بمناسبة اليوم الدولي لإحياء ذكرى ضحايا الإرهاب وتكريمهم – 21 غشت
في الحادي والعشرين من غشت، وأنا أستحضر مع العالم اليوم الدولي لإحياء ذكرى ضحايا الإرهاب وتكريمهم، لا أستطيع أن أنظر إلى هذه المناسبة من زاوية الحزن وحده، ولا أن أختزلها في دقيقة صمت أو خطاب تضامني عابر، لأنني، كمغربي، أقرأ فيها أيضًا مناسبة
للتأمل في تجربة بلدي الطويلة مع خطر الإرهاب، وفي المسافة الكبيرة التي قطعها المغرب من ألم الاعتداءات الإرهابية إلى بناء نموذج أمني واستباقي أصبح حاضرًا في النقاش الدولي حول مكافحة التطرف العنيف.وقد خصصت الأمم المتحدة يوم 21 غشت منذ قرار الجمعية العامة 72/165 لسنة 2017 لتكريم ضحايا الإرهاب والناجين منه والدفاع عن حقوقهم، واختارت لمناسبة سنة 2026 شعار «التعافي من خلال الذاكرة»، انطلاقًا من أن التذكر ليس مجرد عودة إلى الماضي، بل أداة لحفظ كرامة الضحايا ومساعدة الناجين على التعافي وتقوية مناعة المجتمعات ضد العنف.
وأنا أستحضر هذا اليوم، تعود بي الذاكرة المغربية إلى سنوات أدركنا فيها أن الإرهاب ليس خبرًا يصلنا من وراء الحدود. فقد عاش المغرب صدمة اعتداءات الدار البيضاء سنة 2003، ثم عرف بعد ذلك محاولات واعتداءات أخرى أكدت أن بلدنا لم يكن بمنأى عن موجة التطرف التي اجتاحت مناطق واسعة من العالم. لكن ما أراه اليوم يستحق التوقف عنده هو أن المغرب لم يسمح لتلك الصدمات بأن تتحول إلى خوف دائم، بل جعل منها نقطة انطلاق لإعادة بناء استراتيجيته الأمنية والفكرية والدينية والاجتماعية.
وأستخدم هنا عبارة «النجاح المغربي في القضاء على الإرهاب» بمعناها الواقعي، لا بمعنى الادعاء بأن الخطر اختفى نهائيًا. فالإرهاب المعاصر شبكة متحركة تتبدل أشكالها وخطاباتها ووسائل تجنيدها، ولذلك لا توجد دولة تستطيع أن تعلن أنها أغلقت ملفه إلى الأبد. النجاح الحقيقي بالنسبة إلي هو أن يصبح الإرهابي عاجزًا، في أغلب الحالات، عن الانتقال من الفكرة إلى التنفيذ، وأن يتم اكتشاف المشروع قبل أن يتحول إلى دماء في شارع أو مقهى أو محطة أو مؤسسة عامة.
وهنا تحديدًا تكمن خصوصية التجربة المغربية.
لقد انتقل المغرب تدريجيًا من منطق انتظار الجريمة ثم مطاردة مرتكبيها إلى العقيدة الأمنية الاستباقية؛ أي جمع المعلومة وتحليلها، وتتبع مؤشرات التطرف، واختراق دوائر التخطيط، والتنسيق بين الأجهزة، ثم التدخل في المرحلة التي يكون فيها المشروع الإرهابي لا يزال في طور الإعداد.
ولا أتحدث هنا عن تصور نظري. ففي 6 يوليوز 2026 أعلن المكتب المركزي للأبحاث القضائية، اعتمادًا على معلومات وفرتها المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني، إحباط مخططات إرهابية وُصفت بأنها بالغة الخطورة وبلغت مراحل متقدمة من الإعداد، ونُفذت عمليات متزامنة في عدد من المدن المغربية، في ملف أشارت المعطيات المعلنة بشأنه إلى صلات ودعم لوجستي من فرع تنظيم «داعش» في منطقة الساحل.
وقبل ذلك، في 25 مارس 2026، نفذ المغرب وإسبانيا عملية أمنية مشتركة ومتزامنة انتهت بتفكيك خلية مرتبطة بتنظيم «داعش» كان عناصرها ينشطون بين طنجة وإسبانيا. هذه العملية بالنسبة إلي ليست مجرد خبر عن اعتقالات، بل دليل على أن المعلومة الأمنية المغربية أصبحت تتحرك عابرًا للحدود، وأن الخطر الإرهابي لم يعد يُقرأ داخل الخريطة الوطنية الضيقة وإنما ضمن فضاء إقليمي ودولي مترابط.
وهذه الاستباقية تفسر إلى حد بعيد لماذا أصبحت أخبار المغرب، في السنوات الأخيرة، مرتبطة في كثير من الأحيان بعبارة «تفكيك خلية» أو «إحباط مخطط» بدل أن ترتبط، لا قدر الله، بعناوين المجازر وعدد القتلى. وهذه في نظري هي أهم نتيجة يمكن أن تحققها أي سياسة لمكافحة الإرهاب: أن تصل الدولة إلى الجريمة قبل أن تصل الجريمة إلى المواطن.
وتدعم المعطيات الدولية هذه القراءة. فقد وصفت وزارة الخارجية الأمريكية في تقريرها حول الإرهاب بالمغرب استراتيجية المملكة بأنها استراتيجية شاملة تجمع بين الإجراءات الأمنية اليقظة والتعاون الإقليمي والدولي وسياسات مواجهة التطرف. وسجل التقرير أنه لم تقع اعتداءات إرهابية مُبلّغ عنها في المغرب سنة 2022، بينما سجلت السلطات حادثًا إرهابيًا واحدًا سنة 2023، مع استمرار تفكيك خلايا وملاحقة أفراد مرتبطين أو متأثرين بتنظيم «داعش».
هذه الأرقام لا تدفعني إلى الاطمئنان المفرط، بل إلى طرح سؤال أهم: ما الذي جعل المغرب قادرًا على تقليص هامش الحركة أمام التنظيمات الإرهابية بهذا الشكل؟
الجواب، في تقديري، لا يوجد في جهاز واحد ولا في مؤسسة واحدة.
هناك أولًا العمل الاستخباراتي، وهو الحلقة التي لا يراها المواطن في حياته اليومية لكنها قد تكون أكثر الحلقات حساسية. فالتنظيم الإرهابي لا يبدأ بحزام ناسف، بل برسالة مشفرة، وعلاقة افتراضية، وتحويل مالي، ولقاء صغير، ومشاهدة محتوى متطرف، ومحاولة للحصول على مواد قابلة للاستعمال في تنفيذ اعتداء. عندما تستطيع أجهزة الاستخبارات جمع هذه القطع الصغيرة وتركيب الصورة قبل اكتمالها، تكون قد قطعت على الإرهاب نصف الطريق.
ثم هناك المكتب المركزي للأبحاث القضائية، الذي أصبح منذ تأسيسه أحد أبرز وجوه المقاربة المغربية في مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة، مستندًا إلى معلومات المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني وإلى آليات التحقيق تحت إشراف القضاء. وأرى أن القوة هنا ليست في التدخل وحده، وإنما في الجمع بين المعلومة الاستخباراتية والمسار القضائي، لأن محاربة الإرهاب في دولة المؤسسات لا ينبغي أن تتحول إلى حرب خارج القانون.
وهناك بعد ثالث لا يقل أهمية، وهو أن المغرب فهم مبكرًا أن الفكر لا يُهزم بالشرطة وحدها.
يمكن تفكيك خلية إرهابية في ساعات، لكن تفكيك الفكرة التي صنعتها قد يستغرق سنوات. لذلك اشتغلت الدولة على إعادة هيكلة الحقل الديني، وتكوين الأئمة والمرشدات، وتعزيز المرجعية الدينية المغربية القائمة على المذهب المالكي والعقيدة الأشعرية وإمارة المؤمنين، فضلًا عن أدوار الرابطة المحمدية للعلماء في إنتاج الخطاب المضاد للتطرف.
والتقارير الدولية نفسها تشير إلى هذا البعد، إذ تضع برامج التأطير الديني ومواجهة التطرف ضمن مكونات الاستراتيجية المغربية، إلى جانب الأمن والتعاون الدولي.
ثم جاءت تجربة «مصالحة» لتضيف بعدًا آخر أراه بالغ الذكاء: ماذا نفعل بالمتطرف بعد دخوله السجن؟ هل نتركه يقضي عقوبته ويخرج بالأفكار نفسها، وربما أكثر تصلبًا، أم نشتغل على مراجعاته الفكرية والنفسية وإعادة إدماجه؟
المغرب اختار الطريق الثاني. وفي يونيو 2025، مثلًا، أطلق مركز «مصالحة» برنامجًا تأهيليًا خاصًا بالسجناء اليافعين المدانين بموجب قانون مكافحة الإرهاب، يجمع بين التأهيل الديني والفكري والمواكبة النفسية وإشراك الأسر في مسار إعادة الإدماج.
بالنسبة إلي، هذا هو الفارق بين دولة تحارب الإرهابي ودولة تحارب إنتاج الإرهاب.
ولا يمكنني الحديث عن نجاح المغرب من دون وضعه داخل محيطه الإفريقي. فالساحل أصبح أحد أخطر بؤر النشاط الإرهابي عالميًا، والتنظيمات المسلحة استفادت من هشاشة الحدود وضعف المؤسسات والصراعات المحلية وشبكات التهريب. لذلك لا يستطيع المغرب أن يبني جزيرة أمنية مغلقة على نفسها، لأن الإرهاب لا يحتاج إلى تأشيرة دخول.
ومن هنا أفهم التحول الذي جعل الرباط منصة دولية لتبادل الخبرات والتكوين في مكافحة الإرهاب. ففي 2025 استضاف مكتب الأمم المتحدة لمكافحة الإرهاب في الرباط تدريبات لمسؤولين من عدد من الدول الإفريقية، كما احتضنت العاصمة مؤتمرات وخبرات موجهة لتعزيز قدرة الدول الإفريقية على مواجهة التهديدات الإرهابية وحماية المواقع والبنيات الحساسة.
والدلالة السياسية لهذه الثقة الدولية أصبحت أوضح في سنة 2026، عندما شارك المغرب إلى جانب فنلندا في تيسير الاستعدادات للمراجعة التاسعة للاستراتيجية العالمية للأمم المتحدة لمكافحة الإرهاب، في اجتماع أممي شاركت فيه أكثر من 95 دولة. بالنسبة إلي، هذا الانتقال من دولة تواجه الخطر داخل حدودها إلى دولة تشارك في صياغة النقاش الدولي حول سبل مواجهته يختصر كثيرًا من تطور التجربة المغربية.
لكن المناسبة التي نحييها اليوم تفرض علي ألا أجعل المقال كله عن الأجهزة والخلايا والمخططات، وأن أعود إلى الإنسان، إلى الضحية.
وهنا أيضًا أجد للمغرب حضورًا يستحق الإشارة. ففي دجنبر 2025 احتضنت الرباط، بشراكة مع مكتب الأمم المتحدة لمكافحة الإرهاب، مؤتمر ضحايا الإرهاب في إفريقيا، الذي جمع ممثلين عن أكثر من عشرين دولة إلى جانب ضحايا وناجين وجمعيات وخبراء، وانتهى إلى «إعلان الرباط» الذي أكد ضرورة وضع حقوق الضحايا وكرامتهم والعدالة والتعافي في صميم سياسات مكافحة الإرهاب.
هذه النقطة بالذات تعنيني كثيرًا.
فالدولة التي تنجح في مكافحة الإرهاب ليست فقط الدولة التي تمنع القنبلة من الانفجار، بل الدولة التي تعرف أيضًا ماذا تفعل إذا انفجرت، وكيف تحتضن المصاب، وكيف تنصف الأسرة، وكيف تحفظ ذاكرة القتيل، وكيف تمنع الإرهابي من اغتيال الضحية مرة ثانية بالنسيان.
وفي 21 غشت 2026، والأمم المتحدة ترفع شعار «التعافي من خلال الذاكرة»، أشعر أن التجربة المغربية تقدم درسًا بالغ الأهمية: الذاكرة والأمن ليسا نقيضين. نستحضر ضحايا الإرهاب لا لكي نبقى أسرى للخوف، وإنما لكي نعرف لماذا يجب أن نحمي ما تحقق، ولماذا ينبغي ألا تتحول النجاحات الأمنية نفسها إلى سبب للتراخي.
فالتهديد ما زال موجودًا، وتحركات الأجهزة المغربية خلال سنة 2026 نفسها تثبت ذلك. وما يحدث في منطقة الساحل يؤكد أن التنظيمات الإرهابية قادرة على إعادة تشكيل نفسها والتحرك عبر الإنترنت والحدود واستغلال الهشاشة الاقتصادية والاجتماعية والنفسية.
لهذا أرفض عبارة «لقد انتهى الإرهاب في المغرب» إذا كان المقصود منها الاطمئنان والنوم. لكنني أستطيع أن أقول، بثقة أكبر، إن المغرب نجح في منع الإرهاب من أن يصبح واقعًا يوميًا، ونجح في بناء قدرة استباقية جعلت أغلب المخططات تُقرأ في ملفات التحقيق بدل أن نقرأ نتائجها في لوائح الضحايا.
وهذا نجاح يجب الاعتزاز به، لكنه في الوقت نفسه مسؤولية.
مسؤولية أن تبقى المؤسسات يقظة، وأن تستمر مراقبة الحدود والفضاء الرقمي وشبكات التمويل، وأن يتواصل التعاون مع الدول الصديقة، وأن نحصن الشباب بالفكر والثقافة والتعليم وفرص العيش الكريم، وأن نحافظ في كل ذلك على التوازن الضروري بين مقتضيات الأمن واحترام القانون والحقوق والحريات.
وأنا أحيي اليوم الدولي لضحايا الإرهاب، أحيي قبل كل شيء أرواح الأبرياء الذين سقطوا في المغرب وفي كل مكان، وأحيي الناجين وأسر الضحايا، لكنني أحيي أيضًا بصمت كل عملية استباقية منعت أسرة مغربية من أن تصبح أسرة مفجوعة، وكل معلومة دقيقة أوقفت اعتداء قبل وقوعه، وكل رجل وامرأة يعملان بعيدًا عن الأضواء لكي يظل المغربي قادرًا على الجلوس في مقهى، أو ركوب القطار، أو حضور مهرجان، أو دخول ملعب، من دون أن يصبح الخوف جزءًا من تفاصيل يومه.
ربما يكون هذا هو أعظم انتصار يمكن أن تحققه دولة على الإرهاب: أن تفشل خطته قبل أن يسمع المواطن حتى بوجودها.
وفي يوم تكريم الضحايا، لا أجد تكريمًا أصدق لهم من أن نواصل العمل حتى لا نضيف أسماء جديدة إلى ذاكرتهم.
عبده حقي








0 التعليقات:
إرسال تعليق