الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الأحد، أكتوبر 25، 2026

رادار الثقافة الإفريقية من نواكشوط إلى جوهانسبورغ موريتانيا: عبده حقي


تشهد الساحة الثقافية في عدد من بلدان إفريقيا خلال الأسابيع الأخيرة حركية لافتة، تكشف عن تعدد المسارات التي تتحرك فيها الثقافة الإفريقية اليوم بين الأدب والسينما والمسرح والموسيقى والفنون البصرية والتراث والصناعات الإبداعية. ومن موريتانيا إلى السنغال وساحل العاج والغابون وغانا وصولًا إلى جوهانسبورغ، يبدو واضحًا أن الفعل الثقافي الإفريقي يتجاوز اليوم حدود المناسبات الاحتفالية العابرة، ويتجه أكثر فأكثر نحو بناء مبادرات مستدامة تعيد الاعتبار للكتاب واللغة المحلية والذاكرة والسينما والتكوين الفني وربط الثقافة بالاقتصاد الإبداعي.

في موريتانيا، تحافظ الثقافة على ارتباطها القوي بالشعر والتراث والهوية المحلية، مع بروز عدد من المبادرات التي تعكس استمرار المكانة الرمزية للأدب والفنون التقليدية في المجتمع. وقد شهدت الساحة الثقافية إعلان الفائزين بجائزة شنقيط لعام 2026، وهي من الجوائز التي تحتل مكانة معتبرة في المشهد العلمي والثقافي الموريتاني، لما تمثله من اعتراف بالإبداع والبحث والتأليف. كما برز حضور الشعر الموريتاني من خلال تتويج شاعر موريتاني ضمن مسابقة عربية، وهو ما يؤكد استمرار الشعر باعتباره واحدًا من أكثر الأجناس الأدبية ارتباطًا بالوجدان الثقافي الموريتاني.

وفي الوقت نفسه، تتوسع دائرة الفعل الثقافي إلى الصناعات التقليدية والاقتصاد الاجتماعي، حيث شهدت بعض المدن الموريتانية تنظيم مهرجانات ومعارض متنقلة للصناعة التقليدية، بمشاركة تعاونيات وفرق محلية من مناطق مختلفة. ويكتسب هذا النوع من الفعاليات أهمية خاصة لأنه ينقل الصناعات التقليدية من مجرد نشاط حرفي إلى فضاء ثقافي يحافظ على الذاكرة المادية للمجتمع، ويعيد تقديم الحرف والمعارف المتوارثة باعتبارها مكونًا من مكونات الهوية الوطنية.

أما السينما الموريتانية، فرغم محدودية بنيتها الإنتاجية مقارنة ببعض بلدان القارة، فإنها تواصل حضورها الدولي عبر أسماء استطاعت أن تضع موريتانيا على الخريطة السينمائية العالمية. ويظل المخرج عبد الرحمن سيساكو واحدًا من أبرز الوجوه التي أسهمت في منح السينما الموريتانية إشعاعًا دوليًا، سواء من خلال أفلامه أو من خلال التكريمات التي يحصل عليها في المهرجانات العربية والدولية.

في السنغال، تبدو الصورة أكثر حيوية واتساعًا، خصوصًا في داكار التي تواصل ترسيخ مكانتها باعتبارها إحدى العواصم الثقافية الكبرى في إفريقيا الغربية. وقد عاشت المدينة خلال أكتوبر موسمًا مكثفًا للكتاب والقراءة، مع تنظيم الدورة الثامنة عشرة من المعرض الدولي للكتاب والوسائل التعليمية، وهو حدث يجمع بين الناشرين والكتاب والقراء والباحثين، ويعيد طرح أسئلة المعرفة والتعليم والسيادة الثقافية في السياق الإفريقي.

هذا الزخم الأدبي تواصل مع تنظيم صالون الكتاب النسائي في داكار، وهو حدث يركز على حضور النساء في الكتابة والثقافة، ويطرح مفهوم التراث النسائي بوصفه جزءًا أساسيًا من الذاكرة الجماعية. ويكشف هذا التوجه عن اهتمام متزايد في السنغال بإعادة الاعتبار لأصوات النساء في الأدب والفكر والفنون، وإدماج هذه الأصوات في النقاش الثقافي العام بدل بقائها على هامش المشهد.

كما يشهد الوسط الجامعي والثقافي في السنغال نشاطًا لافتًا من خلال ندوات وملتقيات مخصصة لكتاب ومفكرين سنغاليين، وهو ما يعكس استمرار العلاقة بين الجامعة والثقافة العامة. وتتميز الحياة الثقافية في داكار أيضًا بتداخل الأدب بالموسيقى والفنون الحية، حيث تستمر أسماء موسيقية سنغالية بارزة في تقديم أعمال جديدة، بما يحافظ على موقع السنغال بوصفها واحدة من أهم الحواضن الموسيقية في القارة.

في ساحل العاج، تتخذ الثقافة مسارًا يجمع بين الحداثة والعودة إلى الجذور. فقد شهدت أبيدجان ومدن أخرى مبادرات فنية تضع التراث في قلب الإبداع المعاصر، من خلال ورش ومهرجانات تجمع فنانين ومبدعين من تخصصات متعددة. ويبرز في هذا السياق توجه واضح نحو إعادة قراءة التقاليد المحلية باعتبارها مادة فنية قابلة للتجديد، لا مجرد موروث ساكن.

كما برزت فعاليات ثقافية مرتبطة بالمطبخ والتراث الغذائي، بما يؤكد اتساع مفهوم الثقافة في ساحل العاج ليشمل العادات الغذائية والحرف والذاكرة الجماعية. ويكتسب هذا النوع من الفعاليات أهمية خاصة لأنه يربط الثقافة بالحياة اليومية، ويجعل من المطبخ والزي والحرفة أدوات للتعبير عن الهوية المحلية.

على مستوى السينما، تبدو ساحل العاج أمام مرحلة جديدة، خاصة مع الإعلان عن مشاريع تهدف إلى إنشاء فضاءات للتكوين السينمائي والمسرحي وتنظيم مهرجانات ذات بعد إفريقي ودولي. وإذا نجحت هذه المشاريع في الاستمرار، فقد تساهم في تحويل أبيدجان إلى مركز إقليمي مهم لصناعة السينما والفنون الأدائية في غرب إفريقيا.

وتشهد Grand-Bassam بدورها نشاطًا ثقافيًا متزايدًا من خلال معارض ومؤسسات فنية تشتغل على الذاكرة والإبداع، وتسعى إلى ربط تاريخ المدينة بواقعها الثقافي الراهن. ويمثل هذا التوجه مثالًا على كيفية استخدام الفنون في إعادة قراءة التاريخ وتحويل الذاكرة إلى مادة إبداعية معاصرة.

في الغابون، تبرز الموسيقى والقراءة والسينما ضمن أكثر المجالات نشاطًا. وتعرف ليبرفيل مبادرات فنية تجمع بين العروض والتكوين، من بينها ورش موجهة إلى المغنين الشباب لتطوير تقنيات الأداء والحضور فوق الخشبة. وتعكس هذه المبادرات توجهًا مهمًا نحو الاستثمار في التكوين الثقافي بدل الاكتفاء بتنظيم الحفلات أو المناسبات.

كما أطلقت برامج لاكتشاف المواهب الفنية في مختلف محافظات البلاد، بما يفتح المجال أمام فنانين شباب لم يكونوا قادرين في السابق على الوصول إلى المنصات الكبرى. وهذا النوع من المشاريع يمكن أن يشكل رافعة حقيقية للصناعات الإبداعية إذا نجح في الانتقال من منطق المسابقة إلى بناء مسارات مهنية مستدامة.

وتحتل القراءة بدورها موقعًا بارزًا في المشهد الغابوني من خلال قوافل أدبية وبرامج موجهة إلى المدارس والشباب، تهدف إلى إعادة الكتاب إلى قلب الحياة التعليمية والثقافية. ويعكس هذا التوجه إدراكًا متزايدًا بأن أزمة القراءة لا يمكن مواجهتها فقط عبر المعارض، بل تحتاج إلى حضور مباشر للكتاب والكاتب داخل المؤسسات التعليمية والمجتمع المحلي.

أما السينما الغابونية، فقد سجلت حضورًا دوليًا من خلال أفلام حصلت على جوائز أو شاركت في مهرجانات إفريقية ودولية، وهو ما يمنح السينما المحلية فرصة أكبر للوصول إلى جمهور أوسع. كما يلفت الانتباه ظهور مبادرات تربط اللغة المحلية بالذكاء الاصطناعي، في محاولة لحماية اللغات الإفريقية وإدخالها إلى البيئة الرقمية الجديدة.

في غانا، تواصل أكرا تعزيز مكانتها كواحدة من أبرز العواصم الأدبية والثقافية في غرب إفريقيا. وقد احتضنت المدينة دورة جديدة من مهرجان أدبي كبير جمع كتابًا وفنانين ومتحدثين من غانا ومن بلدان إفريقية وأجنبية متعددة، ضمن برنامج متنوع شمل القراءات والندوات والعروض المسرحية والفنون البصرية والسينما وورش التكوين.

ويتميز هذا النوع من المهرجانات بقدرته على تجاوز الحدود التقليدية بين الأجناس الفنية، إذ يتحول الكتاب إلى نقطة التقاء بين الأدب والمسرح والسينما والفنون التشكيلية والنشر والصناعات الإبداعية. كما يطرح المهرجان قضية أساسية تتعلق بوصول الكتاب الغاني إلى القراء خارج السوق المحلية، وهي إشكالية تواجه عددًا كبيرًا من الكتاب الأفارقة.

وتبرز في غانا أيضًا فعاليات مرتبطة بنسيج الكنتي، الذي يعد أحد أهم الرموز الثقافية للبلاد. ويعاد اليوم تقديم الكنتي ليس فقط باعتباره لباسًا تقليديًا، بل كعنصر من عناصر الموضة والاقتصاد الإبداعي والهوية الوطنية، بما يفتح أمامه آفاقًا جديدة في الأسواق المحلية والعالمية.

أما جوهانسبورغ، فتبدو مختلفة في طبيعة حركتها الثقافية، إذ تتجه أكثر نحو التجريب والفنون المعاصرة والسينما البديلة. فقد شهدت المدينة عروضًا سينمائية غير تقليدية تعتمد على أفلام تجريبية وتقنيات متنوعة في التصوير والتحريك، وهو ما يعكس وجود جمهور ومؤسسات مهتمة بتوسيع مفهوم السينما خارج القوالب التجارية المعتادة.

وتعرف المدينة أيضًا نشاطًا واضحًا في مجال الفنون الأدائية والتركيبات البصرية والعروض التجريبية التي تمزج بين المسرح والصورة والصوت والظل. ويشكل هذا النوع من الممارسات جزءًا من هوية جوهانسبورغ الثقافية، حيث تتحول المدينة نفسها، بتاريخها وتحولاتها الاجتماعية، إلى مادة للفن والنقد والتجريب.

وفي المسرح، تستمر العروض التي تتناول موضوعات مرتبطة بالمدينة والتحولات الطبقية والهوية والعلاقات الاجتماعية، ما يجعل الخشبة مساحة لطرح الأسئلة المرتبطة بالحياة اليومية في جنوب إفريقيا. كما تحافظ المتاحف وصالات العرض على حضور قوي، من خلال معارض تتناول الذاكرة والاستعمار والتحولات السياسية والتكنولوجية.

ما يلفت الانتباه في هذه الجولة الإفريقية هو أن الثقافة لم تعد محصورة في الكتاب أو المسرح أو الموسيقى وحدها، بل أصبحت شبكة واسعة تشمل التراث والصناعات التقليدية والمطبخ واللغات المحلية والذكاء الاصطناعي والموضة والتكوين الفني والاقتصاد الإبداعي. وفي كل بلد من هذه البلدان، تظهر محاولات واضحة لتحويل الثقافة من نشاط موسمي إلى مشروع مستدام.

في موريتانيا، يحافظ الشعر والتراث على مركزيتهما. وفي السنغال، يتحول الكتاب إلى أداة للسيادة الثقافية. وفي ساحل العاج، يتجدد التراث داخل فضاءات الإبداع المعاصر. وفي الغابون، تلتقي القراءة بالموسيقى والسينما واللغة الرقمية. وفي غانا، يرتبط الأدب بالصناعات الإبداعية. أما جوهانسبورغ، فتقدم صورة لإفريقيا شديدة التجريب والانفتاح على الأشكال الفنية الجديدة.

وهكذا تبدو الثقافة الإفريقية اليوم أكثر ثقة بنفسها، وأكثر قدرة على إعادة تعريف صورتها بعيدًا عن التصورات التقليدية التي تختزل القارة في الفولكلور أو الموروث. ما يتشكل أمامنا هو مشهد ثقافي جديد يسعى إلى امتلاك أدواته، وبناء مؤسساته، وتكوين جمهوره، وحماية ذاكرته، وفي الوقت نفسه الانخراط في التحولات الرقمية والفنية العالمية.


0 التعليقات: