الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الأحد، أغسطس 23، 2026

إلغاء العبودية لم ينهِ الاستعباد.. قراءة في دلالات 23 غشت: عبده حقي


في الثالث والعشرين من غشت من كل سنة، أجدني أمام واحد من تلك التواريخ التي لا ينبغي أن تمر في الروزنامة الدولية كخبر بروتوكولي عابر، لأن اليوم الدولي لإحياء ذكرى تجارة الرقيق وإلغائها لا يستدعي صفحة مظلمة من الماضي فحسب، بل يضع ضمير الإنسانية أمام امتحان متجدد: ماذا تعلمنا فعلاً من قرون طويلة جرى خلالها تحويل الإنسان إلى سلعة، والجسد إلى رأسمال تجاري، والحرية إلى امتياز يملكه بعض البشر ويحرم منه آخرون؟

اختارت منظمة اليونسكو يوم 23 غشت لإحياء هذه الذكرى ارتباطاً بالانتفاضة التي اندلعت ليلة 22 إلى 23 غشت 1791 في سان دومينغ، التي أصبحت لاحقاً جمهورية هايتي، وهي الانتفاضة التي شكلت محطة حاسمة في المسار التاريخي لمقاومة العبودية وتجارة الرقيق عبر المحيط الأطلسي. وتؤكد اليونسكو أن الغاية من هذا اليوم هي ترسيخ مأساة تجارة الرقيق في الذاكرة الجماعية للشعوب والتفكير في أسبابها وطرائقها ونتائجها والعلاقات التي نسجتها قسراً بين إفريقيا وأوروبا والأمريكيتين ومنطقة الكاريبي. 

بالنسبة إليّ، لا تكمن قوة هذا اليوم في استعادة أرقام الضحايا أو تفاصيل السفن والموانئ والأسواق فقط، مهما كانت ضرورة ذلك، وإنما في إعادة الاعتبار إلى الإنسان الذي جرى تجريده من اسمه ومن أسرته ومن لغته ومن أرضه، ثم اختزاله في قوة عضلية تباع وتشترى. خلف كل رقم في تاريخ تجارة الرقيق كان هناك وجه وحلم وذاكرة وأم تنتظر ابناً لن يعود، وطفل انتُزع من أسرته، ورجل حُوّل إلى مجرد رقم في سجل أحد التجار.

لقد راكمت تجارة الرقيق ثروات هائلة، وأسهمت في تشكيل جانب من الاقتصاد العالمي الحديث، وخلّفت آثاراً اجتماعية ونفسية وثقافية عميقة ما تزال مجتمعات عديدة تتعامل معها إلى اليوم. وتشير اليونسكو نفسها إلى أن تاريخ العبودية وتجارة الرقيق لم يكن هامشياً في بناء العالم الحديث، بل ترك بصماته في الاقتصاد والثقافة والفنون والهويات وفي النقاش المعاصر حول التعدد والمصالحة والعدالة. 

وأنا أكتب من المغرب، أشعر أن هذه الذكرى ينبغي أن تعنينا بصورة خاصة، لا باعتبارنا متفرجين على مأساة وقعت بعيداً عنا جغرافياً، وإنما لأن المغرب جزء من إفريقيا وامتداد تاريخي وحضاري لها، ولأن تاريخ القارة، بما فيه من جراح وتصدعات ومقاومات، هو جزء من ذاكرتنا المشتركة. لا يمكن للمغربي أن يحتفي بانتمائه الإفريقي اقتصادياً ودبلوماسياً وثقافياً ثم يتعامل مع ذاكرة إفريقيا الإنسانية باعتبارها شأناً خارجياً لا يعنيه.

لهذا أرى أن يوم 23 غشت يستطيع أن يشكل مناسبة مغربية أيضاً لمراجعة بعض الصور النمطية التي ما تزال تتسلل إلى اللغة والمخيال الشعبي والسلوك اليومي في تعاملنا مع ذوي البشرة السوداء ومع المهاجرين القادمين من دول إفريقيا جنوب الصحراء. فالذاكرة ليست مجرد وقوف رمزي أمام الماضي، وإنما امتحان للطريقة التي نعامل بها الإنسان المختلف عنا اليوم.

قد نعلن أن العبودية أُلغيت قانونياً، وهذا إنجاز حضاري لا جدال فيه، لكن هل اختفى منطق الاستعباد من العالم؟

بالطبع لا.

لقد غيّر هذا المنطق أسماءه وأشكاله وملابسه.

ثمة اليوم اتجار بالبشر، وعمالة قسرية، واستغلال جنسي، وشبكات تستثمر في هشاشة المهاجرين، وأطفال يجبرون على العمل، ونساء وفتيات يجري التعامل مع أجسادهن باعتبارها بضائع، وعمال يعيشون في ظروف تجعل حريتهم القانونية ناقصة أمام الحاجة والخوف والفقر. ولهذا فإن مقاومة إرث تجارة الرقيق لا ينبغي أن تكون احتفالاً بانتصار تحقق بالكامل، بل يقظة متواصلة ضد كل صيغة حديثة تسمح بتحويل الإنسان مرة أخرى إلى أداة للربح.

ومن الزاوية المغربية، أعتقد أن موضوع الهجرة يفرض نفسه بقوة في هذا السياق. فبلادنا تحولت تدريجياً من فضاء عبور إلى بلد إقامة لعدد من المهاجرين الأفارقة، وأصبح الاحتكاك اليومي بينهم وبين المجتمع المغربي حقيقة اجتماعية وثقافية. هنا تحديداً يصبح خطاب الكرامة والمساواة أكثر من شعار جميل. إنه مسؤولية مجتمع ودولة وإعلام ومدرسة وفضاء رقمي.

وأنا ككاتب، يهمني أيضاً أن أتوقف عند الذاكرة الثقافية التي خلفتها تلك المأساة. فالذين تعرضوا للاستعباد لم يكونوا أجساداً صامتة كما أراد لهم مستعبدوهم، بل حملوا معهم موسيقاهم وحكاياتهم وطقوسهم ولغاتهم وإيقاعاتهم وذاكرتهم الروحية، وأعادوا تشكيلها في المنافي القسرية. وقد أشارت اليونسكو إلى التأثير العميق لتاريخ تجارة الرقيق في أشكال متعددة من التراث الثقافي الحي. 

وهنا تكمن إحدى مفارقات التاريخ الكبرى: أراد نظام العبودية محو الإنسان، فإذا بضحاياه يسهمون في إنتاج ثقافات عالمية لا يمكن تصور الموسيقى والأدب والفنون المعاصرة من دونها.

إن مقاومة العبودية لم تبدأ من فوق، ولم تكن هدية منحها الأقوياء للضعفاء، بل كان المستعبَدون أنفسهم فاعلين في تحرير ذواتهم. لهذا يكتسب اختيار تاريخ انتفاضة سان دومينغ سنة 1791 دلالة استثنائية؛ فهو يعيد البطولة إلى أصحابها ويذكرنا بأن الذين جردهم النظام الاستعبادي من صفة الإنسان استطاعوا أن يعلنوا بتمرّدهم أنهم أصحاب إرادة وتاريخ وحق في الحرية. وقد أفضت الثورة في نهاية المطاف إلى استقلال هايتي سنة 1804، في حدث أحدث صدمة سياسية وفكرية عميقة في النظام الاستعماري آنذاك. 

وأعتقد أننا نحتاج في المغرب وفي العالم العربي إلى إدخال هذه الصفحات من التاريخ الإنساني بصورة أوسع في برامجنا التعليمية والثقافية والإعلامية. فمعرفة تاريخ العبودية ليست تخصصاً هامشياً يخص المؤرخين وحدهم، وإنما وسيلة لفهم كثير من الاختلالات التي ما تزال تؤثر في علاقات الشمال بالجنوب، وفي الصور النمطية حول إفريقيا، وفي العنصرية وفي توزيع الثروة والسلطة وفي الخطابات التي تستبيح المختلف باسم اللون أو الأصل أو الطبقة.

كما أنني لا أريد للذاكرة أن تتحول إلى منافسة بين الضحايا أو إلى مناسبة لتوزيع صكوك البراءة والإدانة على شعوب الحاضر بسبب ما فعله أسلاف عاشوا قبل قرون. وظيفة الذاكرة في نظري ليست توريث الكراهية وإنما منع تكرار الجريمة. فالاعتراف بالماضي لا يعني السكن الأبدي داخله، بل بناء مستقبل أكثر عدلاً انطلاقاً من معرفته.

في الثالث والعشرين من غشت، أستحضر أولئك الذين عبروا المحيطات مقيدين، والذين ماتوا في السفن، والذين بيعوا في الأسواق، والذين حُرموا من أسمائهم، كما أستحضر الذين قاوموا وهربوا وتمردوا وحافظوا على أغانيهم وذاكرتهم وكرامتهم إلى أن تهاوى النظام الذي أراد إقناع العالم بأن بعض البشر خلقوا ليكونوا ملكاً لبشر آخرين.

وأطرح في الوقت نفسه سؤالاً أكثر إزعاجاً: هل يكفي أن نلعن عبودية الماضي بينما نتسامح مع استعباد الحاضر؟

بالنسبة إليّ، الجواب واضح. لا معنى لذكرى تجارة الرقيق إذا لم تجعلنا أكثر حساسية تجاه كل إنسان تُداس كرامته اليوم، سواء كان مهاجراً أو عاملاً فقيراً أو طفلاً مستغلاً أو امرأة ضحية للاتجار أو شخصاً يتعرض للإهانة بسبب لون بشرته.

إن الثالث والعشرين من غشت ليس ذكرى تخص السود وحدهم، ولا الأفارقة وحدهم، ولا أحفاد المستعبدين وحدهم؛ إنه يوم يخص البشرية كلها، لأن الجريمة التي تحول إنساناً واحداً إلى سلعة تطعن فكرة الإنسان ذاتها.

ولهذا أرى أن أفضل وفاء لضحايا تجارة الرقيق لا يكون بالبكاء على قيود انكسرت قبل قرون فحسب، وإنما بالانتباه إلى القيود الجديدة التي قد تكون أقل ظهوراً، لكنها ما تزال تحاصر ملايين البشر في عالمنا المعاصر.

فالعبودية تبدأ دائماً في اللحظة التي يقتنع فيها إنسان بأن كرامة إنسان آخر أقل من كرامته، ويبدأ التحرر الحقيقي عندما نرفض، بلا استثناء، هذه الفكرة.

بقلم: عبده حقي


0 التعليقات: