الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الاثنين، أكتوبر 19، 2026

عبد الكريم الطبال… شيخ القصيدة المغربية الذي لا تنتهي مواسم تكريمه: عبده حقي


في المشهد الشعري المغربي أسماء صنعت حضورها بكتاب واحد، وأخرى ارتبطت بمرحلة أدبية محددة، فيما بقيت أسماء قليلة قادرة على عبور العقود وهي محتفظة بقيمتها الرمزية والجمالية، ومن بين هذه الأسماء يبرز الشاعر المغربي عبد الكريم الطبال بوصفه واحداً من الوجوه المؤسسة للقصيدة المغربية الحديثة، شاعراً لم تصنع شهرته ضوضاء إعلامية عابرة ولا موسماً ثقافياً مؤقتاً، وإنما راكم حضوره عبر تجربة طويلة جعلته جزءاً من الذاكرة الشعرية للمغرب، وخصوصاً في شمال البلاد، حيث تشكلت علاقته باللغة والمدينة والتصوف والوجود، وحيث أصبح اسمه مرتبطاً بمدينة شفشاون كما ترتبط بعض المدن بأصوات أدبية تختزل جانباً من روحها.

وقد عاد اسم الطبال أخيراً إلى التداول الثقافي مقروناً بخبر يفيد بأن المهرجان المتوسطي للشعر يكرمه، غير أن التحقق من المعطيات المتاحة يقتضي بعض الحذر المهني؛ فالمهرجان المتوسطي للشعر بالمضيق تظاهرة ثقافية قائمة بالفعل، تنظمها جمعية العمل الثقافي بالمضيق، وراكمت عبر دوراتها المتعاقبة حضوراً لافتاً في المشهد الشعري المغربي والمتوسطي، إلا أن المعطيات المنشورة التي يمكن توثيقها لا تسمح، حتى الآن، بالجزم بأن دورة حديثة من المهرجان خصصت تكريماً لعبد الكريم الطبال. وتبرز هنا ضرورة التمييز بين أمرين: مكانة الشاعر التي تجعل تكريمه أمراً منطقياً ومتوقعاً، والخبر المحدد الذي يحتاج دائماً إلى إعلان رسمي أو برنامج موثق قبل اعتماده بصيغته النهائية.

لكن هذا الالتباس لا يقلل من قيمة المناسبة المحتملة، بل يعيد فتح ملف أكبر بكثير من مجرد خبر ثقافي يتعلق بمهرجان أو دورة أو منصة تكريم. فالحديث عن عبد الكريم الطبال هو حديث عن أحد الأصوات التي أسهمت في نقل القصيدة المغربية من مراحل التأسيس الأولى إلى فضاءات أكثر انفتاحاً على التجربة الذاتية والروحية والرمزية. وهو من الشعراء الذين لم يتعاملوا مع القصيدة باعتبارها خطاباً مباشراً أو منبراً للبلاغة، وإنما باعتبارها بحثاً داخلياً عن معنى العالم، ومحاولة دائمة للإنصات إلى الأشياء الصغيرة التي تختزن، في نظر الشاعر، أسراراً أكبر من ظاهرها.

ولد الطبال في شفشاون، المدينة التي ستصبح لاحقاً إحدى العلامات الخفية في تجربته، ليس فقط باعتبارها فضاءً جغرافياً، وإنما بوصفها ذاكرة لونية وروحية وجمالية. فمن يعرف شفشاون بأزقتها الزرقاء، بجبالها، بضوئها المتغير وهدوئها الصوفي، يستطيع أن يفهم جانباً من العالم الذي تشكل داخله خيال الشاعر. ولعل هذا ما يفسر تلك الحساسية العالية تجاه الطبيعة والروح والغياب والحضور، وهي عناصر تتكرر في تجربته الشعرية من دون أن تتحول إلى زخرف وصفي، بل تصبح مفاتيح لقراءة الوجود ذاته.

ينتمي عبد الكريم الطبال إلى جيل لعب دوراً حاسماً في بناء الشعر المغربي الحديث، ذلك الشعر الذي كان يبحث في النصف الثاني من القرن العشرين عن صوته الخاص بعيداً عن مجرد محاكاة النماذج المشرقية أو استنساخ التجارب القادمة من مراكز ثقافية عربية أخرى. وكان على الشعراء المغاربة آنذاك أن يواجهوا سؤالين في الوقت نفسه: كيف يكتبون قصيدة حديثة من داخل خصوصية مغربية، وكيف يجعلون هذه الخصوصية جزءاً من سؤال شعري عربي وإنساني أوسع. وقد أسهم الطبال، إلى جانب أسماء مغربية بارزة، في تحقيق هذا التحول بهدوء بعيد عن الادعاء النظري، عبر نصوص جعلت التجربة الشخصية والروحية مدخلاً إلى أسئلة كبرى تتصل بالإنسان والزمن والموت والجمال.

واللافت في تجربة الطبال أنها لم تبحث عن إثبات حضورها بالصخب. ظل الشاعر، على امتداد سنوات طويلة، وفياً لصورة المثقف الذي يكتب بعيداً عن استعراض الذات، ويمنح النص سلطة أكبر من سلطة صاحبه. وهذه سمة أصبحت أكثر ندرة في زمن تحولت فيه الحياة الثقافية أحياناً إلى سباق على الظهور وعلى عدد الصور والمنشورات والمنصات. وفي حالة الطبال يبدو الأمر معكوساً: كلما توارى الشاعر خلف قصيدته، اتسعت صورته الرمزية؛ وكلما ابتعد عن الضجيج، ازدادت الحاجة الثقافية إلى استعادته وتكريمه والاحتفاء بتجربته.

وهذا ما يفسر توالي التكريمات التي حظي بها خلال سنوات مختلفة. فقد احتفت به تظاهرات شعرية وثقافية داخل المغرب، ومنها تكريمه في مهرجان الشعراء المغاربة بتطوان سنة 2019، إلى جانب مناسبات أخرى استحضرت مساره باعتباره من رواد القصيدة المغربية الحديثة. كما جاءت محطة مهمة سنة 2024 حين توج بجائزة الأمير عبد الله الفيصل للشعر العربي في فئة التجربة الشعرية، وهو اعتراف عربي له دلالة خاصة، لأنه لا يتعلق بقصيدة منفردة أو ديوان بعينه، وإنما ينظر إلى تجربة متكاملة امتدت عبر عقود وأسهمت في تشكيل جزء أساسي من الذاكرة الشعرية المغربية.

كما ارتبط الطبال سابقاً بالمهرجان المتوسطي للشعر بالمضيق من خلال مشاركته في إحدى دوراته، وهو ما قد يفسر جانباً من الالتباس الذي رافق الخبر المتداول عن تكريمه. فالمهرجان ذاته جعل من تكريم الأسماء الشعرية المغربية تقليداً راسخاً في برامجه؛ احتفى في دورات مختلفة بشعراء وشاعرات يمثلون أجيالاً وتجارب متنوعة، من أمينة المريني إلى محمد بنطلحة وأحمد بنميمون وغيرهم، وبذلك تحول التكريم داخل المهرجان من لحظة بروتوكولية إلى محاولة لصناعة ذاكرة شعرية مغربية داخل فضاء متوسطي مفتوح على لغات وتجارب مختلفة.

وتكمن أهمية هذا النوع من التكريم في أنه يتجاوز الشخص المحتفى به ليطرح سؤال الذاكرة الثقافية برمتها. فالثقافة التي لا تكرم رموزها وهي على قيد الحياة تخسر جزءاً من قدرتها على الحوار بين الأجيال. والتكريم الحقيقي لا ينبغي أن يختزل في درع وشهادة وصورة جماعية، وإنما يجب أن يتحول إلى فرصة لإعادة قراءة الأعمال، ونشر الدراسات النقدية، وإتاحة الدواوين للأجيال الجديدة، وتنظيم لقاءات جامعية ومعارض وثائقية وندوات تضع التجربة في سياقها الأدبي والتاريخي.

وفي حالة عبد الكريم الطبال تزداد هذه الحاجة، لأن تجربته قادرة على مخاطبة أسئلة معاصرة رغم جذورها الممتدة في تاريخ الشعر المغربي الحديث. ففي زمن السرعة الرقمية واقتصاد الانتباه والكتابة التي تُستهلك بسرعة، تقدم قصيدته نموذجاً مضاداً يقوم على التأمل والبطء والإنصات. إنها كتابة تطلب من القارئ أن يدخل النص كما يدخل مكاناً هادئاً، وأن يتخلى قليلاً عن رغبته في الحصول على معنى فوري ومباشر. ولهذا فإن قراءة الطبال اليوم يمكن أن تكون أيضاً نوعاً من مقاومة الاستهلاك السريع للغة.

ويستمد شعره جانباً كبيراً من قوته من علاقته العميقة بالتجربة الصوفية، لا باعتبارها خطاباً وعظياً أو دينياً مباشراً، وإنما باعتبارها أفقاً للبحث عن جوهر الأشياء. ففي نصوصه تتحول الطبيعة إلى إشارات، والضوء إلى سؤال، والصمت إلى لغة، والغياب إلى حضور من نوع آخر. وهو بذلك يضع القارئ أمام شعر لا يستنفد معناه في القراءة الأولى، بل يترك وراءه أثراً يستمر بعد انتهاء الصفحة.

ومن هنا فإن وصف عبد الكريم الطبال بـ«شيخ القصيدة المغربية» لا ينبغي فهمه في معناه العمري وحده، وإنما بوصفه تعبيراً عن مكانة رمزية صنعتها الاستمرارية والتراكم والوفاء لفكرة الشعر. فالشيخوخة هنا ليست نهاية بل اكتمال خبرة، وليست انسحاباً بل تحولاً إلى مرجعية، حيث يصبح الشاعر جزءاً من تاريخ النوع الأدبي نفسه.

والأجمل في مواسم تكريم الطبال أنها تبدو كأنها لا تنتهي، لأن كل مناسبة للاحتفاء به تفتح الباب أمام جيل جديد لاكتشاف نصوصه. وقد يكون هذا هو التكريم الأهم: ألا يتحول الشاعر إلى اسم محفوظ في تاريخ الأدب، بل أن تظل قصائده قادرة على إنتاج قراء جدد وأسئلة جديدة.

وإذا ثبت لاحقاً رسمياً أن المهرجان المتوسطي للشعر اختار عبد الكريم الطبال للتكريم في دورة جديدة، فلن يبدو القرار مفاجئاً، بل سيأتي منسجماً مع تاريخ المهرجان نفسه ومع القيمة التي تمثلها تجربة الطبال داخل الشعر المغربي. أما إلى أن يصدر الإعلان الموثق، فإن الدقة الصحفية تفرض الفصل بين الخبر المؤكد والتوقع الثقافي. غير أن الحقيقة التي لا تحتاج إلى أي انتظار هي أن عبد الكريم الطبال تجاوز منذ زمن طويل الحاجة إلى مناسبة واحدة لكي تثبت مكانته؛ فكلما جرى الاحتفاء بالشعر المغربي الحديث، كان اسمه حاضراً بصورة أو بأخرى، وكلما بحثت الثقافة المغربية عن الجذور التي صنعت حساسيتها الشعرية المعاصرة، وجدته واقفاً في قلب المشهد، شاعراً اختار أن يكون قريباً من القصيدة وبعيداً عن الضجيج، فكانت النتيجة أن القصيدة نفسها تكفلت بحفظ اسمه.


0 التعليقات: