الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الاثنين، أكتوبر 19، 2026

هل تصنع القيود على الحجاب شروخًا جديدة داخل المجتمع الإذربيجاني ؟ عبده حقي


لكن القضية، في تقديري، لا تتوقف عند حدود المدرسة أو عند السؤال القانوني المتعلق بحرية المعتقد. هناك مستوى آخر ربما يكون أكثر عمقًا وأطول أثرًا، هو ما يمكن أن تتركه هذه القيود في العلاقات اليومية بين مكونات المجتمع الأذربيجاني نفسه. فالسياسات المرتبطة بالدين واللباس نادرًا ما تبقى محصورة داخل نص تنظيمي؛ إنها تنتقل بسرعة إلى البيوت والمدارس وأماكن العمل وشبكات التواصل، ثم تبدأ في إعادة تعريف نظرة الناس بعضهم إلى بعض: من هو المتدين؟ ومن هو العلماني؟ ومن يمثل «أذربيجان الحقيقية»؟ ومن يملك الحق في تحديد صورة المرأة المقبولة في الفضاء العام؟

والواقع أن المؤشرات الأولى تكشف أن المسألة تجاوزت بالفعل مجرد نقاش إداري حول الزي المدرسي. فقد خرج أولياء أمور وطلبة للاحتجاج بعد منع فتيات محجبات من دخول مؤسسات تعليمية، بينما تحدثت منظمة العفو الدولية عن اعتقالات طالت محتجين سلميين، وعن حرمان فتيات من دخول الفصول بسبب الحجاب. كما نقلت تقارير صحفية شهادات لمدرسات وجدن أنفسهن أمام احتمال الاختيار بين استمرارهن في العمل والالتزام بغطاء الرأس.

هذه الوقائع تجعلني أرى أن المسألة قد تتحول تدريجيًا إلى أزمة ثقة بين جزء من المجتمع والمؤسسات الرسمية. فالأسرة التي ترسل ابنتها كل صباح إلى المدرسة ثم تراها تعود إلى البيت لأن غطاء رأسها اعتُبر مخالفًا للنظام، لن تتعامل مع المدرسة بعد ذلك باعتبارها مؤسسة محايدة تماما. وقد يبدأ الطفل نفسه في النظر إلى المؤسسة التعليمية لا بوصفها فضاءً للمعرفة والاندماج، وإنما بوصفها المكان الذي يطلب منه التخلي عن جزء من هويته قبل السماح له بالدخول. وهذه النقلة النفسية والاجتماعية أخطر، في بعض الأحيان، من العقوبة الإدارية نفسها، لأنها تمس علاقة المواطن بالدولة منذ سن مبكرة.

والمدرسة، في أي مجتمع، ليست مجرد بناية لتلقي الدروس. إنها أول مختبر يتعلم فيه الطفل معنى المواطنة، والمساواة، والاختلاف، والاعتراف بالآخر. فإذا تحولت إلى مكان ينقسم فيه التلاميذ بصورة ضمنية إلى من يُسمح لهم بالدخول كما هم، ومن يشعرون بأن مظهرهم الديني يجعلهم موضع اشتباه، فقد ينشأ نوع من التصنيف الاجتماعي الصامت. لا يعني ذلك بالضرورة أن هذا الانقسام قد ترسخ بالفعل في المجتمع الأذربيجاني، لكن استمرار الأزمة يجعل هذا الاحتمال جديرًا بالانتباه.

وأخشى هنا من أن يؤدي الجدل إلى إنتاج ثنائية اجتماعية زائفة: «المتدينون» في مواجهة «العلمانيين». فأذربيجان أكثر تعقيدًا من هذا التصنيف. بعض المواطنين يؤيدون قواعد الزي المدرسي انطلاقًا من رغبتهم في الحفاظ على الطابع العلماني للتعليم، وهناك من يرى أن ارتداء القاصرات للحجاب قد يكون أحيانًا نتيجة تأثير الأسرة أكثر منه اختيارًا فرديًا. وفي المقابل، يرى آخرون أن حرمان فتاة من التعليم بسبب غطاء الرأس هو تجاوز لحرية الضمير والمعتقد. وقد وثقت تقارير حديثة وجود هذين الاتجاهين داخل النقاش العام نفسه.

وهنا تكمن حساسية المسألة الاجتماعية. عندما تدخل الدولة طرفًا مباشرًا في قضية شديدة الارتباط بالهوية، قد تدفع المواطنين إلى إعادة تعريف بعضهم البعض وفق موقفهم منها. الجارة التي كانت مجرد جارة قد تصبح في المخيال الاجتماعي «محجبة ومتشددة»، والأستاذة غير المحجبة قد تُصنف في الاتجاه المقابل باعتبارها «معادية للدين»، مع أن الواقع الإنساني أكثر تعددًا من هذه الأحكام. وتتحول قطعة القماش من اختيار شخصي إلى علامة سياسية واجتماعية، ويصبح الجسد النسائي ساحة تُخاض فوقها معارك الهوية التي يفترض أن تدور أصلاً بين المؤسسات والأفكار.

ويزداد هذا الخطر لدى الفتيات المراهقات. ففي هذه السن، تكون الحاجة إلى الانتماء والقبول الاجتماعي شديدة الحساسية. وإذا شعرت فتاة محجبة بأنها مختلفة عن زميلاتها ليس فقط بسبب لباسها وإنما لأن القانون أو الإدارة يضعانها في موقع استثنائي، فقد يتولد لديها شعور بالعزلة أو الوصم. وفي الاتجاه الآخر، قد تتعرض فتاة غير محجبة داخل وسط اجتماعي محافظ إلى ضغط معاكس يجعلها تشعر بأنها مطالبة بإثبات تدينها. وهكذا نجد أنفسنا أمام مفارقة مؤلمة: سياسة يفترض أنها تريد تحرير المدرسة من ضغط الدين يمكن، إذا أسيء تطبيقها، أن تجعل الدين أكثر حضورًا في العلاقات بين التلاميذ، لأن الجميع سيصبح مضطرًا إلى تحديد موقعه من قضية الحجاب.

هناك أيضا أثر محتمل داخل الأسرة نفسها. فالنقاش حول الحجاب لا يدور دائمًا بين الدولة والفرد فقط؛ قد ينتقل إلى البيت، حيث تختلف رؤية الأب عن الأم، أو الأجيال الأكبر سنًا عن الأبناء، أو الشقيقات فيما بينهن. عندما تصبح المسألة موضوعًا وطنيًا محتدمًا، فإن الخلافات العائلية الصغيرة تكتسب معنى سياسيًا أكبر. الأب الذي كان يناقش ابنته في اللباس داخل نطاق الأسرة قد يشعر فجأة أن المسألة أصبحت مواجهة مع الدولة، بينما قد تجد الفتاة نفسها بين سلطتين: سلطة الأسرة التي تريد منها الحجاب، وسلطة المؤسسة التي تريد منها نزعه. وفي الحالتين تضيع إرادة الفتاة نفسها.

وهذه، في اعتقادي، واحدة من أهم الزوايا التي ينبغي ألا تضيع في الجدل: إن الدفاع عن حرية المرأة لا يمكن أن ينجح إذا انتقلت سلطة القرار بشأن لباسها فقط من الأسرة إلى الدولة. فإذا كان فرض الحجاب على امرأة ضد إرادتها اعتداءً على حريتها، فإن إجبارها على نزعه ضد إرادتها يطرح المشكلة الأخلاقية نفسها من الاتجاه الآخر. الحرية ليست اختيار السلطة لشكل المرأة، بل قدرة المرأة نفسها على الاختيار.

كما أن استمرار التوتر قد يؤثر في العلاقة بين المتدينين وغير المتدينين داخل الأحياء وأماكن العمل. أذربيجان تحمل إرثًا سوفياتيًا طويلًا جعل التدين أقل ظهورًا في الحياة العامة مقارنة بعدد من المجتمعات المسلمة الأخرى، بينما عادت الممارسة الدينية بعد الاستقلال إلى فضاء أوسع. هذا التاريخ يجعل العلاقة بين الهوية الإسلامية والعلمانية الأذربيجانية علاقة دقيقة، وليست مواجهة بسيطة بين الإيمان واللادينية. وقد أشار النقاش الحالي نفسه إلى وجود مواطنين يعتبرون التدين جزءًا من هويتهم مع تمسكهم في الوقت ذاته بعلمانية الدولة.

لذلك فإن أكثر ما قد يهدد التوازن الاجتماعي ليس وجود الحجاب ولا غيابه، وإنما تحويله إلى معيار للولاء الوطني أو للتقدم الاجتماعي. فإذا بدأ المجتمع ينظر إلى المرأة المحجبة باعتبارها أقل حداثة، أو إلى المرأة غير المحجبة باعتبارها أقل تدينًا، فإن الجميع يكونون قد خسروا شيئًا من قدرتهم على التعايش.

ثم هناك مستوى آخر لا ينبغي تجاهله: العلاقة بين المركز والمناطق، وبين الشرائح الاجتماعية المختلفة. فالممارسات الدينية لا تتوزع بالدرجة نفسها داخل أي بلد، وقد تختلف أنماط التدين بين باكو ومدن ومناطق أخرى. وفي مثل هذه الحالات، يمكن لقاعدة موحدة صارمة أن تُستقبل بطرق شديدة الاختلاف حسب البيئة المحلية. وهذا قد يخلق شعورًا لدى بعض الجماعات بأن الثقافة الرسمية للعاصمة أو للنخب السياسية تُفرض عليها باعتبارها النموذج الوحيد المقبول للمواطنة.

وأرى أن المشكلة الكبرى تبدأ عندما ينتقل الخلاف من السؤال: «ما القاعدة المناسبة داخل المدرسة؟» إلى سؤال أكثر خطورة: «من منا يمثل أذربيجان؟». في هذه اللحظة يتحول النقاش من سياسة عامة قابلة للتعديل والتفاوض إلى صراع هويات. والمتدين قد يرى نفسه مستهدفًا في عقيدته، والعلماني قد يشعر بأن المكاسب التاريخية للدولة المدنية أصبحت مهددة، والدولة قد تفسر الاحتجاج باعتباره تحديًا سياسيًا، ثم تبدأ دائرة يصعب إيقافها.

بل إن القضية تجاوزت الحدود الداخلية، إذ أثارت ردود فعل في تركيا، وظهرت في النقاش أيضًا مسألة النفوذ الديني الإيراني. وقد تحدثت تقارير عن انتقادات تركية للإجراءات، بينما برر بعض المقربين من الخط الرسمي الأذربيجاني التشدد بالحاجة إلى التصدي لنفوذ أيديولوجي إيراني. وهذا يضيف طبقة أخرى من التعقيد، لأن فتاة تريد دخول مدرستها بالحجاب قد تجد نفسها فجأة محملة، من دون إرادتها، بصراعات جيوسياسية تتعلق بتركيا وإيران وهوية الدولة الأذربيجانية.

ومن هنا أرى أن أخطر ما يمكن أن يحدث هو اختزال المواطن في رمزه الديني، وربط اختياره الشخصي بمشروع سياسي خارجي أو داخلي من دون دليل فردي. مكافحة أي تدخل أجنبي هي مسؤولية الدولة وأجهزتها ومؤسساتها القانونية، لكن تحميل تلميذة أو مدرسة تبعات الصراعات الإقليمية لمجرد غطاء ترتديه قد يزرع شعورًا بالظلم لا يخدم الاستقرار الاجتماعي الذي تقول الدولة إنها تحميه.

إن المجتمعات لا تتماسك لأن جميع أفرادها يرتدون بالطريقة نفسها أو يفكرون بالطريقة نفسها، بل لأنها تمتلك قواعد تسمح للمختلفين بأن يعيشوا معًا من دون خوف. والسؤال الذي تطرحه الأزمة الأذربيجانية اليوم ليس فقط ما إذا كان الحجاب مسموحًا به في المدرسة، وإنما أي نوع من العلاقات تريد الدولة بناءه بين مواطنيها: علاقة تقوم على الثقة وقبول الاختلاف، أم علاقة يصبح فيها كل تعبير ديني موضع شك وكل اختلاف في المظهر اختبارًا للولاء للعلمانية؟

بالنسبة إلي، هنا تكمن المسألة الاجتماعية الحقيقية. إذا أدى منع الحجاب إلى خروج الفتاة من المدرسة، فإن المجتمع لا يخسر مجرد نقاش حول لباس، بل قد يخسر تلميذة من فضاء التعليم. وإذا خسرت مدرسة معلمة كفؤة بسبب غطاء الرأس، فإن الضرر لا يقع على المعلمة وحدها، بل على تلاميذها أيضًا. وإذا بدأ المتدين والعلماني ينظر أحدهما إلى الآخر باعتباره خطرًا على هوية البلاد، فإن ثمن القرار يصبح أكبر كثيرا من قطعة قماش.

العلمانية الناجحة، من وجهة نظري، ليست تلك التي تجعل المختلفين أقل ظهورًا، وإنما التي تجعل اختلافهم أقل خطورة على علاقاتهم بعضهم ببعض. والدولة المدنية القوية ليست التي تختبر ولاء مواطنيها من خلال ملابسهم، بل التي تستطيع أن تجعل التلميذة المحجبة وغير المحجبة تجلسان في المقعد نفسه، وتدرسان الكتاب نفسه، وتختلفان في اختياراتهما من دون أن يتحول اختلافهما إلى خصومة اجتماعية.


0 التعليقات: