أتابع منذ أيام هذا الضجيج المجاني المتصاعد حول الكويرة، وأجد نفسي أمام مفارقة سياسية وإعلامية تكاد تكون أكثر إثارة من الموضوع نفسه: من جهة، هناك موقف موريتاني رسمي يقول بوضوح إن نواكشوط لا تعلن مطالب ترابية في المنطقة، ومن جهة أخرى هناك أصوات تحاول أن تحول مسألة تقنية مرتبطة بترسيم الحدود والأمن والمصالح الاقتصادية إلى ما يشبه معركة جديدة على قطعة من التراب المغربي. وبين هذين المستويين، تنمو سردية خطرة تريد أن توحي بأن الكويرة أصبحت فجأة أرضًا بلا صاحب تنتظر من يعيد توزيعها على طاولة المفاوضات، وكأن نصف قرن من الصراع والتحولات السياسية والمواقف الدبلوماسية يمكن محوه بجملة عابرة أو بتأويل إعلامي مثير.
من موقع مغربي، أرى أن أول ما ينبغي قوله بلا مواربة هو أن الكويرة ليست جائزة ترضية لأحد، وليست ورقة يمكن إخراجها من درج اتفاقيات سبعينيات القرن الماضي كلما تحركت المفاوضات حول الصحراء. إنها بالنسبة للمغرب جزء من تصوره لوحدته الترابية، ورمز متجذر في الخطاب الوطني المغربي منذ عقود، ومن يعتقد أن النقاش حول الحدود يمكن أن يتحول بسهولة إلى نقاش حول السيادة فإنه إما يقرأ المنطقة بخرائط قديمة، أو يتجاهل أن التاريخ السياسي لا يتوقف عند وثيقة واحدة ولا عند اتفاقية واحدة ولا عند لحظة واحدة.
أكثر ما يستوقفني هو محاولة بعض الأصوات تقديم اتفاقيات 1975 و1976 باعتبارها كلمة الفصل التي لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها، مع تجاهل ما أعقبها من انسحاب موريتاني وتغيرات سياسية ودبلوماسية عميقة ومواقف رسمية لاحقة. التاريخ لا يُقرأ بهذه الانتقائية. لا يمكن العودة إلى فقرة من الماضي واستخدامها لإلغاء نصف قرن من التطورات، تمامًا كما لا يمكن لأي دولة في العالم أن تبني حدود القرن الحادي والعشرين حصريًا على خرائط مرحلية صيغت في لحظة نزاع عسكري وسياسي كانت شروطه مختلفة جذريًا عما هي عليه اليوم.
ثم إن هناك حقيقة لا يجوز القفز فوقها: الحكومة الموريتانية، بحسب المادة موضوع النقاش، لا تقول إنها تريد الكويرة. بل العكس هو الصحيح؛ التصريح الرسمي الوارد فيها يشدد على أن طلب توضيح الحدود يهدف إلى تجنب غموض ذي آثار أمنية أو قانونية أو اقتصادية، وأنه لا ينبغي تحميل هذا الطلب أي مطالب لم تعلنها موريتانيا. وهذا وحده يكشف حجم الهوة بين الموقف الرسمي وبعض التأويلات التي تريد تحويل نواكشوط إلى طرف يفتح جبهة ترابية جديدة مع المغرب.
وأنا هنا لا أدافع عن المغرب عبر إنكار مصالح موريتانيا. فهذه المصالح موجودة وواضحة. نواذيبو مدينة استراتيجية، وميناؤها رئة اقتصادية مهمة لموريتانيا، والكويرة شديدة القرب من مجالها الجغرافي والحيوي. ومن الطبيعي أن تشعر الدولة الموريتانية بحساسية تجاه أي تغير أمني أو عسكري أو اقتصادي قرب حدودها. لكن الاعتراف بهذه المصالح شيء، وتحويلها إلى حق في السيادة شيء آخر تمامًا. فلو كانت الجغرافيا وحدها تمنح الدول حقوقًا ترابية، لما بقيت خريطة واحدة مستقرة في العالم.
القرب الجغرافي لا يصنع السيادة، والحساسية الأمنية لا تنتج ملكية ترابية، والمصلحة الاقتصادية ليست صكًا عقاريًا. هذه بديهيات يجب التذكير بها كلما حاول البعض أن يجعل من قرب الكويرة من نواذيبو حجة سياسية تتجاوز معناها الحقيقي. موريتانيا تستطيع أن تطالب بضمانات أمنية، وأن تسعى إلى ترتيبات حدودية واضحة، وأن تدافع عن مينائها وتجارتها واقتصادها، وكل ذلك مشروع. لكنها لا تحتاج، لكي تحمي هذه المصالح، إلى تحويل الكويرة إلى موضوع سيادي جديد، خصوصًا إذا كانت الدولة الموريتانية نفسها لا تقول بذلك رسميًا.
ومن هنا أرى أن أخطر ما يجري ليس وجود مطالبة موريتانية رسمية، لأنها وفق المادة غير موجودة، بل صناعة مطالبة موريتانية افتراضية ثم بناء معركة سياسية كاملة حولها. نحن أمام تضخيم إعلامي محتمل يمكن أن يتحول بسهولة إلى سوء فهم بين شعبين ودولتين يحتاج كل منهما إلى الآخر في منطقة تختلط فيها ملفات الأمن والهجرة والإرهاب والطاقة والتجارة والمحيط الأطلسي ومستقبل الساحل الإفريقي.
المغرب ليس في حاجة إلى خصومة مع موريتانيا. لكنه في المقابل ليس في حاجة إلى الغموض. والرسالة التي ينبغي أن تكون واضحة هي أن التعاون مع نواكشوط لا يعني القبول بإعادة فتح ملفات السيادة كلما ظهرت قراءة جديدة لوثيقة قديمة. هناك فرق كبير بين التفاوض بشأن المصالح والتفاوض بشأن الأرض. المغرب يمكنه أن يتفاهم حول الأول إلى أبعد الحدود، لكنه سيظل يعتبر الثاني جزءًا من ثوابته الوطنية.
والكويرة تحديدًا تحمل في الذاكرة السياسية المغربية أكثر مما تحمله مساحتها الجغرافية. لقد ارتبط اسمها على مدى عقود بعبارة "من طنجة إلى الكويرة"، وهي عبارة ليست مجرد شعار بروتوكولي، بل جزء من سردية الدولة المغربية عن وحدة المجال الوطني. وقد يكون من السهل على مراقب خارجي أن ينظر إلى المنطقة باعتبارها قطعة صحراوية قليلة السكان، لكنه يصعب عليه أن يدرك الحمولة الرمزية التي اكتسبتها في المخيال السياسي المغربي.
وهنا أختلف بشدة مع أي خطاب يوحي بأن المغرب يجب أن يتعامل مع الكويرة بمنطق الأرض القابلة للمقايضة مقابل ضمانات سياسية أو اقتصادية. الدول التي تفعل ذلك بمناطقها الحدودية تدخل عادة في متاهة لا تنتهي. فاليوم الكويرة، وغدًا نقطة أخرى، وبعد غدٍ معبر أو شريط حدودي أو مرفأ. ولذلك فإن الحسم في المبادئ هو الذي يسمح بعد ذلك بالمرونة في المصالح.
المغرب يستطيع أن يقول لموريتانيا بكل وضوح: أمن نواذيبو من أمننا، واستقرار الحدود في مصلحتنا المشتركة، والتجارة بيننا ينبغي أن تتوسع، والتنسيق العسكري والأمني يجب أن يتعمق، لكن هذه المصالح المشتركة لا تقتضي إعادة تعريف هوية الأرض. هذه هي الصيغة الأكثر عقلانية بدل ترك الساحة لتأويلات تريد أن تزرع الشك بين البلدين.
كما أرى أن وصف الكويرة بأنها بالنسبة إلى موريتانيا "مسألة حياة أو موت" يحتاج إلى قدر كبير من التحفظ. الدول لا تبنى حياتها وموتها على نقطة جغرافية واحدة، خصوصًا عندما تكون هناك آليات للتعاون وضمانات قانونية وترتيبات أمنية يمكن التفاوض بشأنها. هذه العبارة قوية إعلاميًا، لكنها إذا تحولت إلى منطلق سياسي فإنها تصبح خطرة، لأنها توحي بأن الصدام محتوم، بينما الوقائع الرسمية لا تقول ذلك.
الأخطر من ذلك هو أن بعض الخطابات تستدعي القانون الدولي بطريقة انتقائية للغاية. فمرة يقدم القانون الدولي باعتباره مجموعة من اتفاقيات السبعينيات، ومرة يتم تجاهل التطورات السياسية اللاحقة، ومرة تُقرأ مواقف الأمم المتحدة وكأنها اعتراف نهائي بهذا الطرف أو ذاك. الحقيقة أكثر تعقيدًا بكثير. نزاع الصحراء ظل لعقود موضوعًا أمميًا، والمواقف الدولية بشأنه تطورت، ومجلس الأمن يناقش تسويته سياسيًا، ولذلك لا يجوز اختزال المشهد في وثيقة واحدة أو تصريح واحد.
ومن وجهة النظر المغربية، فإن مشروع الحكم الذاتي أصبح مركز الاستراتيجية الدبلوماسية للدولة، وتحول إلى الإطار الذي تسعى الرباط من خلاله إلى إنهاء النزاع. قد تختلف دول أو أطراف مع هذا التصور، وقد تسانده أخرى، لكن من الواضح أن المغرب لا يتصرف باعتباره دولة تنتظر إعادة توزيع أجزاء من أقاليمها الجنوبية، بل باعتباره دولة تتفاوض على صيغة سياسية لإدارة نزاع تعتبر أن السيادة فيه محسومة من جانبها.
ولهذا تبدو لي محاولة اقتطاع ملف الكويرة من القضية العامة وإعطائه حياة سياسية مستقلة محاولة تخلق مشكلة أكثر مما تحل مشكلة. فإذا كان الهدف هو حماية مصالح موريتانيا، فهناك عشرات الأدوات الممكنة لذلك: اتفاقيات ثنائية، لجان مشتركة، تفاهمات أمنية، خرائط ملاحية، مناطق عبور، بروتوكولات اقتصادية، ترتيبات للموانئ والصيد البحري، تنسيق عسكري وأمني. لماذا إذن القفز فورًا إلى لغة السيادة والضم والاقتطاع؟
هذا السؤال يصبح أكثر إلحاحًا عندما نلاحظ أن الحكومة الموريتانية نفسها تتجنب هذه اللغة.
ولذلك فإن على الصحافة المغربية، في رأيي، أن تكون يقظة ولكن لا أن تقع في الفخ. الدفاع عن المصالح الوطنية لا يعني تضخيم كل تصريح حتى يتحول إلى أزمة. القوة ليست في الصراخ الأعلى، بل في التمييز بين موقف دولة وموقف خبير، وبين وثيقة رسمية وتحليل صحفي، وبين طلب تقني ومحاولة سياسية. المغرب أقوى عندما يتعامل مع الوقائع كما هي، لا كما يريد خصومه أن يتخيلها.
وفي المقابل، على النخب الموريتانية أيضًا أن تدرك أن العبث بالرمزية الترابية للمغرب ليس لعبة بلا ثمن. يمكن النقاش في الاقتصاد والأمن والجغرافيا والتاريخ، لكن تقديم الكويرة وكأنها فراغ سيادي ينتظر صاحبه الجديد لن يُفهم في المغرب باعتباره تمرينًا أكاديميًا بريئًا. سيُقرأ فورًا باعتباره مساسًا بالوحدة الترابية، وعندها يصبح من الصعب فصل البحث العلمي عن التوتر السياسي.
المغرب اليوم يبني في جنوبه موانئ وطرقًا ومشاريع طاقة وبنيات لوجستية ويراهن على فتح واجهته الأطلسية نحو إفريقيا. وموريتانيا بدورها توجد في قلب هذا المشروع الجغرافي الجديد؛ فهي ليست دولة هامشية بالنسبة إلى الرباط، بل بوابة أساسية نحو الساحل وغرب إفريقيا. ولهذا فإن مستقبل العلاقات بين البلدين أكبر بكثير من معركة افتراضية حول الكويرة.
بل أذهب أبعد من ذلك: من مصلحة موريتانيا نفسها أن يكون إلى شمالها شريك مستقر وقوي تربطه بها علاقات اقتصادية وأمنية متينة، ومن مصلحة المغرب أن تكون موريتانيا مستقرة وقوية وقادرة على حماية حدودها وموانئها ومجالها الصحراوي. الجغرافيا التي يمكن أن يستخدمها البعض لإشعال الخلاف يمكن أن تصبح هي نفسها أساس شراكة استراتيجية.
لكن الشراكة لا تُبنى بالغموض.
ولهذا فإن أفضل خدمة يمكن أن تقدمها الرباط ونواكشوط لعلاقاتهما هي إنهاء المناطق الرمادية التي تسمح بتكاثر التأويلات. إذا كان هناك مطلب موريتاني تقني بشأن ترسيم الحدود، فليُناقش تقنيًا. وإذا كانت هناك هواجس أمنية، فلتوضع على الطاولة. وإذا كانت هناك مصالح اقتصادية، فلتتحول إلى اتفاقيات. أما ترك الملف نصف سياسي ونصف إعلامي ونصف تاريخي، فهو أفضل وصفة لإنتاج أزمة لم يكن أحد يريدها.
وفي قراءتي للمادة، أجد أن الموقف المغربي كان أكثر تماسًا مع هذه الحقيقة عندما استند إلى التصريح الرسمي الموريتاني القائل بعدم وجود مطالب ترابية معلنة. ذلك ليس تفصيلًا ثانويًا بل هو مفتاح الموضوع كله. الدول تُحاسب على ما تعلنه رسميًا، لا على ما يقوله كل خبير يظهر على شاشة تلفزيون.
وإذا تغير الموقف الرسمي يومًا، فلكل حادث حديث.
أما اليوم، فلا أرى مبررًا لتحويل الكويرة إلى عنوان لحرب باردة مغربية موريتانية مصغرة. لكنني في الوقت نفسه أرى ضرورة أن يكون الرد المغربي على أي محاولة فعلية للمساس بوحدته الترابية واضحًا وحازمًا. الانفتاح ليس ضعفًا، والتعاون ليس تنازلًا، وحسن الجوار لا يعني ترك الحدود الوطنية مادة مفتوحة للمساومات.
الرسالة التي أستخلصها من كل هذا بسيطة: موريتانيا لها مصالح يجب احترامها، لكن المغرب له وحدة ترابية لا يقبل وضعها في المزاد. بين الأمرين توجد مساحة واسعة للتفاهم إذا ابتعدنا عن التهويل وعن استدعاء أشباح الماضي.
الكويرة ليست غنيمة حرب قديمة، ولا تعويضًا جغرافيًا، ولا قطعة شطرنج يمكن نقلها على خريطة المنطقة بحسب موازين اللحظة. بالنسبة إلى المغرب هي جزء من سرديته الوطنية ومن تصوره لوحدة أقاليمه الجنوبية، وبالنسبة إلى موريتانيا هي منطقة شديدة الحساسية بسبب قربها من نواذيبو. ويمكن لهاتين الحقيقتين أن تتعايشا إذا حضرت السياسة الرشيدة وغابت شهية صناعة الأزمات.
وأنا كمغربي لا أرى أي تناقض بين الدفاع الصارم عن مغربية الكويرة وبين الدعوة إلى أعمق شراكة ممكنة مع موريتانيا. بل أرى أن الموقفين يكمل أحدهما الآخر. فالدول الواثقة من حدودها هي الأكثر قدرة على بناء علاقات حسن جوار مستقرة، والدول التي تحترم مصالح جيرانها لا تحتاج إلى التنازل عن أرضها لكي تثبت حسن نيتها.
ومن يراهن على أن ملف الصحراء يمكن تفكيكه إلى أجزاء صغيرة، ثم مساومة المغرب على كل جزء على حدة، يقرأ الرباط قراءة خاطئة. المغرب قد يناقش الصيغ والحلول والضمانات والمصالح، لكنه لن يعتبر وحدته الترابية مادة قابلة للتجزئة.
أما الكويرة، فالأجدى أن تكون جسرًا بين المغرب وموريتانيا لا حجرًا يُرمى بينهما. وكل محاولة لتحويلها إلى شيء آخر لن تخدم سوى أولئك الذين يسعدهم أن يروا المغرب وموريتانيا يتنازعان على الحدود بدل أن يبنيا معًا فضاء أطلسيًا إفريقيًا جديدًا.







0 التعليقات:
إرسال تعليق