تكشف متابعة الأخبار والتقارير الحقوقية المنشورة خلال الأيام الأخيرة من غشت 2026، مع العودة عند الضرورة إلى أحدث التقارير المرجعية الصادرة عن الأمم المتحدة ومنظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش، أن المشهد الحقوقي في الجزائر وتونس وليبيا ومصر والشرق الأوسط العربي وأوروبا لا يسير في اتجاه واحد؛ فإلى جانب خطوات إيجابية محدودة، مثل إلغاء عقوبة الإعدام في لبنان، تستمر ملفات ثقيلة تتعلق بحرية التعبير والاعتقال والمحاكمة العادلة والهجرة واللجوء وحماية المدنيين أثناء النزاعات. والأكثر دلالة أن البحر الأبيض المتوسط بات يربط عدداً من هذه الأزمات ببعضها، بحيث لا يمكن فصل ما يجري في تونس وليبيا ومصر عن السياسات الأوروبية المتعلقة بالهجرة والحدود واللجوء.
الجزائر: مساحة عامة ضيقة وملفات الحريات لم تُغلق
لا تشير المصادر الإخبارية والحقوقية الموثوقة التي أمكن مراجعتها خلال الفترة الممتدة أساساً بين 20 و25 غشت إلى تطور حقوقي جزائري منفرد بحجم التطورات التي عرفتها تونس أو ليبيا، غير أن هذا الغياب لا يعني أن الملفات الحقوقية المزمنة قد انتهت؛ فأحدث تقييمات منظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش ترسم صورة تستمر فيها القيود على حرية التعبير والتجمع وتكوين الجمعيات، إلى جانب استخدام المتابعات القضائية وحظر السفر ضد منتقدين ونشطاء وصحفيين.
وتقول منظمة العفو الدولية في أحدث عرض لها عن الجزائر إن السلطات واصلت التضييق على ممارسة حرية التعبير والتجمع السلمي وتكوين الجمعيات، واستخدمت الاعتقال التعسفي والمحاكمات التي تعتبرها المنظمة غير عادلة، بما في ذلك توظيف اتهامات مرتبطة بالإرهاب ضد معارضين سلميين، كما تشير إلى عراقيل تواجه النقابات والأحزاب السياسية والتجمعات العامة.
وتبرز قضية الصحفي والمدافع عن حقوق الإنسان حسن بوراس باعتبارها من الملفات التي بقيت حاضرة في الاتصالات الأممية خلال الأشهر الأخيرة؛ فقد أشار نظام الاتصالات الخاص بخبراء الأمم المتحدة إلى مزاعم تتعلق باعتقاله تعسفياً، وإلى مخاوف بشأن وضعه الصحي بعد دخوله في إضراب مفتوح عن الطعام أثناء وجوده بسجن الحوض في البيض.
كما تظل قضية الهجرة جنوب الجزائر من أكثر الملفات حساسية، إذ توثق هيومن رايتس ووتش عمليات طرد جماعية لمهاجرين من دول إفريقية باتجاه الحدود مع النيجر، بمن فيهم أطفال، مع الحديث عن ظروف شديدة الخطورة وغياب الفحص الفردي والإجراءات القانونية في عدد من الحالات. وتشير المنظمة إلى أن السلطات النيجرية كانت قد تحدثت عن طرد ما لا يقل عن 16 ألف شخص من الجزائر خلال شهري أبريل وماي، وهو رقم يمنح القضية بعداً يتجاوز إدارة الهجرة إلى سؤال أساسي حول الحق في الحماية من الإعادة أو الطرد الذي قد يعرّض الإنسان للخطر.
المشهد الجزائري، بهذا المعنى، لا يتميز خلال الأيام الأخيرة بانفجار قضية واحدة جديدة بقدر ما يعكس استمرار بنية حقوقية تتقاطع فيها حرية الرأي والنشاط السياسي والمجتمع المدني وحقوق المهاجرين، وهي ملفات تحتاج إلى قراءة ممتدة لا إلى الاكتفاء بقياس الوضع بعدد الاعتقالات التي تقع في يوم بعينه.
تونس: الاحتجاج السياسي يعود إلى الشارع ومأساة الهجرة تفجر الغضب
كانت تونس من أكثر بلدان المنطقة حضوراً في الأخبار الحقوقية خلال الأيام الماضية. ففي 20 غشت خرج مئات المحتجين في العاصمة مطالبين برحيل الرئيس قيس سعيد وعودة المسار الديمقراطي، كما طالبوا بالإفراج عن معارضين ونشطاء وصحفيين معتقلين. ونقلت رويترز عن متظاهرين رفضهم لما وصفوه بالحكم الفردي، بينما تؤكد السلطات أن الإجراءات المتخذة تدخل في نطاق تطبيق القانون ومكافحة الفساد والتآمر على الدولة.
تكمن أهمية هذه الاحتجاجات في أنها لم تعد محصورة في السجال الدستوري والسياسي الذي بدأ منذ الإجراءات الاستثنائية لسنة 2021، بل أصبحت تتداخل أكثر مع أوضاع اجتماعية صعبة، من غلاء المعيشة إلى نقص بعض الأدوية وتراجع بعض الخدمات ومشكلات الماء والكهرباء. وبذلك يتشكل في تونس خطاب احتجاجي يجمع بين الحق في المشاركة السياسية والحقوق الاقتصادية والاجتماعية.
لكن المشهد ازداد مأساوية بعد غرق قارب مهاجرين انطلق من منطقة بن قردان باتجاه إيطاليا. ففي 23 غشت أعلنت السلطات انتشال 11 جثة، ثم أفادت تقارير في اليوم التالي بوصول ما لا يقل عن 19 جثة إلى مستشفى بن قردان، فيما استمرت عمليات البحث والتعرف إلى الضحايا. وكان من بين ركاب القارب سبعة أفراد من أسرة واحدة، بحسب التقارير.
أشعلت المأساة احتجاجات في بن قردان، حيث أُحرقت الإطارات وأُغلقت طرق، واستخدمت الشرطة الغاز المسيل للدموع لتفريق المحتجين. ولم تكن المطالب مرتبطة فقط بتسريع البحث عن المفقودين، بل امتدت إلى تحسين ظروف العيش ومواجهة البطالة والتهميش اللذين يرى المحتجون أنهما يدفعان الشباب إلى المخاطرة بحياتهم في المتوسط.
ويزداد الملف حساسية بسبب علاقته بالاتحاد الأوروبي. فقد أشارت رويترز إلى أن هيومن رايتس ووتش ومنظمة العفو الدولية وعشرات المنظمات الحقوقية والإنسانية انتقدت التعاون الأوروبي التونسي في مجال مراقبة الهجرة، معتبرة أنه أسهم في ترسيخ انتهاكات خطيرة ضد مهاجرين وطالبي لجوء، ودعت إلى تعليق التمويل الأوروبي للعمليات المرتبطة بالهجرة والحدود التي تشارك فيها أجهزة أمنية تونسية.
هكذا تكثفت في تونس خلال أيام قليلة ثلاثة مستويات من الأزمة: تقلص المجال السياسي وفق معارضي السلطة والمنظمات الحقوقية، تراجع الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، ثم المأساة الإنسانية للهجرة.
ليبيا: عودة الإعدامات تفتح سؤال المحاكم العسكرية والحق في المحاكمة العادلة
جاء التطور الأكثر إثارة للقلق في ليبيا يوم 24 غشت، عندما أعلنت سلطات شرق البلاد إعدام عشرة أشخاص رمياً بالرصاص بعد إدانتهم أمام محاكم عسكرية في قضايا مرتبطة بالإرهاب، وهي خطوة أثارت احتجاج منظمات حقوقية ليبية وتساؤلات بشأن قانونية محاكمة المدنيين أمام القضاء العسكري. وقال مكتب المدعي العسكري في شرق ليبيا إن جميع الإجراءات القانونية قد استُكملت، وإن المحكوم عليهم أدينوا في قضايا تضمنت الانضمام إلى جماعات إرهابية واغتيال عسكريين ومدنيين، إلا أن المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان في ليبيا أثارت مسألة الاختصاص القضائي واستقلال القضاء وضمانات المحاكمة العادلة، وطالبت بالتحقيق في الإجراءات التي سبقت تنفيذ الأحكام.
وتكتسب هذه الإعدامات أهمية خاصة لأن هيومن رايتس ووتش كانت قد ذكرت في تقريرها العالمي لعام 2026 أن المحاكم العسكرية الليبية واصلت محاكمة المدنيين، وأن النظام القضائي يعاني مشكلات خطيرة في ضمان الإجراءات القانونية، وأن المحامين يواجهون عراقيل في الوصول إلى موكليهم وملفات القضايا. كما أشارت إلى أن عشرات المواد في قانون العقوبات الليبي تسمح بعقوبة الإعدام.
ويضاف ذلك إلى ملف أوسع يتعلق بالمعتقلين والمهاجرين واللاجئين. فقد وثقت تقارير أممية سابقة خلال العام مخاطر القتل والتعذيب والاغتصاب والاستغلال التي يواجهها بعض المهاجرين في ليبيا، وهو ما يجعل الوضع الحقوقي الليبي نتاجاً مباشراً أيضاً لتعدد مراكز القوة المسلحة وغياب سلطة قضائية وأمنية وطنية موحدة.
الرسالة الأساسية من تطورات الأيام الأخيرة أن ليبيا لم تتجاوز بعد مرحلة يكون فيها القضاء قادراً بصورة كاملة ومستقلة على حماية الأفراد من نفوذ المؤسسات العسكرية والجماعات المسلحة؛ وإعادة تنفيذ الإعدام بعد سنوات طويلة من توقفه العملي تفتح باباً جديداً للقلق الحقوقي.
مصر: الاعتقال وحقوق اللاجئين ما زالا في قلب الملف الحقوقي
في مصر لم تبرز خلال الأيام القليلة الأخيرة واقعة منفردة كبرى تضاهي تطورات تونس أو ليبيا، ولذلك يصبح من الضروري عدم اختلاق حدث آني لمجرد ملء المشهد، بل قراءة الوضع من خلال أحدث التقارير والملفات التي ما زالت مفتوحة.
يشير تقرير منظمة العفو الدولية لعام 2025/2026 إلى استمرار استخدام قوانين مكافحة الإرهاب والجرائم الإلكترونية في قضايا مرتبطة بحرية التعبير، وإلى إحالة آلاف الأشخاص، من بينهم صحفيون ومحامون ومدافعون عن حقوق الإنسان، إلى دوائر قضائية مختصة بقضايا الإرهاب خلال الفترة التي يغطيها التقرير، مع انتقادات لضمانات المحاكمة العادلة.
لكن أحد أخطر الملفات المصرية خلال العام الحالي يتعلق باللاجئين السودانيين الفارين من الحرب. فقد كشفت رويترز في تحقيق نشر في يونيو عن ارتفاع الاعتقالات وعمليات الترحيل، وتحدثت عن أوضاع احتجاز شديدة الصعوبة ووفاة ما لا يقل عن تسعة سودانيين أثناء الاحتجاز بحسب ما جمعه التحقيق من شهادات ومصادر، بينما تؤكد الحكومة المصرية أن عمليات الترحيل تتم وفق الإجراءات القانونية، في وقت تحذر فيه مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين من مخاطر إعادة الأشخاص إلى مناطق الحرب في السودان.
وهنا يظهر جانب بالغ الأهمية في تقييم التجربة المصرية: حقوق الإنسان لا تختزل في ملف السجناء السياسيين، بل تشمل كذلك حماية اللاجئ من الإعادة القسرية، والحق في إجراءات قانونية واضحة، والحصول على الغذاء والرعاية الطبية والاتصال بالعالم الخارجي أثناء الاحتجاز.
الشرق الأوسط العربي: غزة واليمن تحت النار ولبنان يقدم إشارة إيجابية
يبقى قطاع غزة أكثر نقاط المنطقة حساسية من زاوية القانون الدولي الإنساني وحماية المدنيين. ففي 23 غشت قتلت غارات إسرائيلية شخصين على الأقل، بينهما طفل في الرابعة من العمر، وأصابت سبعة آخرين وفق مسؤولين صحيين فلسطينيين، بينما قالت إسرائيل إن الغارات جاءت رداً على إطلاق بالونات وطائرات مسيرة وطائرات ورقية من القطاع. كما سجلت الضفة الغربية في الفترة نفسها أعمال عنف، من بينها مقتل فتى فلسطيني في الرابعة عشرة خلال مداهمة قرب نابلس.
وفي 25 غشت تصاعد التوتر مجدداً بسبب إطلاق طائرات ورقية من غزة نحو إسرائيل، وهددت السلطات الإسرائيلية بتوسيع عملياتها، في وقت حذرت فيه لجان شعبية في غزة الأهالي من السماح للأطفال بإطلاقها خشية التعرض للاستهداف. وتشير رويترز إلى أن وقف إطلاق النار القائم منذ أكتوبر 2025 خفّض مستوى القتال لكنه لم ينه الضربات والخسائر البشرية.
ولا يمكن عزل ذلك عن وضع العاملين في المجال الإنساني؛ إذ أعلنت الأمم المتحدة في 19 غشت أن الاعتداءات على موظفي الإغاثة سجلت مستوى قياسياً عالمياً خلال 2025، وكانت غزة المنطقة الأكثر دموية بالنسبة إليهم، وهو مؤشر على أن حماية المدنيين وفرق الإغاثة نفسها أصبحت إحدى أخطر أزمات القانون الدولي الإنساني المعاصر.
وفي سوريا جاءت الأيام الأخيرة بتحولات سياسية وأمنية كبيرة؛ فقد أُعلن في 25 غشت حل قوات سوريا الديمقراطية في إطار اتفاق دمجها في مؤسسات الدولة السورية، بعد أشهر من المفاوضات والصدامات. وينبغي النظر إلى هذا التحول حقوقياً من زاوية ضمان حقوق الأكراد والمكونات المحلية، ومنع الانتقام، وإرساء عدالة انتقالية تستطيع التعامل مع إرث سنوات الحرب والانتهاكات. وكانت آليات الأمم المتحدة قد قدمت في يوليو ملاحظات على مشروع قانون العدالة الانتقالية السوري، ما يؤكد أن نجاح المرحلة الجديدة سيقاس ليس فقط بإعادة توحيد مؤسسات الدولة بل بقدرتها على تحقيق الحقيقة والمساءلة وجبر الضرر.
أما في اليمن فقد حذر مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك في 17 غشت من ارتفاع أعداد الضحايا المدنيين مع تصاعد الأعمال القتالية، وقال إن 17 إصابة أو وفاة مدنية على الأقل سُجلت نتيجة هجمات لأنصار الله في مناطق تسيطر عليها الحكومة منذ 6 غشت، داعياً جميع الأطراف إلى منع عودة البلاد إلى حرب شاملة.
وسط هذه الصورة القاتمة برز لبنان بخطوة إيجابية نادرة، بعدما أقر البرلمان في 11 غشت قانوناً لإلغاء عقوبة الإعدام، وهو القرار الذي رحبت به منظمة العفو الدولية ومفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، باعتباره تكريساً قانونياً لوقف تنفيذ الإعدامات المستمر فعلياً منذ أكثر من عقدين.
ويمنح القرار اللبناني المنطقة مثالاً على أن الإصلاح الحقوقي ممكن حتى في الدول التي تعيش أزمات سياسية واقتصادية وأمنية عميقة.
أوروبا: حقوق المهاجرين بين حماية الحدود و«مراكز الإعادة»
لا تعيش أوروبا أزمة حقوقية موحدة، لكن ملف الهجرة واللجوء أصبح واحداً من أهم ساحات الاختبار للمبادئ التي تؤكدها الدول الأوروبية في خطابها الخارجي. فمع انتقال الاتحاد الأوروبي بصورة متزايدة إلى سياسات تقوم على التعاون مع دول العبور وتمويل مراقبة الحدود خارج الأراضي الأوروبية، تظهر أسئلة حول مسؤولية الدول الأوروبية عن الانتهاكات التي قد يتعرض لها المهاجرون قبل وصولهم إلى حدود الاتحاد.
وقد حذر مفوض مجلس أوروبا لحقوق الإنسان من مخاطر ما يعرف بـ**«مراكز الإعادة»** خارج الحدود، معتبراً أن إنشاء مراكز خارجية لترحيل المهاجرين من دون ضمانات قانونية قوية قد يؤدي إلى خلق مناطق لا تتمتع فيها الحقوق بالحماية الكافية.
ومأساة بن قردان التونسية خلال الأيام الأخيرة تجعل هذا النقاش الأوروبي أكثر إلحاحاً؛ فمن جهة تدعم دول أوروبية تشديد مراقبة السواحل لمنع القوارب من الوصول، ومن جهة أخرى تؤكد منظمات حقوقية أن التعاون يجب ألا يتحول إلى تفويض لسياسات تنتهك حق اللجوء أو تعرض الأشخاص للطرد الجماعي أو المعاملة المهينة.
كما برز في بريطانيا خلال 17 غشت ملف آخر يتعلق بالمساواة وعدم التمييز، بعدما حذر خبراء تابعون للأمم المتحدة من أن تعديلات مقترحة على مدونة للممارسات قد تؤدي، في تقديرهم، إلى إضفاء طابع مؤسسي على التمييز ضد الأشخاص المتحولين جندرياً والمتنوعين جندرياً. ويكشف الجدل أن الحقوق المدنية في أوروبا نفسها تظل موضوعاً لصراع قانوني وسياسي مستمر، وليست مكتسباً مغلقاً لا يحتاج إلى مراجعة ومراقبة.
وتظل الحرب في أوكرانيا كذلك جزءاً مركزياً من الوضع الحقوقي الأوروبي، إذ يستمر المدنيون في دفع ثمن الهجمات المتبادلة. ففي 24 غشت أفادت رويترز بمقتل ثلاثة مراهقين وإصابة آخرين نتيجة حطام طائرة مسيرة في منطقة كراسنودار الروسية، في مثال جديد على الخطر الذي باتت تشكله الأسلحة بعيدة المدى والطائرات المسيرة على السكان بعيداً عن خطوط الجبهة التقليدية.
حصيلة أيام قليلة: الحقوق لم تعد شأناً داخلياً
تكشف هذه الوقائع أن الحديث عن أوضاع حقوق الإنسان في الجزائر وتونس وليبيا ومصر والشرق الأوسط العربي وأوروبا لم يعد ممكناً عبر تقسيم العالم إلى دول «تحترم الحقوق» وأخرى «تنتهكها» بصورة ميكانيكية. ففي كل منطقة تتقاطع درجات مختلفة من التقدم والتراجع: لبنان يتجه إلى إلغاء الإعدام بينما تنفذ أحكام إعدام في شرق ليبيا؛ تونس تعرف احتجاجاً من أجل الحريات بينما تواجه أيضاً مأساة هجرة مرتبطة بشراكة مع الاتحاد الأوروبي؛ مصر تستضيف أعداداً ضخمة من اللاجئين لكنها تواجه انتقادات بشأن احتجاز وترحيل بعض السودانيين؛ أوروبا تمتلك أكثر أنظمة حماية الحقوق تطوراً مؤسسياً، لكنها تواجه اختباراً حقيقياً عندما يتعلق الأمر بالمهاجرين واللجوء والحروب الواقعة على حدودها.
أما أخطر ملف فيظل حماية المدنيين في النزاعات المسلحة، سواء في غزة أو اليمن أو سوريا أو أوكرانيا. فالقانون الدولي لا يمنح أي طرف في الحرب حقاً مفتوحاً في استخدام القوة، ولا يلغي حماية الطفل والمدني والمسعف والصحفي والمعتقل لمجرد أن الصراع يحمل عنوان الأمن أو مكافحة الإرهاب أو الدفاع عن النفس.
والخلاصة التي تفرضها حصيلة الأيام الماضية هي أن أزمة حقوق الإنسان المعاصرة لم تعد ناتجة فقط عن غياب القوانين، بل كثيراً ما تنبع من الفجوة بين النص القانوني والممارسة، وبين خطاب الدولة والتصرف الفعلي لأجهزتها، وبين الالتزامات الدولية والمصالح السياسية والأمنية. ولهذا فإن قيمة أي تقدم حقوقي، مثل الخطوة اللبنانية تجاه عقوبة الإعدام، لا تكمن في رمزيته فقط، بل في قدرته على التحول إلى قاعدة عملية يمكن قياسها في المحاكم والسجون والحدود ومراكز الشرطة ومناطق النزاع.
وفي المقابل، فإن مأساة قارب صغير ينطلق من بن قردان، أو طفلاً يسقط في غارة في غزة، أو مدنياً يمثل أمام محكمة عسكرية في ليبيا، أو لاجئاً سودانياً يخشى الاعتقال والترحيل في مصر، ليست أحداثاً منفصلة؛ إنها أجزاء من السؤال نفسه: إلى أي حد ما زالت كرامة الإنسان قادرة على الصمود عندما تتعارض مع منطق الأمن والحرب والحدود والسياسة؟
المصادر المعتمدة في إعداد هذه القراءة تشمل: وكالة رويترز، أسوشيتد برس، مكتب مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، منظمة العفو الدولية، هيومن رايتس ووتش، ومفوض حقوق الإنسان في مجلس أوروبا، مع إعطاء الأولوية للمواد المنشورة أو المحدثة خلال غشت 2026.








0 التعليقات:
إرسال تعليق