أجدني أمام واحدة من أكثر مفارقات الاقتصاد الجزائري إثارة للاستغراب: بلد يجلس فوق احتياطات ضخمة من الغاز، ويقدّم نفسه باستمرار باعتباره قوة طاقية إقليمية، ثم يجد جزء من صناعته الغذائية والمشروبات نفسه تحت ضغط ارتفاع أسعار مواد بلاستيكية مستوردة، مصنوعة في الأصل من مشتقات المحروقات التي تزخر بها الجزائر نفسها. بالنسبة إليّ، لا تختصر هذه المفارقة أزمة قنينة ماء معدني أو غطاء بلاستيكي؛ إنها تختصر نموذجًا كاملًا في الحكم والاقتصاد، نموذجًا يفضّل تصدير المادة الخام وانتظار عودتها من الخارج منتجًا مصنَّعًا وبسعر أعلى، ثم يتحدث بعد ذلك عن السيادة الاقتصادية وكأن السيادة تُصنع بالخطب.
المعطيات الصادرة عن جمعية منتجي المشروبات الجزائريين في الرابع من غشت 2026 واضحة بما يكفي لإثارة أسئلة محرجة. فقد أعلنت الجمعية أن مادة PET المستخدمة في تصنيع قنينات المياه ارتفع سعرها منذ مارس بنحو 45 في المئة، من 960 دولارًا إلى 1400 دولار للطن، فيما ارتفع سعر PEHD المستخدم في صناعة الأغطية بحوالي 33 في المئة، من 1100 إلى 1460 دولارًا للطن. كما أوضحت أن مواد التغليف تمثل في المتوسط نحو 43 في المئة من تكلفة المنتج عند خروجه من المصنع.
أنا لا أحتاج أمام هذه الأرقام إلى كثير من البلاغة. السؤال بسيط وقاسٍ: كيف تستطيع دولة مصدّرة للغاز أن تصبح صناعة قنينات الماء فيها رهينة سعر مادة بتروكيميائية مستوردة من الخارج؟
هذه ليست لعنة جغرافية، ولا مؤامرة دولية، ولا نتيجة حتمية لتقلبات السوق العالمية. إنها، في جانب أساسي منها، نتيجة سنوات طويلة من العجز عن تحويل الثروة الطاقية الجزائرية إلى قاعدة صناعية حقيقية ذات قيمة مضافة.
في سنة 2018، أعلنت «سوناطراك» و«توتال» مشروعًا بتروكيميائيًا ضخمًا في أرزيو، يقوم على إنشاء وحدة لنزع الهيدروجين من البروبان ووحدة لإنتاج 550 ألف طن سنويًا من البولي بروبيلين. وكانت الكلفة المقدرة آنذاك في حدود 1.4 مليار دولار، بحصة 51 في المئة لسوناطراك و49 في المئة لتوتال. والغاية كانت واضحة منذ البداية: تحويل البروبان المتوافر محليًا إلى مادة صناعية ذات قيمة أعلى، وتلبية الطلب المحلي مع إمكان تصدير الفائض. هذا ليس استنتاجًا سياسيًا مني؛ بل هو ما أعلنته الشركتان رسميًا سنة 2018.
وأنا هنا أتوقف عند كلمة واحدة: 2018.
ثماني سنوات مرت منذ إطلاق المشروع، ونحن في غشت 2026، وما يزال هذا المصنع الذي كان يفترض أن يشكل إحدى لبنات التحول البتروكيميائي الجزائري يتعثر.
انسحبت «توتال إنرجيز» من شركة STEP سنة 2023، وهو أمر تؤكده وثائق الشركة نفسها. ومن باب الدقة، فإن «توتال» قالت إن قرارها جاء بعد ارتفاع تكاليف المشروع، وليس لدي دليل موثوق يسمح لي بتحويل التفسيرات السياسية والشخصية المتداولة بشأن الانسحاب إلى حقيقة صحفية.
لكن حتى بعد انسحاب الفرنسيين، لم تختف المشكلة. أعادت «سوناطراك» إطلاق المشروع عبر شركتها التابعة STEP Polymers، ووقعت سنة 2023 عقدًا مع تحالف تقوده «Petrofac» وشريكتها الصينية HQC بقيمة تقارب 1.5 مليار دولار لإنجاز المركب في غضون 42 شهرًا. وكان المشروع، وفق البيان الرسمي، سيقام على مساحة 88 هكتارًا بطاقة 550 ألف طن من البولي بروبيلين سنويًا، لتغطية السوق المحلية وتصدير الفائض.
ثم ماذا حدث؟
في يوليوز 2026، كانت مجلة MEED المتخصصة لا تزال تتحدث عن مشروع قيمته 1.5 مليار دولار «متوقف»، مع استمرار المفاوضات بين الأطراف المعنية. أي أننا أمام مشروع استراتيجي بدأ مساره منذ سنوات، ثم أعيد إطلاقه بعقد جديد سنة 2023، وبعد ثلاث سنوات أخرى ما زال التعثر يطارده.
هنا تحديدًا يبدأ نقدي الحقيقي للنظام الجزائري.
لطالما اعتبرت أن أكبر وهم يمكن أن تقع فيه دولة غنية بالمواد الخام هو أن تتصور أن امتلاك البترول أو الغاز يعادل امتلاك القوة الاقتصادية.
لا.
القوة تبدأ عندما تتحول المادة الخام إلى صناعة، والصناعة إلى معرفة، والمعرفة إلى شركات، والشركات إلى منتجات قابلة للمنافسة، ثم تتحول هذه السلسلة كلها إلى فرص عمل وصادرات وقيمة مضافة.
أما أن أبيع الغاز ثم أشتري مشتقاته؛ وأن أصدّر البروبان ثم أستورد مواد بلاستيكية؛ وأن أمتلك الموارد بينما تتأثر قنينة الماء في السوق المحلية بالتقلبات الخارجية، فهذا بالنسبة إليّ ليس اقتصاد قوة، بل اقتصاد فرصة ضائعة.
وهنا تظهر مشكلة النظام الجزائري بصورة أوضح: الدولة تمتلك من الإمكانات المالية والطاقية والجغرافية ما كان يمكن أن يجعلها قطبًا صناعيًا متوسطيًا وإفريقيًا، لكنها ظلت طوال عقود شديدة الارتباط بمنطق الريع الهيدروكربوني.
كلما ارتفعت أسعار النفط والغاز، تنفست الخزينة، وكلما اضطربت الأسواق بدأت الأسئلة القديمة تعود: أين التنويع؟ أين الصناعة؟ أين تحويل الغاز محليًا؟ أين سلاسل القيمة؟ أين نتائج عشرات البرامج والاستراتيجيات التي أعلنت عنها الحكومات المتعاقبة؟
أحرص هنا على التفريق بوضوح بين الجزائر باعتبارها شعبًا وبلدًا، وبين النظام الذي يدير مواردها. فالمواطن الجزائري ليس خصمي في هذا المقال؛ إنه في الواقع أول من يدفع ثمن سوء الاختيارات.
جمعية منتجي المشروبات قالت في غشت 2026 إن الزيادة عند باب المصنع لم تتجاوز في المتوسط دينارين لقنينة 1.5 لتر، وأوصت بأن يتراوح سعر حزمة الست قنينات بين 240 و250 دينارًا، مشيرة إلى أن الأسعار الأعلى ترتبط أيضًا بهوامش الوسطاء والتوزيع. لذلك لا أرى مهنية في تضخيم الأزمة أو الادعاء بأن كل السوق دخل في انهيار شامل لم تثبته المعطيات المتاحة.
لكن هذا التصحيح لا يبرئ السلطة؛ بل يجعل السؤال أكثر دقة.
فالفضيحة الحقيقية ليست في ارتفاع قنينة الماء بدينارين أو عشرة، وإنما في أن منتجين داخل واحدة من أكبر الدول الغازية في المنطقة يضطرون أصلًا إلى تبرير أسعارهم بارتفاع PET وPEHD المستوردين.
تلك هي المعضلة البنيوية.
ولو كان هناك قطاع بتروكيميائي محلي مكتمل الحلقات، لما كانت كل أزمة في الشحن أو الأسعار أو الممرات البحرية تنتقل بهذه السهولة إلى تكلفة العبوة الموجودة على مائدة المواطن.
أتابع منذ سنوات الخطاب الرسمي الجزائري وهو يتحدث عن «الجزائر الجديدة»، وعن السيادة الاقتصادية، وعن النهضة الصناعية، وعن التحول إلى قوة ناشئة. ومن حقي، أمام مشروع من هذا الحجم، أن أسأل: أين هي هذه الجزائر الجديدة عندما يستغرق مشروع لإنتاج البولي بروبيلين كل هذه السنوات من إعادة الهيكلة وإعادة التعاقد والتوقف؟
لا تقاس السيادة بعدد المرات التي تُقال فيها كلمة «السيادة» في التلفزيون الرسمي.
السيادة مصنع يعمل.
السيادة سلسلة توريد محلية.
السيادة تحويل الغاز إلى بتروكيماويات بدل الاكتفاء بشحنه عبر الأنابيب والسفن.
السيادة أن تحمي اقتصادك من التقلبات الخارجية عبر الاستثمار في الصناعة التي تمتلك مادتها الخام في باطن أرضك.
أما أن تمتلك الغاز، ثم تعجز لسنوات عن تشغيل مشروع يحوله إلى بولي بروبيلين، ثم تتأثر صناعاتك بارتفاع أسعار المواد البلاستيكية في الخارج، فهذه عندي ليست سيادة اقتصادية؛ إنها إدارة ريعية للثروة مغلفة بخطاب سياسي ضخم.
النص الذي انطلقت منه هذه المادة يذهب أبعد من ذلك، ويتهم الرئيس عبد المجيد تبون شخصيًا بتعطيل المشروع بسبب خلافات وحسابات وانتقام سياسي من مسؤولين سابقين، ويقدم ذلك باعتباره تفسيرًا مباشرًا للأزمة.
أنا لا أحتاج إلى تبني هذه الرواية غير المثبتة كي أنتقد النظام الجزائري.
الوقائع الموثقة أكثر إحراجًا من الروايات.
المشروع موجود منذ 2018.
«توتال» انسحبت سنة 2023.
جرى توقيع عقد جديد بقيمة 1.5 مليار دولار.
المشروع كان لا يزال متوقفًا في يوليوز 2026.
وفي غشت 2026 يشتكي منتجو المشروبات من أن أسعار مواد التغليف المستوردة قفزت بعشرات النقاط المئوية.
هذه السلسلة وحدها كافية لكي أقول إن هناك مشكلة حقيقية في سرعة القرار، واستمرارية المشاريع، والتحول الصناعي، والقدرة على تنفيذ الاستراتيجيات في آجال معقولة.
ولا يحتاج الفشل الإداري دائمًا إلى مؤامرة. أحيانًا يكون البطء وسوء الحوكمة وعدم استقرار القرارات أخطر من المؤامرة نفسها.
بالنسبة إليّ، ليست القنينة البلاستيكية سوى مرآة صغيرة تكشف صورة أكبر بكثير.
إنها تكشف دولة غنية بالغاز لكنها لم تستكمل صناعة مشتقاته.
تكشف مشروعًا استراتيجيًا تتعاقب عليه السنوات والشركاء والعقود.
تكشف اقتصادًا ما زال شديد الحساسية للواردات في صناعات كان يفترض أن تكون الجزائر مؤهلة طبيعيًا للريادة فيها.
وتكشف، قبل ذلك كله، نظام حكم يملك قدرة هائلة على إنتاج الشعارات السياسية، لكنه يبدو أقل كفاءة بكثير عندما يتعلق الأمر بتحويل طن من البروبان إلى طن من الصناعة والقيمة المضافة.
وأقولها بوضوح: الشعب الجزائري يستحق أفضل من اقتصاد يعيش على مفارقة تصدير الثروة واستيراد نتائجها الصناعية.
الجزائر لا ينقصها الغاز، ولا المساحة، ولا الموقع، ولا رأس المال البشري، ولا الإمكان المالي. ما ينقصها هو نموذج حكم يجعل الاقتصاد والمواطن والاستثمار المنتج فوق الحسابات البيروقراطية والسياسية.
قد ترتفع أسعار البلاستيك عالميًا ثم تنخفض، وقد تختفي أزمة قنينات المياه بعد أسابيع، لكن السؤال سيظل قائمًا أمام النظام الجزائري:
كم سنة أخرى يحتاج بلد من أكبر منتجي الغاز لكي يتعلم أن الثروة الحقيقية ليست ما يخرجه من باطن الأرض، بل ما يستطيع أن يصنعه فوقها؟







0 التعليقات:
إرسال تعليق