الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الجمعة، أكتوبر 09، 2026

حصيلة أحدث إصدارات الـEbook العربية إعداد الكاتب المغربي عبده حقي


تتحرك خريطة الكتاب الإلكتروني العربي هذه الأيام بوتيرة هادئة لكنها لافتة، بعيداً في كثير من الأحيان عن الضجيج الذي يصاحب الإصدارات الورقية ومعارض الكتب وحفلات التوقيع. فبين نهاية شتنبر والأسبوع الأول من أكتوبر 2026 ظهرت مجموعة جديدة من الكتب العربية بصيغ رقمية، ولا سيما EPUB وPDF، تتوزع بين الأدب والسرد الساخر والدراسات اللغوية والذكاء الاصطناعي والصحة والذاكرة والأعمال الوثائقية، بما يؤكد أن الـEbook العربي لم يعد مجرد نسخة لاحقة من كتاب ورقي، بل أصبح في بعض الحالات مساراً مستقلاً للنشر والوصول إلى القارئ.

ويقتضي الحديث عن «الكتاب الإلكتروني الجديد» بعض الدقة. فتاريخ ظهور النسخة الرقمية لا يطابق دائماً تاريخ صدور الكتاب للمرة الأولى، لأن بعض الأعمال تصدر ورقياً ثم تدخل المكتبة الإلكترونية بعد أسابيع أو أشهر، بينما تصدر أعمال أخرى مباشرة بصيغة رقمية. ولهذا اعتمدت في هذه الجولة أساساً على تواريخ الإتاحة الإلكترونية التي تعرضها منصات التوزيع، وعلى رأسها قوائم الكتب الإلكترونية الحديثة في «نيل وفرات/iKitab»، مع مقارنة ذلك بما يظهر في منصات القراءة الرقمية الأخرى. وتضع منصة نيل وفرات، حتى 9 أكتوبر 2026، كتباً إلكترونية بتاريخ 6 و7 أكتوبر في مقدمة قائمة «صدر حديثاً»، وهو ما يوفر مؤشراً عملياً على أحدث حركة النشر الرقمي المتاحة للرصد.

«جماليات نحوية في آيات قرآنية»: اللغة بوصفها مدخلاً للجمال

من أحدث الإصدارات الإلكترونية المسجلة بتاريخ 7 أكتوبر كتاب «جماليات نحوية في آيات قرآنية» لشعبان سيد مرعي، والمتاح بصيغة EPUB.

ينطلق الكتاب من التركيب النحوي للآيات القرآنية لكي يقرأ العلاقة بين القاعدة اللغوية والجمال البياني والدلالة، فلا يتعامل مع النحو باعتباره شبكة جامدة من القواعد، بل يحاول الكشف عن الوظيفة التعبيرية التي تؤديها البنية النحوية داخل النص القرآني. وتصفه منصة التوزيع بأنه كتاب يبحث في الدقة التركيبية والأسلوب وما يتولد عنهما من دلالات جمالية.

ووجود مثل هذا الكتاب ضمن أحدث الإصدارات الإلكترونية يعكس اتساع المكتبة الرقمية العربية خارج الرواية والكتب الخفيفة إلى مجالات اللغة والدراسات القرآنية، وهي مجالات ظلت لعقود مرتبطة أكثر بالمجلد الورقي والدرس الجامعي.

«مدارج الزمن»: الأدب يجد طريقاً مباشراً إلى القارئ الرقمي

وفي اليوم نفسه، 7 أكتوبر، ظهر كتاب «مدارج الزمن» لتامر محمود عبد الحميد بصيغة EPUB، مصنفاً ضمن الأدب.

وتبرز أهمية مثل هذه الإصدارات في أنها تكشف إحدى السمات المتنامية للنشر الإلكتروني العربي: قدرة المؤلف على الوصول إلى القارئ خارج الإيقاع البطيء لدورة النشر الورقية التقليدية. فالنص الأدبي يمكن اليوم أن يدخل إلى متجر رقمي ويصبح قابلاً للقراءة عبر الهاتف أو الجهاز اللوحي من بلدان متعددة، من دون أن ينتظر بالضرورة وصول النسخة المطبوعة إلى شبكة توزيع جغرافية واسعة.

القصة القصيرة جداً تعود عبر الشاشة

ومن إصدارات 7 أكتوبر أيضاً «قصص قصيرة جداً وساخرة – الجزء الثاني» لإبراهيم صلاح، وهو كتاب إلكتروني بصيغة EPUB يقدم نصوصاً تقوم، كما يوحي العنوان، على التكثيف والسخرية وقصر البناء الحكائي.

وربما تكون القصة القصيرة جداً من الأجناس الأكثر قابلية للتكيف مع القراءة الرقمية. فالشاشة الصغيرة والهاتف المحمول وسلوك القراءة المتقطع كلها تمنح النص المكثف فرصة جديدة للحضور، رغم أن ذلك يفتح في المقابل سؤالاً نقدياً حول العلاقة بين الشكل الأدبي وطبيعة الوسيط: هل ازدهار النص القصير نابع من تحول جمالي حقيقي أم من تراجع صبر القارئ أمام الشاشة؟ أم من الاثنين معاً؟

الأخلاق في عصر الذكاء الاصطناعي والسوشيال ميديا

ويأتي كتاب «الأخلاق 2026 في زمن الضياع الرقمي: كيف نحافظ على إنسانيتنا في عصر الذكاء الاصطناعي والسوشيال ميديا؟» لصلاح سعدي تمساح ضمن أكثر العناوين اتصالاً بأسئلة اللحظة الراهنة. ظهر الكتاب إلكترونياً في 6 أكتوبر بصيغة EPUB، ويتمحور حول القيم والسلوك والخصوصية والصدق والاحترام داخل الحياة الرقمية.

العنوان نفسه يلخص تحولاً أراه يتسارع في سوق الكتاب العربي: الذكاء الاصطناعي لم يعد شأناً تقنياً معزولاً في كتب علوم الحاسوب، بل أصبح مدخلاً إلى الفلسفة والأخلاق والتربية والإعلام وحتى الأدب.

فالأسئلة التي يطرحها عصر الذكاء الاصطناعي اليوم لم تعد تقتصر على ما تستطيع الآلة القيام به، وإنما تمتد إلى ما ينبغي للإنسان أن يفعله، وكيف يحمي خصوصيته وهويته وحرية اختياره، وكيف يميز بين الحقيقة والمحتوى الاصطناعي والتضليل.

«صمت البوح»: أزمة الهوية في فضاء رقمي

وفي الرواية يظهر اسم موفق الكيالي بعملين إلكترونيين جديدين صدرا في 6 أكتوبر.

الأول «صمت البوح: هندسة الظل وإنكار الذات»، وهي رواية تدور حول أزمة الهوية والبحث عن الذات والعزلة والتغيرات القسرية، ضمن مسار نفسي وفلسفي يفكك الازدواجية الداخلية للشخصية.

يحمل العنوان نفسه شيئاً من التناقض المقصود بين «الصمت» و«البوح»، كأن الكتاب يتحرك في المنطقة الفاصلة بين ما يريد الإنسان الاعتراف به وما يبقى مدفوناً داخله.

«شظايا المهندس»: الماضي داخل غرف المرايا

أما العمل الثاني لموفق الكيالي فهو «شظايا المهندس: ملحمة السقوط في غرف المرايا»، المتاح بدوره إلكترونياً منذ 6 أكتوبر.

يتتبع العمل شخصية سليمان صبحي، رجل يخضع للإقامة الجبرية ويعيش تحت ضغط ذاكرته وماضيه وصرامته العقلية والهندسية. ويصبح الماضي، وفق تقديم الكتاب، قوة تضغط على الحاضر باستمرار، بينما تتحول «غرف المرايا» إلى فضاء رمزي لمواجهة الذات وتعدد صورها.

هذان العملان يبرزان حضور الرواية النفسية والفكرية داخل سوق الـEbook العربي، بعد أن كان التصور الشائع يربط الكتاب الإلكتروني أساساً بالكتب التعليمية السريعة أو كتب تطوير الذات.

كتاب إلكتروني عن الألم المزمن: الجسد يتحدث مع النفس

في الأول من أكتوبر صدر إلكترونياً كتاب «هموم وسموم: حين يتكلم الجسد بصوت الروح» لعهود حسن.

يجمع الكتاب، وفق وصفه، بين الحديث عن الألم المزمن والجهاز العصبي والمشاعر والضغط النفسي، محاولاً تفسير العلاقة المتبادلة بين التجربة الجسدية والحالة النفسية.

وهو نموذج لتوسع النشر الإلكتروني العربي في المجال الصحي والتوعوي، حيث يبحث القارئ بصورة متزايدة عن الكتب التي تقدم المعرفة الطبية أو النفسية بلغة أقرب إلى التجربة اليومية.

لكن هذا النوع من الكتب يفرض في الوقت نفسه ضرورة التمييز بين الكتاب التثقيفي والمصدر الطبي المتخصص، فسهولة نشر الكتاب رقمياً لا ينبغي أن تتحول إلى بديل عن المراجعة العلمية الصارمة.

«من قتل د. ضياء العوضي؟»: الوثيقة تدخل الكتاب الإلكتروني

وفي الأول من أكتوبر أيضاً ظهر «من قتل د. ضياء العوضي؟» لفهد بن منصف العتيبي، عن دار تاسك للطباعة والنشر والتوزيع، بصيغة PDF.

يصنف الكتاب نفسه باعتباره عملاً استقصائياً وثائقياً يتناول قضية الدكتور ضياء العوضي ومشروع «الطيبات»، ويتتبع وثائق وشهادات وروايات مرتبطة بالقضية في محاولة للفصل بين الوقائع المثبتة والتفسيرات المختلفة.

ويمثل هذا العنوان انتقالاً مهماً في وظيفة الكتاب الرقمي العربي، لأنه يقترب من الصحافة الاستقصائية والوثيقة، أي من ذلك النوع من الكتب الذي يستفيد كثيراً من سرعة النشر الرقمي وإمكانية الوصول السريع إلى جمهور واسع.

«متى نعود لمنزلنا يا بني؟»: الزهايمر والعمارة العصبية

ومن أكثر الإصدارات الجديدة اختلافاً كتاب «متى نعود لمنزلنا يا بني؟ حكاية معماري وأمه في مواجهة الزهايمر» لرامي آدم، المتاح إلكترونياً منذ 30 شتنبر بصيغة EPUB.

ينطلق المؤلف من تجربة شخصية مع والدته، التي بدأت تظهر عليها علامات الخرف بعد الانتقال إلى منزل جديد، ثم تتحول التجربة إلى مدخل للحديث عن «العمارة العصبية» وتأثير المكان في الدماغ وفي الأشخاص المصابين بالزهايمر والخرف.

ولا يكتفي الكتاب بالسرد الشخصي، بل يربط التجربة بأسئلة تتعلق بتصميم الأماكن، والانتقال بين البيوت، وتأثير البيئة المادية في ذاكرة المريض وحالته النفسية والسلوكية.

وما يلفتني في هذا الإصدار هو هذا المزج بين السيرة الشخصية والعمارة وعلم الأعصاب والرعاية الأسرية. إنه نموذج للكتب التي يصعب وضعها داخل خانة تقليدية واحدة.

الخيال الكارثي في «عقاب القيامة»

ومن إصدارات 30 شتنبر كذلك «عقاب القيامة – المجلد الأول: عصر المنقرضين» لرعد البيضاني، بصيغة EPUB.

تتحرك الحكاية في عالم تنهار فيه الحضارة البشرية أمام قوى غامضة، فيما تصبح الأرض نفسها كأنها كائن يحتفظ بذاكرة للفشل البشري ويسعى إلى استعادة توازنه.

هذا النوع من الكتابة ينتمي إلى الخيال الكارثي وما بعد الانهيار، وهو جنس ظل حضوره محدوداً نسبياً في الأدب العربي مقارنة بالأدب الغربي، لكنه أصبح أكثر ظهوراً في السنوات الأخيرة مع ازدياد القلق من الحروب والتغير المناخي والأوبئة والتكنولوجيا غير المنضبطة.

الكتب الطبية والعلمية تدخل السوق الرقمي

كما ظهر في 2 أكتوبر كتاب «الأسباب المجهولة في العقم والإسقاطات» لفواز حاج إبراهيم بصيغة EPUB، وهو مثال آخر على دخول الكتب المتخصصة إلى مسار النشر الرقمي. وتوضح بيانات المنصة أن النسخة الإلكترونية مؤرخة في 2 أكتوبر، بينما كانت النسخة الورقية مسجلة بتاريخ أسبق، وهو نموذج واضح على ضرورة الفصل بين تاريخ صدور الكتاب وتاريخ ظهوره إلكترونياً.

وهذه الحالة تحديداً تكشف إحدى أهم الظواهر في سوق الكتاب العربي الرقمي: الطبعة الإلكترونية اللاحقة. فالكتاب يبدأ حياته ورقياً، ثم ينتقل بعد فترة إلى الشاشة، فيكتسب دورة توزيع جديدة وجمهوراً جديداً.

منصات رقمية تتسع... لكن مشكلة الاكتشاف مستمرة

إلى جانب نيل وفرات، تظهر منصات متخصصة بالكامل في القراءة الإلكترونية العربية مثل eKtab، التي تعرض حالياً أكثر من ستين ألف عنوان عربي ومترجم، وتخصص قسماً لـ«الجديد والمميز» وآخر للأكثر مبيعاً أسبوعياً، مع إتاحة القراءة عبر أجهزة متعددة. وتظهر في واجهتها الحالية أعمال أدبية وفكرية وتنموية حديثة ومتنوعة، وهو مؤشر إضافي على توسع السوق الرقمية العربية.

لكن المشكلة الكبرى ما تزال قائمة: لا توجد حتى الآن واجهة عربية موحدة وشاملة تمكّن القارئ من معرفة كل ما صدر إلكترونياً خلال اليوم أو الأسبوع نفسه.

قد يظهر الكتاب على منصة ولا يظهر على أخرى، وقد تذكر دار النشر سنة الإصدار فقط ولا تسجل تاريخ طرح النسخة الرقمية، وقد تعرض منصة أخرى تاريخ الطبعة الورقية لا تاريخ إضافة الـEbook.

ولهذا يصبح رصد «الجديد الإلكتروني» أكثر تعقيداً من متابعة الكتب الورقية، رغم أن الوسيط الرقمي يفترض نظرياً أن يكون أكثر شفافية وقابلية للفهرسة.

ماذا تكشف حصيلة الأيام الماضية؟

إذا جمعنا هذه الإصدارات، أجد أننا أمام صورة مختلفة قليلاً عن الصورة التقليدية للـEbook العربي.

أولاً، الرواية والقصة ما تزالان حاضرتين بقوة، لكنهما لم تعودا وحدهما في المشهد.

ثانياً، دخلت الدراسات اللغوية والدينية والصحية والنفسية بقوة أكبر إلى فضاء النشر الرقمي.

ثالثاً، أصبح الذكاء الاصطناعي والعالم الرقمي والأخلاق التقنية موضوعاً قائماً بذاته في التأليف العربي.

رابعاً، بدأت الكتب الإلكترونية تستوعب تجارب هجينة يصعب تصنيفها، تجمع السيرة والعلم والطب والعمارة أو تجمع التحقيق الوثائقي بالكتابة الصحفية.

أما الملاحظة الأهم بالنسبة إلي فهي أن الكتاب الإلكتروني العربي أصبح يملك شيئاً فشيئاً شخصية مستقلة عن الكتاب الورقي. لم تعد الشاشة مجرد مكان نضع فيه نسخة PDF من كتاب مطبوع سابقاً، بل بدأت تؤثر في أنماط الكتابة، وطول النصوص، وسرعة الإصدار، وطريقة الوصول إلى الجمهور.

وقد لا يكون السؤال في السنوات المقبلة: هل سينتصر الكتاب الإلكتروني على الورقي؟ فهذا الصراع في رأيي مصطنع. السؤال الأكثر واقعية هو: كيف سيتعايش الشكلان، وكيف ستتغير عادات القراءة العربية بين الصفحة والشاشة؟

فالقارئ نفسه أصبح ينتقل بينهما. يقرأ الرواية الورقية في البيت، ويحتفظ بعشرات الكتب الإلكترونية في هاتفه، ويعود إلى كتاب متخصص على الجهاز اللوحي، ويبحث عن نص قصير خلال رحلة أو انتظار.

لهذا فإن ما يجري أمامنا ليس موت الكتاب الورقي ولا انتصار الـEbook، وإنما تشكّل مكتبة عربية هجينة، جزء منها على الرف وجزء آخر في الذاكرة الرقمية، وكلاهما يحاول الوصول إلى قارئ أصبح بدوره يعيش بين عالمين.

إعداد: الكاتب المغربي عبده حقي


0 التعليقات: