الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الجمعة، أغسطس 21، 2026

في اليوم العالمي لضحايا الإرهاب… الذاكرة حقٌّ والإنصاف مسؤولية بقلم: عبده حقي


في الحادي والعشرين من غشت من كل عام، أجدني أمام مناسبة لا أستطيع التعامل معها باعتبارها مجرد تاريخ جديد في روزنامة الأمم المتحدة، لأن اليوم الدولي لإحياء ذكرى ضحايا الإرهاب وتكريمهم يعيد إلى الواجهة وجوهًا وأسماء وحيوات بشرية انطفأت فجأة، ويذكّرني بأن خلف كل خبر عاجل عن تفجير أو إطلاق نار أو اعتداء إرهابي إنسانًا كان يملك بيتًا وعائلة وأحلامًا ومشروع حياة قبل أن تحوله الجريمة في لحظات إلى رقم في نشرات الأخبار.

وقد أقرت الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم 21 غشت يومًا دوليًا لإحياء ذكرى ضحايا الإرهاب وتكريمهم بموجب القرار 72/165 لسنة 2017، بهدف دعم الضحايا والناجين، وصون حقوقهم وحرياتهم الأساسية، وعدم السماح بأن تطويهم الذاكرة الدولية بعد انتهاء الاهتمام الإعلامي المباشر بالاعتداءات. 

وأعتقد أن اختيار شعار سنة 2026: «التعافي من خلال الذاكرة – Healing through Memory» يحمل دلالة إنسانية عميقة؛ فالذاكرة هنا لا تعني استدعاء مشاهد الدم والخوف لمجرد البكاء على الماضي، وإنما تحويل التذكر إلى وسيلة للاعتراف بالضحايا ومساعدتهم ومساعدة أسرهم على التعافي، وإلى حصانة جماعية ضد تكرار العنف. وقد شددت الأمم المتحدة هذا العام على ضرورة أن يكون إحياء الذكرى متمحورًا حول الضحايا، يحترم كرامتهم ولا يعرضهم لإعادة الصدمة، بما في ذلك داخل الفضاءات الرقمية وشبكات التواصل الاجتماعي. 

ما يقلقني دائمًا في التعامل مع الإرهاب هو ذلك التفاوت الهائل بين ضجيج اللحظة وصمت ما بعدها. تقع الجريمة، فتستيقظ الشاشات، وتتحرك الكاميرات، وتتصدر صور الضحايا نشرات الأخبار، ويبدأ سيل البيانات السياسية والأمنية، لكن الأضواء سرعان ما تنطفئ، بينما يبقى المصاب يعيش مع إعاقته، وتبقى الأم أمام كرسي ابنها الفارغ، ويبقى الأطفال يحاولون فهم معنى غياب الأب أو الأم، وتظل عائلات كثيرة تخوض معارك طويلة مع العلاج النفسي والتعويض والعدالة والاعتراف.

ولهذا أرى أن تكريم ضحايا الإرهاب لا ينبغي أن يكون مجرد دقيقة صمت، على أهميتها الرمزية، وإنما سياسة عامة مستمرة. فالناجي يحتاج إلى العلاج والرعاية وإعادة الإدماج، وأسرة الضحية تحتاج إلى الدعم الاجتماعي والنفسي والقانوني، كما تحتاج إلى ضمان ألا يصبح اسم ابنها مجرد هامش في أرشيف قديم.

والأمم المتحدة نفسها تعترف بأن آثار الإرهاب لا تنتهي بانتهاء الاعتداء، وأن كثيرًا من الضحايا يحتاجون إلى دعم طويل الأمد يشمل الجوانب الجسدية والنفسية والاجتماعية والمالية، وأن المسؤولية الأساسية في ضمان هذه الحقوق تقع على الدول، بمساندة المجتمع الدولي ومنظمات المجتمع المدني وجمعيات الضحايا. 

وأنا أكتب عن الإرهاب اليوم، أرفض أيضًا ذلك المنطق الانتقائي الذي يجعل حياة إنسان أغلى من حياة إنسان آخر تبعًا لجواز سفره أو موقعه الجغرافي أو دينه أو هويته. الطفل الذي يسقط ضحية عبوة ناسفة لا يعرف النظريات السياسية، والمدني الذي يُقتل في محطة أو سوق أو فندق أو مكان عبادة لا ينبغي أن يصبح موته مادة لتبرير قتل آخرين. إن أول قاعدة أخلاقية ينبغي أن نتفق عليها هي أن دم المدنيين لا يملك جنسية، وأن الإرهاب يظل إرهابًا كلما استهدف الأبرياء ونشر الخوف وحاول فرض الأفكار بالعنف.

كما أرفض أن تتحول مكافحة الإرهاب نفسها إلى ذريعة لإهدار الحقوق والحريات. فمحاربة التطرف لا تنجح بصناعة مظالم جديدة، ولا تتحقق بإدانة جماعات بشرية كاملة بسبب جرائم أفراد أو تنظيمات، ولا بتغذية العنصرية والكراهية. المجتمع الذي يريد الانتصار على الإرهاب يحتاج إلى الأمن، نعم، لكنه يحتاج أيضًا إلى العدالة والتعليم والثقافة وحرية التفكير ومؤسسات قادرة على تجفيف البيئة التي يستثمر فيها المتطرفون.

لقد أثبتت التجارب أن الإرهاب يعيش على الانقسام؛ يبحث عن الإنسان المحبط والغاضب، ويقدم له تفسيرًا مبسطًا ومسمومًا للعالم، ثم يقنعه بأن قتل الآخر بطولة وأن الكراهية عقيدة. ومن هنا أرى أن محاربة الإرهاب تبدأ قبل ظهور الإرهابي نفسه، تبدأ في المدرسة وفي الأسرة وفي الإعلام وفي المسجد والجامعة والفضاء الرقمي، حيث ينبغي أن نعلّم الأجيال أن الاختلاف لا يعني العداء، وأن العقيدة لا تحتاج إلى الدم كي تثبت حقيقتها، وأن الوطن القوي هو الذي يستطيع مواطنوه أن يختلفوا داخله من دون أن يقتل بعضهم بعضًا.

وتكتسب الفضاءات الرقمية اليوم أهمية خاصة في هذه المعركة. فالمنصات التي تحفظ شهادات الضحايا وتمنحهم مجالًا للتعبير يمكن أن تتحول، في المقابل، إلى فضاءات لإعادة نشر صور الاعتداءات أو تمجيد الإرهابيين أو إعادة إيذاء الناجين نفسيًا. ولهذا يتضمن إحياء ذكرى سنة 2026 إطلاق مبادرة يقودها ضحايا وناجون ضمن شبكة جمعيات ضحايا الإرهاب (VoTAN) لدراسة الأضرار التي قد يتعرضون لها عبر الإنترنت، واقتراح فضاءات رقمية أكثر احترامًا للضحايا وأقل تسببًا في إعادة الصدمة. 

إنني أعتقد أن الإعلام يتحمل هنا مسؤولية مضاعفة. فمن غير المقبول أن نحول الإرهابي إلى «نجم» يحظى بساعات من البث والصور والتحليلات، بينما لا نمنح ضحاياه سوى أسماء عابرة في أسفل الشاشة. ينبغي أن نعكس المعادلة: أن نتذكر الإنسان الذي فقدناه أكثر مما نتذكر الشخص الذي قتله، وأن نحفظ سيرة الضحية وحلمه ومهنته وحياته بدل أن نبني دون قصد أسطورة إعلامية حول الجاني.

وهذا بالضبط ما أفهمه من شعار «التعافي من خلال الذاكرة»: أن نستعيد للضحايا أسماءهم بدل أرقامهم، ووجوههم بدل إحصائياتهم، وقصصهم بدل تفاصيل موتهم. وقد ذكّر الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش في رسالته بمناسبة هذا اليوم بأن طريقة التذكر نفسها مهمة، وأن قصص الضحايا ينبغي ألا تُستغل لإنتاج مزيد من الكراهية، بل أن تكون الذاكرة طريقًا نحو التعافي والوحدة ومقاومة السرديات التي يسعى الإرهاب إلى نشرها. 

وفي المغرب، الذي عرف بدوره في مراحل مختلفة مرارة الاعتداءات الإرهابية ونجح في تطوير تجربة أمنية ودينية وفكرية لمواجهتها، ينبغي أن تظل ذاكرة الضحايا جزءًا من وعينا الجماعي، ليس لتخويف الأجيال الجديدة، وإنما لكي تعرف أن الأمن الذي يبدو أحيانًا أمرًا عاديًا هو ثمرة يقظة مستمرة، وأن الوقاية من التطرف ليست مهمة رجال الأمن وحدهم، بل مسؤولية المجتمع بكامله.

وأجد في هذا اليوم أيضًا فرصة لكي أحيي كل أب أو أم أو زوجة أو زوج أو طفل واصل الحياة بعد أن سرق الإرهاب عزيزًا منه، وكل مصاب اضطر إلى إعادة بناء جسده وحياته من جديد، وكل طبيب ومسعف ورجل أمن وصحفي ومتطوع وقف في اللحظات الأولى إلى جانب الضحايا، وكل إنسان رفض أن يسمح للكراهية بأن تنتصر عليه.

فالانتصار الحقيقي على الإرهاب لا يتحقق فقط باعتقال الإرهابي أو تفكيك الخلية، وإنما يتحقق أيضًا عندما يفشل الإرهاب في تحويل مجتمع كامل إلى مجتمع خائف، وعندما يعجز عن دفع الناس إلى كراهية بعضهم بعضًا، وعندما يستطيع الناجي أن يعود إلى الحياة من دون أن يشعر بأن العالم قد نسيه.

في 21 غشت 2026، وأنا أستحضر اليوم الدولي لإحياء ذكرى ضحايا الإرهاب وتكريمهم، لا أريد أن أعدّ عدد الموتى بقدر ما أريد أن أتذكر عدد الحيوات التي كانت وراءهم؛ أريد أن أتذكر الضحكة التي انقطعت، والموعد الذي لم يكتمل، والرسالة التي لم تصل، والباب الذي ظل ينتظر عودة صاحبه.

ذلك هو معنى الذاكرة بالنسبة إليّ: ألا نسمح للإرهاب بأن ينتصر مرتين، مرة عندما يقتل الإنسان، ومرة أخرى عندما يجعلنا ننساه.

عبده حقي


0 التعليقات: