الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الجمعة، أكتوبر 09، 2026

في المدينة التي صار فيها الصوت ثروة نادرة: عبده حقي


أستيقظ على الصمت، لا على رنين منبّه، ولا على هدير سيارة تعبر الشارع، ولا على صوت بائع يفتح متجره أسفل النافذة، ولا حتى على حفيف ستارة تداعبها الريح. أفتح عينيّ فأجد المدينة غارقة في ذلك الفراغ الثقيل الذي لا يشبه الهدوء، لأن الهدوء اختيار، أما هذا الصمت فقد صار قانونًا من قوانين الحياة. أنظر إلى فمي في المرآة وأتأكد أنه ما يزال هناك، ثم أمرر أصابعي على حنجرتي كمن يتحسس خزنة صغيرة يخشى أن يكون أحدهم قد سرق منها آخر ما يملك. في عالمي لم يعد الناس يقيسون ثراءهم بما يمتلكونه من ذهب أو عقارات أو حسابات مصرفية، بل بعدد الثواني الصوتية المتبقية في أرصدتهم. لكل إنسان حساب صوتي، ولكل كلمة ثمن، ولكل ضحكة فاتورة، ولكل صرخة عقوبة قد تجعل صاحبها فقيرًا إلى الأبد.

هكذا أتخيل «صوت الصمت»، حكاية لا تُقرأ بالعين فقط، بل تدخل إلى المستمع من أذنه قبل أن تستقر في وعيه. إنها قصة ينبغي أن يكون الصوت فيها بطلًا حقيقيًا، مثل شخصية تمشي وتتنفس وتختبئ وتموت وتولد من جديد. قصة يبدأ فيها المستمع داخل عالم يكاد يخلو من الأصوات، فلا يسمع في الدقائق الأولى سوى تنفسه المتخيل وربما نبضًا خافتًا يتسلل من بعيد. وكلما تقدم السرد، يصبح ظهور أي صوت حدثًا استثنائيًا؛ سقوط ملعقة على الأرض قد يعادل انفجارًا، وخرير قطرة ماء يصبح موسيقى كاملة، وضحكة طفل تستطيع أن تهز مدينة بأسرها.

لقد اعتدنا على الصوت إلى درجة أننا نسينا قيمته. نستيقظ وسط أصوات السيارات والهواتف والمذياع والتلفزيون، تتزاحم الكلمات حولنا من كل جهة، تتحدث التطبيقات، وتصرخ الإعلانات، وتطن الأجهزة، وتصلنا الرسائل في شكل نغمات وتنبيهات، حتى صار الصمت نفسه سلعة نبحث عنها في الفنادق البعيدة والجبال والغابات. لكن ماذا لو انقلب العالم؟ ماذا لو أصبح الصوت هو النادر والصمت هو المادة التي تغطي كل شيء؟ ماذا لو اضطر الإنسان إلى التفكير طويلًا قبل أن ينطق كلمة واحدة لأنه يعرف أن كل حرف ينقص من رصيده المحدود؟

في هذه المدينة المتخيلة، لا يتحدث الناس إلا عند الضرورة. تحولت التحية إلى إيماءة بالرأس، والحب إلى نظرة طويلة، والغضب إلى قبضة مشدودة، والأسواق إلى شاشات مضيئة تعرض الأسعار دون مناداة، والمدارس إلى قاعات يتبادل فيها الأطفال الكلمات المكتوبة. أما الأغاني فقد أصبحت مقتنيات فاخرة لا يستطيع سماعها إلا الأثرياء.

توجد في قلب المدينة «خزائن الصوت»، وهي مؤسسات ضخمة تحفظ الأصوات القديمة: هدير البحر، زقزقة العصافير، بكاء الأطفال، ضحكات النساء، أصوات القطارات، أبواب البيوت الخشبية، خطب الزعماء، أناشيد المدارس، أذان المساجد، أجراس الكنائس، حفيف أشجار لم تعد موجودة. يستطيع الأغنياء شراء دقائق منها والاستماع إليها داخل غرف محكمة الإغلاق. يدفع أحدهم ثروة كي يسمع المطر لمدة خمس دقائق، بينما يقف الفقراء في الخارج يحاولون التقاط ذبذبة تتسرب من الجدار.

أرى رجلًا مسنًا يدخل إحدى تلك الخزائن بعدما ادخر سنوات طويلة ثمن ثلاثين ثانية فقط. يسأله الموظف عبر شاشة صامتة: «أي صوت تريد؟». يكتب الرجل: «صوت أمي». يبحث النظام في الأرشيف ويعثر على تسجيل يعود إلى سبعين عامًا. يجلس الرجل داخل غرفة مظلمة، يضع السماعتين على أذنيه، ثم يأتي الصوت: «تعال يا ولدي، لقد برد الطعام». جملة عادية كان يسمعها عشرات المرات في طفولته، لكنها الآن أثمن من كل موسيقى الأرض. تنتهي الثواني الثلاثون، ويخرج الرجل باكيًا، وقد أنفق مدخرات حياته كلها من أجل جملة واحدة.

هنا تصبح القصة بالنسبة إليّ أكثر من تجربة سمعية. إنها سؤال حول ما نبدده كل يوم دون أن ننتبه. الإنسان لا يعرف قيمة الأشياء إلا بعد أن تصبح مهددة بالفقدان. نحن نهدر الكلمات كما نهدر الماء، نرفع أصواتنا في مشاجرات تافهة، نطلق الشتائم، نكرر الأكاذيب، نستهلك ساعات في كلام فارغ، بينما قد تأتي لحظة نتمنى فيها أن نستعيد كلمة حب واحدة لم نقلها في وقتها.

بطل حكايتي شاب يعمل «صياد أصوات». مهنته غير قانونية وخطيرة. يخرج ليلًا ومعه جهاز تسجيل صغير يبحث عن الأصوات التي نجت من نظام الصمت. يجمع صرير الأبواب المهجورة، صفير الريح بين المباني، حفيف أوراق الأشجار، مواء القطط، صوت امرأة عجوز تهمس في نومها، وقع أقدام رجل يمشي وحيدًا، تنفس طفل، ارتطام المطر النادر بسقف من معدن. يحتفظ بكل ذلك في أرشيف سري لأنه يؤمن بأن الإنسان إذا فقد ذاكرته الصوتية فقد جزءًا من إنسانيته.

هناك سلطة تراقب المدينة تسمى «هيئة السكون العام». مهمتها المعلنة حماية المخزون الصوتي العالمي بعدما تعرض الكوكب، وفق الرواية الرسمية، لكارثة جعلت إنتاج الصوت خطرًا على التوازن البيئي. لكن البطل يكتشف تدريجيًا أن ندرة الصوت ليست طبيعية كما يعتقد الجميع. لقد جرى تحويل الصوت إلى مورد احتكاري، مثل النفط والماء والبيانات، لأن السيطرة على الصوت تعني السيطرة على الكلام، والسيطرة على الكلام تعني السيطرة على التفكير، أما المجتمع الذي يخشى أفراده أن يتحدثوا فهو مجتمع يمكن حكمه بسهولة.

هنا يخرج «صوت الصمت» من حدود الخيال العلمي ليلامس عالمنا الراهن. فالسلطة لا تحتاج دائمًا إلى منع الكلام صراحة؛ يكفي أن تجعل للكلام تكلفة. قد تكون التكلفة خوفًا أو رقابة أو عزلة اجتماعية أو تشهيرًا أو فقدان وظيفة. عندئذ يتعلم الناس الصمت بأنفسهم، ويتحول الصمت من قرار مفروض من الخارج إلى شرطي يسكن داخل الرأس.

أكثر ما يغريني في هذا المشروع أن المستمع نفسه يصبح جزءًا من الحبكة. تخيل أن تمر عشرون ثانية كاملة من القصة بلا أي صوت. عشرون ثانية فقط، لكنها ستبدو طويلة لأننا أصبحنا غير قادرين على احتمال الفراغ السمعي. سننتظر أن يحدث شيء، وسنبحث عن صوت يطمئننا إلى أن الحكاية ما تزال مستمرة. عندئذ ندرك أن الصمت ليس غيابًا للصوت فقط، بل حضور كثيف للانتظار.

ثم يأتي فجأة صوت تنفس.

بعده طرقة واحدة.

ثم همسة بعيدة.

وستكون هذه العناصر البسيطة أكثر تأثيرًا من موسيقى ضخمة لأن الندرة تغيّر قيمة الأشياء.

يتطور الصراع عندما يعثر صياد الأصوات على تسجيل مجهول داخل مبنى مهجور. التسجيل ليس خطابًا سياسيًا ولا سرًا عسكريًا، بل أغنية تغنيها مجموعة من الأطفال. يسمع في الخلفية ضجيج شوارع وعصافير وضحكات وماء يجري. يفهم البطل من تاريخ التسجيل أن العالم كان ما يزال مليئًا بالأصوات بعد التاريخ الذي تزعم السلطة أن «كارثة الصوت» وقعت فيه. وهكذا يبدأ الشك.

يتتبع التسجيل ويكتشف أرشيفًا هائلًا من الأصوات المخفية. ملايين الساعات محفوظة في خوادم تحت الأرض بينما يعيش الناس فوقها في صمت مفروض. البحر ما يزال يصدر صوته، والطيور ما تزال تغني في المناطق المحظورة، والآلات الموسيقية لم تختف، لكن كل ذلك حُجب عن الناس حتى تتحول القدرة على السماع والنطق إلى امتياز اقتصادي وسياسي.

تصل القصة إلى ذروتها عندما يقرر البطل ارتكاب الجريمة الكبرى: تحرير الأصوات.

يخترق شبكة المدينة ويفتح الأرشيف دفعة واحدة.

وهنا، بعد ساعات من السرد الذي بنى عالمًا مقتصدًا في الصوت، يحدث الانفجار الحقيقي.

لا انفجار القنابل، بل انفجار الحياة.

تهطل أصوات المطر من مكبرات المدينة، تتبعها أمواج البحر، ثم عصافير، ثم قطارات، ثم ضحكات أطفال، ثم موسيقى، ثم أصوات أمهات ينادين أبناءهن، ثم أقدام تركض، ثم أبواب تفتح، ثم بشر يصرخون لأنهم يسمعون للمرة الأولى العالم الذي حُرموا منه.

يخرج الناس إلى الشوارع.

في البداية لا يتحدث أحد.

لقد نسوا استعمال أصواتهم.

ينظرون إلى بعضهم بعضًا بذهول، ويضع بعضهم يده على حنجرته كما لو كان يكتشف عضوًا مجهولًا في جسده.

طفلة صغيرة هي أول من يجرب.

تفتح فمها وتقول:

«أمي».

تنتشر الكلمة عبر الشارع.

تكررها أمها.

ثم يبدأ الآخرون في النطق.

اسم.

ضحكة.

صرخة.

نداء.

قصيدة.

شتيمة.

أغنية.

اعتراف بالحب.

وبسرعة تتحول المدينة إلى فوضى صوتية هائلة، لكنها فوضى تحمل معنى الحرية.

ومع ذلك لا أريد للنهاية أن تكون احتفالًا بسيطًا بانتصار الصوت على الصمت، لأن للصمت أيضًا حقيقته وجماله. المشكلة ليست في الصمت، بل في الصمت المفروض، كما أن المشكلة ليست في الكلام، بل في الكلام الذي يفقد معناه من كثرة الاستهلاك. ربما بعد تحرير الأصوات سيكتشف الناس أنهم يحتاجون إلى تعلم الصمت من جديد، هذه المرة بإرادتهم.

سيعرفون أن الصمت الذي نختاره مساحة للتأمل، بينما الصمت الذي تفرضه السلطة سجن.

سيعرفون أن الصوت ليس مجرد اهتزاز ينتقل في الهواء، بل أثر وجود.

نحن نصنع هويتنا بالأصوات أكثر مما نتخيل. نتذكر موتانا بنبرة أصواتهم، ونتعرف إلى الذين نحبهم قبل أن نراهم أحيانًا، ونحمل داخل ذاكرتنا ضحكات اختفت منذ عقود. قد ننسى ملامح إنسان، لكن جملة قالها بنبرة خاصة تستطيع أن تعيده كاملًا إلى الغرفة.

لهذا أرى «صوت الصمت» قصة عن الذاكرة بقدر ما هي قصة عن المستقبل، وعن الحرية بقدر ما هي تجربة في فن السرد الصوتي. إنها تضع المستمع أمام سؤال بسيط ومخيف: ماذا سأفعل لو مُنحت في حياتي ألف كلمة فقط؟

أي الكلمات سأحتفظ بها؟

كم مرة سأقول «أحبك»؟

هل سأهدر كلمة واحدة في الكراهية؟

هل سأصرخ؟

هل سأغني؟

هل سأعتذر؟

هل سأقول الحقيقة؟

ربما عندئذ فقط سندرك أن المشكلة الكبرى التي نعيشها اليوم ليست أننا نفتقر إلى الأصوات، بل أننا نمتلك منها أكثر مما نحتاج، ومع ذلك نصغي أقل مما ينبغي. العالم يتحدث بلا توقف، الشاشات تتكلم، السياسيون يتكلمون، الإعلانات تتكلم، التطبيقات تتكلم، ونحن نضيف أصواتنا إلى هذا المحيط المتلاطم حتى تكاد الكلمات تفقد وزنها.

أما في تلك المدينة الخيالية، حيث يصبح الصوت نادرًا كقطرة ماء في الصحراء، فسيتعلم الإنسان أن الكلمة ليست هواءً يخرج من الفم، بل مسؤولية.

وقد تكون آخر جملة في القصة مجرد همسة يقولها البطل بعد أن تهدأ المدينة:

«احتفظوا ببعض الصمت... كي تظل للكلمات قيمة».



0 التعليقات: