يدخل معهد العالم العربي بباريس شهر أكتوبر 2026 بأجندة ثقافية وفنية تكاد تختصر جزءاً واسعاً من الأسئلة التي تشغل الثقافة العربية المعاصرة: الذاكرة الفلسطينية، التراث الليبي المهدد، الزواج في المجتمعات المغاربية، تحولات الحب والأسرة، السينما الفلسطينية، حضور المصممين العرب في صناعة الموضة العالمية، استعادة الفلسفة العربية الكلاسيكية، الموسيقى العابرة للحدود، والأدب المغربي المكتوب بالفرنسية. وبين المعرض والندوة والفيلم والحفل والكتاب وورشات الإبداع، يبدو المعهد هذا الخريف أقل شبهاً بقاعة عروض تقليدية وأكثر اقتراباً من مختبر ثقافي تتقاطع داخله الذاكرة مع أسئلة الحاضر.
وتكتسب البرمجة الحالية أهمية خاصة لأنها لا تقدم العالم العربي باعتباره كتلة ثقافية واحدة، بل بوصفه فضاء متعدد الأصوات والتجارب. فلسطين تحضر من خلال الصورة والسينما، والمغرب والجزائر وتونس من خلال طقوس الزواج واللباس والفنون المعاصرة، وليبيا من خلال الآثار والتراث، فيما يعود ابن سينا إلى واجهة النقاش الفلسفي بعد قرابة ألف سنة على إنجاز مشروعه الفكري الكبير. وما يجمع كل هذه المواعيد هو محاولة الانتقال من عرض «الثقافة العربية» إلى مساءلتها وإعادة وضعها في سياقات معاصرة.
«تحيا العروس!»... الزواج المغاربي يتحول إلى معرض عن المجتمع والمرأة والذاكرة
يتصدر معرض «تحيا العروس!» برنامج المعهد خلال هذا الموسم، وهو معرض افتتح في 29 شتنبر ويستمر إلى 28 فبراير 2027، ويتناول طقوس الزواج في المغرب والجزائر وتونس من خلال الأزياء والحلي والصور والأرشيف والأعمال الفنية المعاصرة. ويقدم المعرض نحو أربعين قطعة من الملابس والحلي المرتبطة بالزواج، يعود بعضها إلى القرنين التاسع عشر والعشرين، إلى جانب أعمال لفنانين وفنانات معاصرين من المغرب العربي ودياسپوراه في أوروبا.
لكن أهمية المعرض تتجاوز جمال الأزياء التقليدية أو غرابة الطقوس بالنسبة إلى الجمهور الفرنسي. فالزواج هنا يستخدم نافذة لقراءة تحولات المجتمع نفسه: ما الذي بقي من الطقوس القديمة؟ ما الذي اختفى؟ كيف تغير موقع المرأة؟ وكيف انتقلت بعض الملابس من الاستعمال اليومي أو الاحتفالي إلى المتحف؟ ثم ما الحدود بين حماية التراث وتحويله إلى صورة فولكلورية جامدة؟
وتبرز داخل المعرض قطع مغربية ذات قيمة تاريخية واضحة، بينها ملابس وحلي مرتبطة بعادات الزواج في الرباط وفاس والأطلس، إلى جانب حضور أسماء فنية مغربية مثل داود أولاد السيد، وغزلان السحلي، وسارة أوحدو، وياسمينة وحيد، وغيرهم. هذا الحضور يجعل المغرب جزءاً أساسياً من السردية التي يقترحها المعرض، لا مجرد بلد ضمن ثلاثة بلدان مغاربية معروضة جنباً إلى جنب.
واللافت أيضاً أن المعرض يمنح حيزاً واسعاً للفنانات، لأن تاريخ الزواج لا يمكن قراءته بعيداً عن تاريخ النساء وعلاقتهن بالجسد واللباس والأسرة والاختيار والطقس الاجتماعي. فالمرأة في حفلات الزواج التقليدية ليست مجرد «عروس» يتم عرضها، بل إن النساء كن أيضاً صانعات للثياب والحلي، وحافظات للطقوس والأغاني والوصفات والتقاليد التي انتقلت جيلاً بعد جيل.
من يختار من؟ الحب والزواج أمام تحولات المجتمع العربي
يواصل المعهد تفكيك موضوع الزواج عبر ندوة يوم 8 أكتوبر بعنوان «من يختار من؟ خفايا اختيار الشريك في العالم العربي»، وهي واحدة من أكثر الفعاليات اتصالاً بالتحولات الاجتماعية الراهنة. فالسؤال ينتقل من الطقس والملابس إلى جوهر العلاقة نفسها: كيف يلتقي الرجال والنساء اليوم؟ وأين تنتهي سلطة الأسرة وتبدأ حرية الفرد؟ وما تأثير تطبيقات التعارف والهواتف وشبكات التواصل على منظومة الزواج التقليدية؟
الموضوع بالغ الحساسية لأنه يضع ثلاث قوى في مواجهة بعضها بعضاً: رغبة الفرد، وانتظارات الأسرة، والتحولات التي فرضتها المدينة والهجرة والتعليم والتكنولوجيا. ومن المغرب إلى المشرق لم يعد الزواج يتحرك وفق نموذج واحد؛ فقد أصبح الزواج عن حب يجاور الزواج الذي تشارك الأسرة في ترتيبه، بينما خلقت تطبيقات التعارف فضاءات جديدة لا تزال المجتمعات نفسها تحاول تحديد موقفها منها.
وهنا تبدو أجندة المعهد أقرب إلى علم الاجتماع منها إلى الاحتفال الفولكلوري. فالزواج يصبح مؤشراً على تحولات السلطة داخل العائلة وعلى استقلال الشباب والنساء، وعلى تغير مفهوم الحب ذاته في المجتمعات العربية المعاصرة.
فلسطين على الشاشة: الزواج بوابة إلى الوطن والمنفى والعائلة
يدخل موضوع الزواج أيضاً إلى قاعة السينما يوم 8 أكتوبر من خلال عرض فيلمين هما «حب في الجليل» و**«واجب: دعوة إلى الزواج»** للمخرجة الفلسطينية آن ماري جاسر. وإذا كانت المناسبة هي معرض «تحيا العروس!»، فإن السينما الفلسطينية تمنح الزواج بعداً سياسياً وإنسانياً مختلفاً تماماً.
في «واجب» يعود الابن من روما إلى الناصرة لمساعدة والده على توزيع دعوات زفاف شقيقته يداً بيد، وفق تقليد فلسطيني اجتماعي معروف. لكن الرحلة اليومية بين البيوت تتحول تدريجياً إلى مواجهة بين جيلين وبين رؤيتين للحياة والوطن والهجرة. الأب بقي في فلسطين، بينما بنى الابن حياته في الخارج، ومن خلال الحوارات الصغيرة تظهر الاختلافات حول السياسة والهوية والعائلة.
بهذا المعنى لا يصبح الزواج موضوع الفيلم الحقيقي بقدر ما يصبح ذريعة لفتح ملف العلاقة الفلسطينية بالأرض والمنفى والذاكرة. وتلك واحدة من نقاط القوة في البرمجة الحالية للمعهد: الموضوع الواحد ينتقل من الثوب إلى الفيلم، ومن السينما إلى علم الاجتماع، ومن التجربة الخاصة إلى التاريخ.
فؤاد العروي يعود إلى مقاهي الدار البيضاء باحثاً عن زوج
يحضر الأدب المغربي بقوة يوم 10 أكتوبر من خلال لقاء مع الكاتب فؤاد العروي حول كتابه «30 يوماً للعثور على زوج». والعمل مبني على حكايات يرويها أصدقاء يجتمعون داخل «مقهى الكون» في الدار البيضاء، فتتداخل القصص والتعليقات والتأملات في بنية تقع بين الرواية والقصة والحكاية الشفوية.
واللقاء مهم لأن العروي يمثل نموذجاً للكاتب المغربي العابر للغات والثقافات. فهو يكتب الرواية بالفرنسية والشعر بالهولندية، وراكم مساراً أدبياً وفكرياً يجعل كتابته جزءاً من الحوار بين المغرب وأوروبا. كما أن إدراج كتابه ضمن البرمجة المحيطة بالزواج يمنح الموضوع مساحة ساخرة وأدبية، بعيداً عن ثقل الندوات الأكاديمية.
وعند فؤاد العروي غالباً ما يكون الضحك مدخلاً إلى أسئلة أكثر تعقيداً: العلاقات بين الرجال والنساء، ضغط المجتمع، صورة النجاح، الازدواج الثقافي، والحيرة بين رغبة الفرد وما تنتظره منه أسرته. لذلك لا يبدو كتاب البحث عن الزوج مجرد حكاية طريفة، بل مرآة ساخرة لمجتمع تتغير فيه القيم أسرع مما تتغير فيه التقاليد.
كاميليا جوردانا تحتفل بزفافها داخل المعهد
أحد أكثر مواعيد أكتوبر غرابة وجاذبية سيقام مساء 10 أكتوبر، عندما تستضيف المؤسسة المغنية والممثلة الفرنسية ذات الأصول الجزائرية الأمازيغية كاميليا جوردانا في «حفل زفاف» فني داخل معهد العالم العربي. وقد منحتها المؤسسة حرية تصميم الأمسية في إطار معرض «تحيا العروس!»، فاختارت تحويل الفكرة إلى احتفال يمزج بين الحفل الموسيقي والوليمة والقراءات والطقوس الأمازيغية.
الأمسية تتعامل مع الزواج كفن أداء حي. فالجمهور ليس مجرد متفرج يجلس أمام خشبة، بل مدعو إلى دخول أجواء احتفال جماعي تتداخل فيه الموسيقى والطعام والذاكرة العائلية والهوية. ويحمل اختيار كاميليا جوردانا معنى إضافياً بسبب اشتغالها خلال السنوات الأخيرة على جذورها الأمازيغية وعلى سؤال الانتماء بين فرنسا وشمال إفريقيا.
إنها أيضاً علامة على اتجاه واضح في برمجة المؤسسات الثقافية الحديثة: كسر الحدود بين المتحف والحفل، وبين العرض والحياة اليومية. فالمتحف لم يعد مساحة للأشياء الصامتة فقط، بل يمكنه أن يتحول إلى مكان يرقص فيه الناس ويغنون ويتناولون الطعام ويعيدون تمثيل الطقس الاجتماعي.
«المحطات الموسيقية» تحتفل بلقائها الخمسين
وفي السابع من أكتوبر يبلغ برنامج «المحطات الموسيقية» لقاءه الخمسين، وهي سلسلة يشرف عليها الموسيقي قيس السعدي داخل متحف المعهد. وتقوم فكرتها على جعل موسيقيين ينتمون إلى تقاليد وأساليب مختلفة يدخلون في حوار مباشر، بحثاً عما يمكن للصوت أن يقوله بعيداً عن الحدود الجغرافية.
الاحتفال باللقاء الخمسين يؤكد نجاح نموذج موسيقي يقوم على الحميمية بدلاً من حفلات القاعات الكبرى. فالموسيقى هنا لا تقدم كمنتج جماهيري فقط، وإنما كتجربة استماع وحوار بين ثقافات وآلات وأساليب مختلفة. وهذا النموذج ينسجم مع وظيفة المعهد نفسه بوصفه مساحة لقاء أكثر منه منصة عرض أحادية الاتجاه.
وتكشف التجربة أيضاً عن تحولات في تقديم الموسيقى العربية في أوروبا. فقد تجاوز الزمن الذي كان فيه الموسيقي العربي يقدم في الغرب باعتباره حامل «تراث غريب»، وأصبحت اللقاءات الحديثة تبحث عن المساحات المشتركة بين الجاز والموسيقى الشرقية والارتجال والموسيقات المتوسطية والأصوات المعاصرة.
الموضة العربية تبحث عن مكانها داخل الصناعة العالمية
يخصص المعهد يوم 6 أكتوبر لقاءات ضمن جائزة الموضة في العالم العربي، وهي مبادرة تسعى إلى تقديم مصممين من البلدان العربية ودياسپورا المنطقة وإبراز العلاقة بين التراث والابتكار. وتناقش إحدى الجلسات كيف يستدعي المصممون الذاكرة العائلية والحرف التقليدية والعمارة والصورة ويعيدون تحويلها إلى لغة معاصرة.
وتحضر في اللقاءات أسماء من المغرب ومصر والمنطقة العربية وفرنسا، بينها المغربي يونس بوشيدة في نقاش حول بناء جسور تعاون جديدة بين فرنسا والبلدان العربية في مجال صناعة الموضة. وهذه نقطة مهمة لأن الموضة أصبحت اليوم واحدة من الصناعات الثقافية والاقتصادية الأكثر قدرة على تحويل التراث إلى قيمة مضافة.
لكن السؤال الحقيقي لا يتعلق بعرض القفطان أو التطريز أو الحلي فقط، وإنما بكيفية بناء سلسلة اقتصادية كاملة: مدارس للتصميم، استوديوهات، حرفيون، تمويل، تسويق، حماية للملكية الفكرية، ثم الوصول إلى السوق الدولية. وفي هذا السياق يمكن للمغرب، بما يملكه من تقاليد في النسيج والجلد والتطريز والحلي، أن يكون لاعباً أساسياً إذا انتقل من تصدير الصورة التراثية إلى بناء علامات عالمية.
ابن سينا بعد ألف عام: هل تستطيع الفلسفة أن تشفي الروح؟
في اليوم نفسه، 6 أكتوبر، يعود المعهد إلى واحد من أعظم المشاريع الفلسفية في تاريخ الحضارة الإسلامية، عبر لقاء حول «كتاب الشفاء» لابن سينا. ويأتي الموعد ضمن برنامج «فلسفة»، الذي سيخصص موسمه 2026-2027 لدراسة هذا العمل الموسوعي مع اقتراب الاحتفال بألفيته.
والعنوان قد يوحي لأول وهلة بكتاب في الطب، لكن «الشفاء» عند ابن سينا هو مشروع فلسفي ضخم يضم المنطق والطبيعيات والرياضيات والميتافيزيقا. والمقصود بالشفاء هنا تخليص العقل من الجهل بواسطة المعرفة. إنها فكرة شديدة الحداثة رغم عمرها الذي يقارب ألف سنة: المعرفة ليست ترفاً، بل وسيلة لتحرير الإنسان.
وإعادة ابن سينا إلى النقاش الفرنسي المعاصر تحمل أيضاً قيمة رمزية، لأنها تذكر بأن الفلسفة لم تكن حكراً على مسار يوناني ــ أوروبي مغلق، بل مرت عبر العربية وشهدت داخل الحضارة الإسلامية واحداً من أخصب عصورها، ثم انتقلت أعمال ابن سينا وغيره إلى اللاتينية وأسهمت في تشكيل التفكير الفلسفي الأوروبي نفسه.
فلسطين في صور جوس دراي: الذاكرة في مواجهة الاختفاء
ومن أكثر المعارض تأثيراً في البرنامج الحالي معرض «فلسطين بعدسة جوس دراي»، المستمر إلى فاتح نوفمبر. ويضم صوراً التقطتها المصورة الفرنسية في فلسطين وبين اللاجئين الفلسطينيين منذ أواخر ثمانينيات القرن الماضي وحتى بداية الألفية.
لا تقدم الصور فلسطين من خلال العناوين السياسية الكبرى فقط؛ إنها تستعيد الأسواق والشوارع والأطفال والشواطئ والمخيمات والحواجز والبيوت، أي تفاصيل الحياة التي غالباً ما تختفي وراء لغة الحرب. وبهذه الطريقة تصبح الصورة وثيقة ضد النسيان.
وتكتسب المبادرة دلالة إضافية لأنها تقام داخل المكتبة التي تحمل اليوم اسم ليلى شهيد، إحدى أبرز الأصوات الفلسطينية التي خاطبت الرأي العام الأوروبي لعقود. وهكذا تلتقي الصورة مع الذاكرة الشخصية والسياسية، ويصبح المعرض تكريماً لفلسطين ولمن حملوا روايتها في أوروبا.
ليبيا: آثار تخرج من خلف أخبار الحرب
وفي معرض «ليبيا، تراث مكشوف» المستمر إلى 20 أكتوبر، يحاول المعهد تقديم بلد ارتبط طويلاً في الأخبار الأوروبية بالحرب والفوضى والهجرة من زاوية أخرى تماماً: زاوية التاريخ والآثار. صور وأفلام ووثائق تعرض نتائج عقود من البحث الأثري في مواقع تمتد من عصور ما قبل التاريخ إلى العصور الوسطى.
يحضر لبدة الكبرى وأبولونيا ومواقع في الصحراء وبرقة ومناطق أخرى لتذكير الزائر بأن ليبيا ليست مجرد حدود سياسية حديثة، بل فضاء حضارياً شهد تعاقب الفينيقيين والإغريق والرومان والمجتمعات الإفريقية والمتوسطية والإسلامية.
وتكمن أهمية المعرض في إعادة الاعتبار لفكرة التراث في البلدان التي تعاني النزاعات. فالآثار ليست حجارة صامتة؛ تدميرها أو نهبها يقطع علاقة المجتمع بذاكرته، وحمايتها تصبح جزءاً من حماية هوية البلد نفسه.
العربية أيضاً في قلب أجندة أكتوبر
ويمتد البرنامج إلى مجال التعليم من خلال الدورة الرابعة للمدرسة الخريفية EDIMA بين 19 و22 أكتوبر، وهي أربعة أيام من المحاضرات والورشات حول تعليم العربية لغير الناطقين بها وتكوين المدرسين.
وتدخل قضايا جديدة إلى هذا المجال، بينها الذكاء الاصطناعي وتحفيز المتعلمين والعلاقة بين الفصحى واللهجات، واستخدام المسرح والارتجال في تدريس اللغة. وهذه الأسئلة تعكس تحولاً مهماً في النظرة إلى العربية في أوروبا؛ فهي ليست فقط لغة تراثية أو عائلية، بل لغة ينبغي تطوير مناهج حديثة لتعليمها وربطها بالتكنولوجيا والممارسات التربوية الجديدة.
معهد العالم العربي: من عرض الثقافة إلى مساءلة العالم العربي
إذا نظرنا إلى أجندة أكتوبر كوحدة واحدة، سنجد أن قوتها الأساسية تكمن في هذا التنوع المتصل: الزواج يبدأ من قفطان مغربي أو حلي تونسية، ثم يتحول إلى سؤال عن حرية الاختيار، ثم إلى فيلم فلسطيني، ثم رواية لفؤاد العروي، ثم حفل كاميليا جوردانا. وفلسطين تنتقل من السياسة إلى الصورة والسينما والذاكرة، بينما تعبر الموضة من التراث إلى الصناعة، ويخرج ابن سينا من كتب تاريخ الفلسفة ليعود إلى نقاش معاصر حول المعرفة.
هنا تحديداً تكمن أهمية معهد العالم العربي في باريس: ليس فقط في تقديم العالم العربي للفرنسيين، بل في السماح للعرب أنفسهم بالنظر إلى ثقافتهم من زوايا جديدة، وبوضع التراث في مواجهة الحاضر، والهوية أمام التحول، والذاكرة أمام النسيان.
وخريف 2026 في المعهد يقدم نموذجاً واضحاً لهذا الدور. فالمؤسسة لا تكتفي بقول إن العالم العربي غني ثقافياً، بل تحاول أن تسأل: ماذا نفعل بهذا الغنى اليوم؟ كيف نعرضه من دون تجميده؟ وكيف نحمي الذاكرة من دون تحويلها إلى حنين؟ وكيف نسمح للفن بأن يناقش الأسرة والجسد والحب والسياسة والهجرة والحرب؟
من هذا المنظور، تبدو أجندة أكتوبر أكثر من مجرد رزنامة ثقافية باريسية. إنها صورة مصغرة للعالم العربي نفسه: عالم يحمل تراثاً هائلاً، يعيش تغيرات اجتماعية سريعة، ويتفاوض كل يوم مع ذاكرته وهويته وعلاقته بأوروبا والعالم.








0 التعليقات:
إرسال تعليق