على المتقاضين والمحاكم وسير الملفات.
أعتقد أن النقاش هنا يختبر قدرة المؤسسات المهنية والحكومة على إنتاج تسويات عملية تحفظ استقلال المهنة وفي الوقت نفسه تضمن حق المواطن في الوصول إلى العدالة من دون تأخير.
العدالة ليست قطاعًا يمكن أن يعمل بنصف طاقته لوقت طويل، لأنها ترتبط بحريات الناس وممتلكاتهم وأسرهم ومقاولاتهم.
الدبلوماسية المغربية تتحرك خارج ضجيج الداخل
بينما كانت الأنظار مركزة على الانتخابات، استمرت الدبلوماسية المغربية في التحرك على أكثر من واجهة، خصوصًا مع اقتراب محطة مجلس الأمن المتعلقة بقضية الصحراء.
اللقاءات والتحركات المرتبطة بالأمم المتحدة تذكر بأن السياسة الخارجية المغربية تسير وفق تقويم يختلف عن التقويم الانتخابي الداخلي. الانتخابات تغير الحكومات والأغلبيات، لكن الملفات السيادية الكبرى تستمر عبر دورات سياسية متعاقبة.
كما سجل الأسبوع انتخاب المغرب لرئاسة اتفاق التعاون الإقليمي الإفريقي للبحث والتطوير والتدريب في مجال العلم والتكنولوجيا النووية للفترة 2026-2027، وهو خبر قد لا يحظى بالجاذبية الإعلامية نفسها التي تحظى بها الحملات الانتخابية، لكنه يعكس جانبًا آخر من الحضور المغربي داخل المؤسسات الإفريقية والدولية المتخصصة.
الثقافة تقاوم ضجيج السياسة
ما أحببته في أخبار الأسبوع أن الثقافة لم تختف تمامًا خلف الانتخابات.
الدار البيضاء استعادت إيقاع مهرجان «البولفار»، الذي رسخ خلال أكثر من عقدين موقعه كفضاء للموسيقى البديلة وثقافات الشباب، بمشاركة فرق وفنانين من المغرب وخارجه. وجود هذا النوع من التظاهرات مهم بالنسبة إلي لأن الثقافة الشبابية تحتاج إلى فضاءات حقيقية خارج الخطابات الرسمية والموسمية.
وفي الرباط أُعلن عن مشروع «نومون» لتوسيع ولوج الشباب إلى الفنون الرقمية، وهي مبادرة تلامس تحولًا أوسع في مفهوم الثقافة نفسها. الفن لم يعد محصورًا في اللوحة والمسرح والكتاب، بل أصبح مرتبطًا بالصورة الرقمية والذكاء الاصطناعي والبرمجة والألعاب والتجارب التفاعلية.
وتواصل تطوان بدورها تثبيت صورتها الثقافية المتوسطية عبر لقاءات حول إرث مدرسة الفنون الجميلة ومشاريع موسيقية مغربية إيطالية، بينما بدأت الاستعدادات للدورة الخريفية الجديدة من موسم أصيلة الثقافي.
هذه الأحداث الصغيرة في حجمها الإعلامي مقارنة بالانتخابات تبدو لي ضرورية لأنها تذكر بأن المجتمع لا يعيش بالسياسة وحدها.
العودة إلى توقيت غرينيتش.. خبر يومي لكنه شديد الرمزية
ومع نهاية الأسبوع كان المغاربة يستعدون لتغيير الساعة والعودة إلى توقيت غرينيتش. ظاهريًا هو خبر تقني بسيط: تحريك عقارب الساعة ستين دقيقة. لكن النقاش الذي رافق نظام الساعة الإضافية لسنوات جعل المسألة أكبر من ذلك.
الزمن نفسه أصبح موضوع سياسة عمومية: مواعيد المدارس، العمل، النقل، النوم، استهلاك الطاقة، الحياة الأسرية.
ولذلك فإن أي تغيير دائم في تدبير التوقيت يحتاج، في رأيي، إلى تقييم واضح لما ربحه المجتمع وما خسره، بعيدًا عن الانطباعات وحدها.
أسبوع واحد اختصر أسئلة بلد كامل
بعد قراءة أخبار الأيام الماضية، لم أخرج بانطباع أن المغرب عاش حدثًا واحدًا كبيرًا، بل إنه عاش مجموعة أسئلة كبيرة في وقت واحد.
الانتخابات وضعت مسألة الثقة السياسية في المقدمة. الأسعار أعادت القدرة الشرائية إلى قلب النقاش. البطالة والشباب ذكّرا بأن النمو لا يكفي إذا لم يتحول إلى فرص. المتقاعدون طالبوا ألا يكونوا مجرد جمهور انتخابي. المحامون أعادوا فتح سؤال العدالة. حوادث السير كشفت الكلفة اليومية لفشل لا نتحدث عنه بما يكفي. والدبلوماسية والثقافة واصلت كل منهما العمل بإيقاع مختلف عن صخب الحملات.
وأنا أقرأ هذا كله، بدا لي أن الامتحان الحقيقي الذي يواجه المغرب لا ينتهي بإغلاق صناديق الاقتراع مساء الثالث والعشرين من شتنبر. هناك امتحان أصعب يبدأ بعدها مباشرة: هل تستطيع المؤسسات السياسية تحويل الكم الكبير من الوعود المتداولة اليوم إلى سياسات يشعر بها الناس في أجورهم ومدارس أبنائهم ومستشفياتهم ووسائل نقلهم وفرص عملهم؟
فالانتخابات لحظة في حياة الدولة، أما حياة المواطن فتبدأ كل صباح من جديد.
وهذا، بالنسبة إلي، هو أهم خبر في أسبوع المغرب كله.








0 التعليقات:
إرسال تعليق