الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الأحد، أغسطس 23، 2026

صيف مغربي ساخن تتقاطع فيه المهرجانات والسينما والمسرح والفن المعاصر: إعداد عبده حقي


عرف المشهد الثقافي والفني المغربي خلال الأيام القليلة الماضية من شهر غشت 2026 حركة لافتة امتدت من سلا والرباط والدار البيضاء إلى المضيق والسعيدية، ولم تقتصر هذه الدينامية على الحفلات الموسيقية المرتبطة بالموسم الصيفي، بل شملت السيرك المعاصر والتصوير الفوتوغرافي والفنون البصرية والسينما والمسرح والإصدارات الفكرية، فضلاً عن عودة بعض المشاريع الكبرى المتعلقة بالبنيات الثقافية إلى دائرة التنفيذ. ويمكن القول إن ما يميز هذه الحصيلة ليس كثرة المواعيد وحدها، وإنما تعدد الطرق التي أصبحت الثقافة المغربية تحاول بها مغادرة القاعات المغلقة نحو الشارع والساحة والشاطئ والمبنى التاريخي.

«كاراسينا 2026».. سلا تتحول إلى مسرح مفتوح

افتتحت مساء الجمعة 21 غشت بمدينة سلا الدورة الحادية عشرة من بينالي فنون السيرك والسفر «كاراسينا 2026»، المنظمة تحت شعار «جسد واحد/ Faire Corps». ويمتد البرنامج إلى 31 غشت، جامعا السيرك المعاصر والرقص والموسيقى والمسرح الجسدي وفنون الفروسية داخل مجموعة من الفضاءات الحضرية والتاريخية. وشهد فضاء باب المريسة حفل الافتتاح بعرض «À l'Abordage»، وهو عمل جماعي يمزج السيرك بالموسيقى الحية والرقص والشعر، بمشاركة فنانين ومتدربين من المدرسة الوطنية للسيرك «شمسي». 

أهمية «كاراسينا» في تقديري تتجاوز مفهوم المهرجان التقليدي، لأنها تقوم على إعادة تعريف العلاقة بين الفن والمدينة. فاختيار أبواب سلا وساحاتها ومواقعها التاريخية يجعل المبنى التراثي جزءا من العرض وليس مجرد خلفية له، ويمنح الجمهور الذي قد لا يدخل قاعة مسرح فرصة مصادفة الفن داخل حياته اليومية. والأهم أن المشروع يرتبط بالتكوين المهني للشباب في مهن السيرك والفنون الأدائية؛ وقد أكد المنظمون أن عدداً من الشباب الذين تلقوا تكوينهم تمكنوا من دخول سوق العمل في مهن فنية جديدة. هنا يصبح الاستثمار في الفن استثماراً اجتماعياً ومهنياً في الوقت ذاته. 

«جيل اليوم».. ست عدسات تبحث عن صورة مختلفة للشباب المغربي

بالتزامن مع «كاراسينا»، افتتح بسلا معرض التصوير الفوتوغرافي «Jil Lioum – Une jeunesse en mouvement»، الممتد من 21 إلى 31 غشت بالقرب من المسجد الكبير بسلا. ويشارك فيه ستة مصورين مغاربة هم مراد فدواش، ريم صبار، أسامة السباع، ياسين سلام، يونس صفياوي ونزار لعجالي، ويقوم المشروع على تقديم صور متعددة للشباب المغربي بعيداً عن اختزاله في نموذج اجتماعي أو ثقافي واحد. 

تكمن قيمة هذا المعرض في السؤال الذي يطرحه ضمناً: من يملك اليوم حق صناعة صورة الشباب المغربي؟ فالصور المتداولة عن هذه الفئة تتأرجح غالباً بين خطاب الأزمة وخطاب النجاح الاستثنائي، فيما يفتح التصوير الفوتوغرافي مساحة ثالثة لرؤية التفاصيل اليومية والاختلافات الفردية وتعدد الأمكنة والأنماط والانتظارات. لذلك لا يبدو «جيل اليوم» مجرد معرض للصور، بل محاولة لإنجاز أرشيف بصري لجيل يعيش في قلب تحولات اجتماعية ورقمية متسارعة، وربما ستكون قيمة هذه الصور بعد سنوات أكبر من قيمتها الراهنة لأنها ستصبح وثائق عن المغرب الذي كان يتشكل في منتصف عشرينيات هذا القرن.

ARTBEAT في الدار البيضاء.. الفنون المعاصرة تدخل فضاء القلب المقدس

بين 19 و21 غشت احتضن فضاء القلب المقدس بالدار البيضاء الدورة التجريبية الأولى من مهرجان ARTBEAT، الذي جمع الرسم والتصوير والنحت والفنون الحية والإبداع الرقمي والخط والموسيقى والفيديو. وقدم المنظمون المهرجان باعتباره ثلاثة أيام للعرض واللقاء المباشر بين الفنانين والجمهور والفاعلين الثقافيين وهواة اقتناء الأعمال الفنية، مع حضور الموسيقى الحية إلى جانب الفنون البصرية. 

هذه الصيغة تستحق الانتباه لأن المشهد التشكيلي المغربي يعاني أحيانا من الفصل بين الفنان وجمهوره؛ فالرواق يستقطب دائرة محدودة، فيما يبقى جمهور أوسع بعيداً عن الفن المعاصر. ARTBEAT يحاول كسر هذه المسافة عبر نموذج «المهرجان الفني» عوض المعرض الصامت، بحيث تصبح الموسيقى والأداء واللقاء والحوار أدوات لجذب زوار جدد. لكن نجاح التجربة مستقبلاً سيقاس بقدرتها على تجاوز الطابع المناسباتي وتوفير فرص حقيقية للفنانين الشباب، وعلى تحقيق توازن بين منطق السوق الفنية وضرورة اكتشاف الأصوات الإبداعية التي لا تملك بعد حضوراً تجارياً قوياً.

سينما الشاطئ في الرباط.. الفيلم المغربي يغادر القاعة المغلقة

شهدت نهاية الأسبوع عودة «مهرجان سينما الشاطئ» في دورته الثالثة إلى الرباط، حيث برمجت عروض يومي 22 و23 غشت بساحة المسبح الكبير، ابتداء من الساعة الثامنة وعشرين دقيقة مساء، مع دخول مجاني. وتضم البرمجة مجموعة من الأفلام المغربية، من بينها «Folklore» و«El Khattaba» و«L’Batal» و«JOUJ» و«My Friend». 

عرض الأفلام في الهواء الطلق ليس تفصيلاً تنظيمياً بسيطاً، بل يمثل محاولة لإعادة بناء عادة المشاهدة الجماعية في وقت غيّرت فيه المنصات الرقمية علاقة الجمهور بالسينما. فالسينما المغربية تحتاج إلى الإنتاج، لكنها تحتاج بالقدر نفسه إلى جمهور يستطيع مشاهدة أفلامها خارج دوائر المهرجانات المتخصصة والقاعات التجارية المحدودة. مجانية الدخول والوجود في فضاء عمومي يسمحان للعائلات والشباب بتجربة الفيلم المغربي دون الحواجز الاقتصادية أو الرمزية المعتادة، وهو نموذج يستحق أن ينتقل إلى مدن أخرى، خصوصاً المدن التي فقدت قاعاتها السينمائية منذ سنوات.

مهرجان الشواطئ يسدل الستار.. الموسيقى المجانية تثبت قدرتها على تحريك المدن

أسدل مهرجان الشواطئ لاتصالات المغرب الستار على دورته الثانية والعشرين بعد برنامج امتد من 20 يوليوز إلى 21 غشت في المضيق وطنجة والحسيمة والسعيدية، وشمل نحو ستين حفلاً مجانياً. وفي المضيق اختتمت الدورة بسهرة للفنانين نسيم حداد ويونس الرباطي وسط حضور جماهيري كبير، فيما ودعت السعيدية المهرجان بحفل للأخوين رجاء وعمر بلمير بعد أسبوع ضم عددا من الفنانين المغاربة وأنماطا موسيقية مختلفة. 

ما يستحق القراءة في هذه التجربة هو مفهوم «الثقافة المجانية واسعة الجمهور». فالحفل المجاني المفتوح لا يؤدي وظيفة ترفيهية فقط، بل يتحول خلال الصيف إلى جزء من الاقتصاد المحلي للمدينة: المقاهي والمطاعم والنقل والفنادق والتجارة تستفيد من التجمعات الفنية، فيما يجد الفنان فرصة لملاقاة جمهور قد يبلغ الآلاف في ليلة واحدة. في المقابل، تظل الحاجة قائمة إلى تطوير الجانب الثقافي المصاحب لهذه المهرجانات، بحيث لا تظل مجرد سلسلة حفلات، وإنما تنفتح أكثر على الندوات والورشات والتعريف بتاريخ الموسيقى المغربية وتوثيق الفنون المحلية، وهو ما يمكن أن يحول الاحتفال الموسمي إلى مشروع ثقافي متكامل.

المجازر القديمة بالدار البيضاء.. خطوة جديدة نحو قطب ثقافي طال انتظاره

ومن أهم أخبار البنية الثقافية خلال الأسبوع دخول مشروع إعادة تأهيل المجازر القديمة بالدار البيضاء مرحلة عملية جديدة، بعد إطلاق شركة «الدار البيضاء للتهيئة» مسطرة اختيار صاحب الإشراف المنتدب المكلف بالدراسات وتتبع الترميم والتأهيل. وتشير المعطيات المنشورة إلى كلفة تقديرية تقارب 95 مليون درهم لأشغال الترميم، بينما يروم المشروع إقامة قطب ثقافي وإبداعي يضم إقامات فنية وأروقة للمعارض وفضاءات دائمة لعمل الجمعيات. والموقع مصنف ضمن قائمة الآثار التاريخية بالمغرب منذ سنة 2003، وقد سبق أن عرف تجربة «المصنع الثقافي» التي استقطبت مئات الفنانين ونحو 400 ألف زائر خلال سنوات نشاطها. 

أعتبر هذا الورش أكثر أهمية على المدى البعيد من كثير من المهرجانات العابرة، لأن المشكلة الأساسية للثقافة المغربية ليست دائماً نقص المبدعين، وإنما نقص الفضاءات المستقرة التي تسمح لهم بالإنتاج والتدريب والعرض على مدار السنة. تحويل مبنى صناعي تاريخي إلى قطب إبداعي ينسجم أيضاً مع تجارب دولية ناجحة أعادت توظيف المصانع والمخازن القديمة في خدمة الفن. الرهان الآن هو ألا يتحول المشروع بعد ترميمه إلى بناية جميلة بلا حياة؛ فنجاحه الحقيقي سيعتمد على نموذج التسيير، واستقلالية البرمجة، وإشراك الفنانين والجمعيات، وتوفير فضاءات بأسعار وشروط تمكن المبدعين الشباب من استخدامها.

المسرح المغربي يستعد لأعمال جديدة: «سيركلاج» و«ضباب»

على مستوى المسرح، كشفت الأيام الماضية عن استمرار التحضيرات لعملين جديدين هما «سيركلاج» و«ضباب»، المستفيدين من دعم قطاع الثقافة. ويشارك في «سيركلاج» كل من ساندية تاج الدين وسعد موفق، فيما تتولى مريم الزعيمي إخراج ودراماتورجيا مسرحية «ضباب» التي ألفها أيوب أبو النصر، ويشارك في بطولتها إلى جانب الزعيمي كل من عادل أبا تراب وأشرف مسياح. ولم يعلن بعد عن تاريخ نهائي لتقديم العملين أمام الجمهور. 

وجود مشاريع جديدة في مرحلة البروفات خبر أكثر دلالة مما قد يبدو، لأن المسرح لا يعيش من ليلة العرض وحدها، وإنما من زمن طويل غير مرئي تتكون خلاله اللغة الركحية. والملاحظ كذلك أن عدداً من الوجوه التي يعرفها الجمهور من التلفزيون والسينما تواصل العودة إلى الخشبة، وهو ما يمكن أن يساعد في إعادة جذب جمهور واسع إلى المسرح. غير أن التحدي سيبقى مرتبطاً بما بعد العرض الأول: هل تتحول المسرحيات إلى جولات وطنية حقيقية أم تظل محدودة في بضع قاعات ومدن؟ إن بناء جمهور مسرحي يحتاج إلى شبكة توزيع وعروض مستمرة بقدر حاجته إلى الدعم المخصص للإنتاج.

«راب إفريقيا».. الأوداية تستقبل جيلاً موسيقياً جديداً

من جهته، واصل مهرجان «راب إفريقيا» حضوره في الرباط، حيث استقطبت منصة الأوداية آلاف الشباب لمتابعة عروض فنانين مغاربة، من بينهم علي سامي القادري ونعيم. وتمتد التظاهرة حتى 23 غشت، مع برمجة لأكثر من ثلاثين فناناً، ضمن حدث تشرف عليه وزارة الشباب والثقافة والتواصل ويجمع أسماء من المشهد الموسيقي الإفريقي. 

الدلالة الثقافية لهذا المهرجان تكمن في الاعتراف المؤسساتي المتزايد بالراب باعتباره جزءاً من المشهد الموسيقي المغربي وليس مجرد موسيقى هامشية مرتبطة بجيل محدد. فالراب المغربي انتقل خلال سنوات قليلة من فضاءات الإنترنت والاستوديوهات الصغيرة إلى المهرجانات والمنصات الكبرى، وأصبح واحداً من أكثر الأنماط قدرة على مخاطبة الشباب. ووضعه في فضاء تاريخي مثل الأوداية يصنع بدوره مفارقة جميلة بين ذاكرة المكان ولغة موسيقية شديدة المعاصرة، ويؤكد أن التراث لا يحتاج إلى عزل نفسه عن ثقافات الأجيال الجديدة حتى يحافظ على قيمته.

كتاب عبد الرزاق بنشعبان.. الهامش الصوفي يعود إلى الواجهة

وفي مجال الكتاب، صدر للباحث عبد الرزاق بنشعبان عن دار زرياب مؤلف جديد بعنوان «شعراء جوالون وهائمون متصوفون: من هداوة بالمغرب إلى الدراويش والقلندريين بالمشرق»، بترجمة مولاي عبد العزيز الصبطي. ويجمع الكتاب، بحسب تقديم الناشر، بين السيرة والبحث في التراث والتحقيق الإثنوغرافي والحكاية والتجربة الشخصية، متتبعا شخصيات وممارسات صوفية عاشت في الهامش بين المغرب والمشرق. 

أهمية الكتاب تبدو في محاولته إنقاذ طبقات من الذاكرة الثقافية التي يصعب العثور عليها داخل السرديات الرسمية الكبرى. فالهداوة والدراويش والقلندريون ينتمون إلى تاريخ اجتماعي وروحي ظل موزعاً بين الرواية الشفوية والرحلة والذاكرة الشعبية، ولذلك فإن جمع مادته وتحويلها إلى موضوع بحث وكتابة يعيد الاعتبار إلى الهامش باعتباره منتجاً للمعنى. كما أن الجمع بين الإثنوغرافيا والسيرة والحكاية يعكس اتجاهاً متنامياً في الكتابة الثقافية المعاصرة التي لم تعد ترى حدوداً صارمة بين البحث الأكاديمي والنص الأدبي ووثيقة الذاكرة.

حصيلة عامة: من ثقافة المناسبة إلى ثقافة المدينة

تكشف هذه الأيام، في مجموعها، عن مشهد مغربي غني من حيث المبادرات: سيرك في المواقع التاريخية، تصوير فوتوغرافي في الفضاء العمومي، فن معاصر داخل معلمة معمارية، سينما على الشاطئ، راب في الأوداية، مسرح في طور التكوين، موسيقى مجانية في المدن الساحلية، ومشروع لإعادة الحياة إلى المجازر القديمة بالدار البيضاء. هذه الصورة تؤكد أن الثقافة المغربية تتجه تدريجياً نحو توسيع مفهوم «الفضاء الثقافي»، فلم تعد الخشبة أو الرواق أو السينما هي الأماكن الوحيدة الممكنة للفن.

لكن الكثافة الصيفية تطرح في الوقت نفسه سؤال الاستمرارية. فالمشهد الثقافي الحقيقي لا يقاس بعدد حفلات يوليوز وغشت فقط، وإنما بقدرة المدن على الحفاظ على إيقاع فني طوال السنة، وبمدى استفادة الفنانين الشباب من البنيات والدعم والتكوين والتوزيع. وإذا كان صيف 2026 يقدم مؤشرات مشجعة على اتساع الجمهور وتنوع الأشكال الفنية، فإن الخطوة الأهم هي تحويل هذه الحيوية الموسمية إلى سياسة ثقافية مستدامة تجعل الفن جزءاً عادياً من حياة المدينة المغربية، لا حدثاً استثنائياً ينتظر موعد المهرجان.


0 التعليقات: