يطرح حضور الأدب الرقمي في المشهد الثقافي العربي سؤالاً مشروعاً حول البدايات والريادة، وخصوصاً مع اتساع الاهتمام اليوم بالكتابة التفاعلية، والنص المترابط، والذكاء الاصطناعي، وتحولات القراءة والكتابة في البيئة الرقمية. وفي هذا السياق تبرز مدونة الكاتب المغربي عبده حقي بوصفها واحدة من التجارب العربية التي راكمت، على امتداد سنوات، مادة واسعة في هذا المجال، الأمر الذي يدفع إلى التساؤل: هل يمكن اعتبارها أول مدونة عربية تخصصت في الأدب الرقمي؟
الإجابة الدقيقة تقتضي قدراً من الحذر، لأن إعلان الأسبقية في تاريخ الإنترنت العربي ليس أمراً سهلاً، خصوصاً أن كثيراً من المدونات والمواقع والمنتديات القديمة اختفت أو تعطلت روابطها، فيما لم تحفظ محركات البحث وأرشيفات الشبكة كل الإنتاج العربي الذي ظهر خلال العقدين الماضيين. ومع ذلك، فإن البحث في المصادر الثقافية والأكاديمية المتاحة يسمح بتأكيد أن مدونة عبده حقي تنتمي إلى التجارب العربية المبكرة التي جعلت من الأدب الرقمي موضوعاً دائماً ومتراكماً في مشروعها الثقافي.
تشير المعطيات المنشورة إلى أن موقع الكاتب والإعلامي المغربي عبده حقي انطلق سنة 2011، وقد راكم منذ ذلك الوقت مقالات ودراسات وترجمات ومتابعات ترتبط بالأدب الرقمي والكتابة الإلكترونية وتحولات النص في البيئة الجديدة. غير أن المدونة، في الوقت نفسه، لا تقتصر حصراً على الأدب الرقمي، إذ تنشر أيضاً مواد في الثقافة والإعلام والتكنولوجيا والسياسة وقضايا المجتمع، ولذلك فإن وصفها بأنها «مدونة متخصصة حصرياً» يحتاج إلى بعض التدقيق.
لكن أهمية التجربة لا تُقاس فقط بنسبة المواد المنشورة في موضوع معين، وإنما أيضاً بمدى الاستمرارية والتراكم وتحويل الموضوع إلى مشروع فكري شخصي. وهنا تبدو تجربة عبده حقي لافتة، لأن الأدب الرقمي لم يظهر في مدونته باعتباره خبراً عابراً أو موضوعاً ظرفياً، بل أصبح أحد المحاور المتكررة في كتاباته وترجماته ومؤلفاته.
ومع ذلك، فإن القول بأنها «الأولى عربياً» يواجه إشكالاً تاريخياً واضحاً، لأن المشهد العربي عرف مبادرات رقمية قبل سنة 2011. فقد تأسس اتحاد كتاب الإنترنت العرب سنة 2005، وكان من أهدافه منذ البداية الاهتمام بالكتابة الإلكترونية والإبداع الرقمي والنشر عبر الشبكة، كما ظهرت في تلك الفترة مواقع ومنتديات ثقافية ناقشت مستقبل النص الأدبي في الفضاء الإلكتروني.
وسبق ذلك أو تزامن معه نشاط عدد من النقاد والكتاب العرب الذين أسهموا في تأسيس خطاب نظري حول النص الرقمي، وفي مقدمتهم الناقد المغربي سعيد يقطين، الذي أصدر كتاب «من النص إلى النص المترابط» سنة 2005، ثم «النص المترابط ومستقبل الثقافة العربية» سنة 2008، وهي أعمال شكلت مرجعاً مهماً في النقاش العربي حول الأدب الرقمي وتحولات الكتابة. كما ارتبط اسم محمد سناجلة منذ وقت مبكر بالرواية الرقمية وبمشروعات الكتابة على الإنترنت.
غير أن ما يمنح تجربة عبده حقي مكانة خاصة هو أن حضورها لا يقتصر على المدونة وحدها، بل يمتد إلى حقل الترجمة والتنظير. ففي دراسة أكاديمية حول الأدب الرقمي بالمغرب جرى إدراج اسمه ضمن الجيل الأول الذي ساهم في ترجمة نظريات الأدب الرقمي وتقديمها إلى القارئ العربي، إلى جانب أسماء مغربية أخرى أسهمت في نقل المفاهيم الجديدة المتعلقة بالنص الإلكتروني والكتابة الرقمية.
وتزداد أهمية هذه الإشارة حين نلاحظ أن بعض مقالات عبده حقي المبكرة حول مفهوم الكاتب الرقمي تحولت إلى مراجع تستشهد بها دراسات جامعية لاحقة. فمقاله «من هو الكاتب الرقمي»، المنشور سنة 2013، ورد ضمن مراجع أكاديمية تناولت طبيعة الكاتب في البيئة الشبكية، وهو ما يمنح تجربته بعداً يتجاوز الكتابة الصحفية أو التدوين الشخصي إلى المشاركة في تشكيل الجهاز المفاهيمي للأدب الرقمي عربياً.
كما تكشف قائمة إصداراته عن تراكم واضح في هذا المجال، من خلال مؤلفات ومشروعات تناولت مفهوم النص في الأدب الرقمي وماهية الأدب الرقمي وقضايا الكتابة الجديدة. وهذا التراكم يؤكد أننا لسنا أمام اهتمام عابر بالتكنولوجيا، بل أمام مسار فكري حاول متابعة التحولات التي أصابت علاقة الأدب بالحاسوب والإنترنت والمنصات الرقمية.
ومن هنا ربما يكون السؤال الأكثر فائدة ثقافياً ليس: «هل كانت مدونة عبده حقي الأولى عربياً؟»، بل: «ما موقعها داخل تاريخ التدوين العربي حول الأدب الرقمي؟». فالأسبقية الزمنية قد تكون صعبة الإثبات، لكن الريادة لا تقوم دائماً على التاريخ وحده، وإنما أيضاً على الاستمرارية وحجم الأرشيف وطبيعة المشروع وقدرته على ربط الترجمة بالنقد والتأليف والمتابعة اليومية للتحولات التكنولوجية.
لذلك يمكن القول إن مدونة عبده حقي تمثل إحدى التجارب المغربية والعربية المبكرة التي أسست أرشيفاً شخصياً متراكماً حول الأدب الرقمي، وواكبت انتقال النقاش من النص الإلكتروني البسيط إلى قضايا أكثر تعقيداً تتعلق بالخوارزميات والذكاء الاصطناعي والكاتب والقارئ والناقد الهجين.
أما إثبات أنها «أول مدونة عربية متخصصة في الأدب الرقمي» بصورة قاطعة، فيحتاج إلى بحث تاريخي أوسع في أرشيف الإنترنت العربي، خصوصاً خلال الفترة الممتدة من أواخر التسعينيات إلى سنة 2011، مع تتبع المدونات والمواقع التي ظهرت على منصات مثل Blogger وWordPress وMaktoob وJeeran وغيرها، والتمييز بين المدونة الشخصية والمجلة الإلكترونية والمنتدى والموقع الثقافي المتخصص.
وإلى أن يُنجز مثل هذا البحث الأركيولوجي، تبقى الصياغة الأكثر دقة وإنصافاً هي أن مدونة الكاتب المغربي عبده حقي تُعد واحدة من أقدم التجارب الشخصية العربية التي جعلت الأدب الرقمي محوراً نقدياً وثقافياً مستمراً، وأسهمت في بناء ذاكرة عربية لهذا الحقل عبر التدوين والترجمة والتأليف والمتابعة.
وهذه المكانة، في حد ذاتها، لا تقل قيمة عن لقب «الأول»، لأن تاريخ الثقافة لا يصنعه من يصل مبكراً فقط، بل يصنعه أيضاً من يواصل الحفر في الموضوع ويمنحه عمقاً واستمرارية وذاكرة.








0 التعليقات:
إرسال تعليق