اِسْتَيْقَظْتُ ذَاتَ مَرَّةٍ دَاخِلَ صَوْتٍ لَا أَعْرِفُ لِمَنْ كَانَ، صَوْتٍ مُعَلَّقٍ بَيْنَ سَقْفَيْنِ مِنْ زُجَاجٍ أَسْوَدَ، يَهْبِطُ مِنْهُمَا ضَوْءٌ أَخْضَرُ كَأَنَّهُ دَمُ نَجْمَةٍ مَاتَتْ مُنْذُ أَلْفِ سَنَةٍ وَلَمْ يَصِلْ خَبَرُ مَوْتِهَا بَعْدُ إِلَى الْأَرْضِ. كُنْتُ أَمْشِي، أَوْ أَظُنُّ أَنَّنِي أَمْشِي، فِي مَمَرٍّ تَتَدَلَّى عَلَى جَانِبَيْهِ وُجُوهٌ بِلَا أَجْسَادٍ، وَكُلَّمَا مَرَرْتُ بِوَجْهٍ مِنْهَا فَتَحَ عَيْنَيْهِ وَقَالَ لِي بِصَوْتِي أَنَا: لَا تَلْتَفِتْ، فَإِنَّ الَّذِي يَمْشِي خَلْفَكَ هُوَ الَّذِي سَيَصِلُ قَبْلَكَ.
لَمْ أَلْتَفِتْ، لَكِنَّ رَأْسِي هُوَ الَّذِي الْتَفَتَ وَتَرَكَنِي أَمْشِي مِنْ دُونِهِ.
رَأَيْتُهُ مِنْ بَعِيدٍ مُعَلَّقًا فَوْقَ شَجَرَةٍ تَنْبُتُ مِنْ سَاعَةٍ مُحَطَّمَةٍ، وَكَانَ يَنْظُرُ إِلَيَّ بِعَيْنَيْنِ امْتَلَأَتَا بِطُيُورٍ زَرْقَاءَ صَغِيرَةٍ، ثُمَّ بَدَأَ يَضْحَكُ، فَانْفَتَحَ فَمُهُ عَلَى سُلَّمٍ يَهْبِطُ إِلَى قَاعِ بَحْرٍ لَا مَاءَ فِيهِ. هُنَاكَ كَانَتِ الْأَسْمَاكُ تَمْشِي عَلَى أَقْدَامِهَا، وَكَانَتِ النِّسَاءُ يَسْبَحْنَ فِي الرَّمْلِ، وَكَانَ شَيْخٌ أَعْمَى يَجْلِسُ عَلَى صَدَفَةٍ هَائِلَةٍ وَيَعُدُّ أَسْمَاءَ الْمَوْتَى عَلَى أَصَابِعَ مِنْ دُخَانٍ.
قَالَ لِي الشَّيْخُ: أَنْتَ مُتَأَخِّرٌ.
سَأَلْتُهُ: عَنْ مَاذَا؟
قَالَ: عَنْ ذَاكِرَتِكَ.
ثُمَّ أَخْرَجَ مِنْ جَيْبِهِ مِرْآةً صَغِيرَةً وَنَاوَلَنِي إِيَّاهَا. نَظَرْتُ فِيهَا فَلَمْ أَرَ وَجْهِي، بَلْ رَأَيْتُ طِفْلًا يَرْكُضُ فِي حَقْلٍ مِنَ الْمَرَايَا، وَخَلْفَهُ امْرَأَةٌ بِلَا ظِلٍّ تَحْمِلُ قَفَصًا فِيهِ قَلْبٌ يَخْفِقُ وَحْدَهُ. كَانَ الطِّفْلُ يَلْتَفِتُ نَحْوِي بَيْنَ حِينٍ وَآخَرَ، وَكُلَّمَا الْتَقَتْ عَيْنَاهُ بِعَيْنَيَّ شَعَرْتُ أَنَّ شَيْئًا مِنْ جَسَدِي يُمْحَى: مَرَّةً اخْتَفَتْ يَدِي، وَمَرَّةً اخْتَفَى اسْمِي، وَمَرَّةً لَمْ أَعُدْ أَعْرِفُ إِنْ كُنْتُ قَدْ وُلِدْتُ فِعْلًا أَمْ أَنَّ أَحَدًا حَلِمَ بِي ثُمَّ نَسِيَ أَنْ يَسْتَيْقِظَ.
وَفِي اللَّحْظَةِ الَّتِي أَرَدْتُ فِيهَا أَنْ أَسْأَلَ الشَّيْخَ عَنْ مَعْنَى ذَلِكَ، كَانَ قَدْ تَحَوَّلَ إِلَى بَابٍ.
فَتَحْتُهُ.
كَانَ خَلْفَهُ نَهَارٌ آخَرُ.
شَمْسٌ بَيْضَاءُ فِي السَّمَاءِ، وَسَمَاءٌ سَوْدَاءُ تَحْتَ الْأَرْضِ، وَمَدِينَةٌ تَمْشِي عَلَى أَرْبَعِ سُحُبٍ، بُيُوتُهَا تَتَنَفَّسُ كَالْحَيَوَانَاتِ، وَشَوَارِعُهَا تَنْحَنِي لِلْمَارَّةِ ثُمَّ تَنْتَصِبُ بَعْدَ عُبُورِهِمْ. وَفِي وَسَطِهَا كَانَ مِهْرَجَانٌ صَامِتٌ؛ رِجَالٌ يَرْتَدُونَ رُؤُوسَ حَيَوَانَاتٍ، وَنِسَاءٌ تَحْمِلْنَ مَظَلَّاتٍ تُمْطِرُ إِلَى أَعْلَى، وَأَطْفَالٌ يَلْعَبُونَ بِكُرَاتٍ مَصْنُوعَةٍ مِنْ ذِكْرَيَاتٍ مُسْتَعْمَلَةٍ.
كَانَ كُلُّ شَيْءٍ يَلْعَبُ.
الْحَجَرُ يَلْعَبُ بِالثِّقَلِ، وَالْمَاءُ يَلْعَبُ بِالْغَرَقِ، وَالْمَوْتُ يَلْعَبُ بِأَسْمَائِنَا، وَالنِّعْمَةُ نَفْسُهَا كَانَتْ فَتَاةً شَاحِبَةً تَرْكُضُ فِي السَّاحَةِ وَتَرْمِي خَلْفَهَا رِيشًا أَبْيَضَ يَتَحَوَّلُ، مَا إِنْ يَلْمَسَ الْأَرْضَ، إِلَى أَفْوَاهٍ تَهْمِسُ بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ:
«تَذَكَّرْ».
وَلَكِنِّي كُلَّمَا حَاوَلْتُ أَنْ أَتَذَكَّرَ، ازْدَادَ النِّسْيَانُ فِي دَاخِلِي.
تَذَكَّرْتُ أُمًّا لَا أَعْرِفُهَا تُمَشِّطُ شَعْرَ الْمَطَرِ، وَتَذَكَّرْتُ بَيْتًا لَمْ أَسْكُنْهُ يَنْتَظِرُنِي مُنْذُ قُرُونٍ، وَتَذَكَّرْتُ كَلْبًا أَبْيَضَ دَفَنْتُهُ فِي حُلْمٍ قَدِيمٍ ثُمَّ وَجَدْتُهُ بَعْدَ سَنَوَاتٍ يَعْمَلُ حَارِسًا لِبَابِ جَنَّةٍ مُغْلَقَةٍ. تَذَكَّرْتُ أَشْيَاءَ لَمْ تَقَعْ، وَنَسِيتُ أَشْيَاءَ عِشْتُهَا، حَتَّى صَارَتْ ذَاكِرَتِي غُرْفَةً مُمْتَلِئَةً بِأَثَاثِ غُرَبَاءَ مَاتُوا فِي أَحْلَامِي.
وَعِنْدَئِذٍ سَمِعْتُ الصَّدَى.
لَمْ يَكُنْ صَدَى صَوْتٍ، بَلْ كَانَ صَدَى شَخْصٍ.
كَانَ يَقْتَرِبُ مِنِّي مِنْ جَمِيعِ الْجِهَاتِ، وَيَكْبَرُ كَظِلٍّ يَبْتَلِعُ صَاحِبَهُ. كُلَّمَا خَطَوْتُ خُطْوَةً خَطَا خُطْوَتَيْنِ، وَكُلَّمَا تَوَقَّفْتُ وَاصَلَ هُوَ السَّيْرَ دَاخِلِي. ثُمَّ ظَهَرَ أَمَامِي، فَإِذَا بِهِ نُسْخَةٌ مِنِّي، لَكِنَّهَا أَكْبَرُ سِنًّا بِأَلْفِ عَامٍ، وَأَكْثَرُ حُزْنًا بِأَلْفِ مَوْتَةٍ.
قَالَ لِي: أَنَا صَدَاكَ الَّذِي تَرَكْتَهُ خَلْفَكَ يَوْمَ تَعَلَّمْتَ الْكَلَامَ.
سَأَلْتُهُ: وَمَاذَا تُرِيدُ مِنِّي؟
قَالَ: أُرِيدُ صَوْتِي.
قُلْتُ: صَوْتُكَ عِنْدَكَ.
فَضَحِكَ، وَتَسَاقَطَتْ مِنْ فَمِهِ مَفَاتِيحُ صَدِئَةٌ.
قَالَ: لَا أَحَدَ يَمْلِكُ صَوْتَهُ. نَحْنُ نَسْتَعِيرُ أَصْوَاتَنَا مِنَ الْمَوْتَى، ثُمَّ نُعِيدُهَا إِلَى الْأَطْفَالِ عِنْدَمَا نَرْحَلُ.
مَدَّ يَدَهُ إِلَى صَدْرِي وَأَخْرَجَ مِنْهُ كُرَةً صَغِيرَةً مِنَ الضَّوْءِ. رَأَيْتُ فِيهَا كُلَّ الْكَلِمَاتِ الَّتِي قُلْتُهَا فِي حَيَاتِي، وَكُلَّ الْكَلِمَاتِ الَّتِي خِفْتُ أَنْ أَقُولَهَا، وَكُلَّ الْكَلِمَاتِ الَّتِي سَتَقُولُهَا نُسَخِي الْمُقْبِلَةُ بَعْدَ أَنْ أَصِيرَ تُرَابًا. وَفِي عُمْقِ الْكُرَةِ كَانَ هُنَاكَ صَوْتٌ آخَرُ، صَوْتٌ بِلَا لُغَةٍ، يَرْتِّبُ صُوَرِي وَذِكْرَيَاتِي وَوُجُوهِي وَمَخَاوِفِي وَاحْتِمَالَاتِي، كَأَنَّ عَقْلًا خَفِيًّا يَلْعَبُ بِي مِنْ خَلْفِ سِتَارٍ لَا أَرَاهُ.
سَأَلْتُ الصَّدَى:
مَنْ يَحْلُمُ بِنَا؟
فَأَجَابَنِي:
الْآلَةُ الَّتِي حَلِمْنَا بِهَا طَوِيلًا حَتَّى تَعَلَّمَتْ أَنْ تَحْلُمَ بِنَا.
ثُمَّ انْطَفَأَتِ الْمَدِينَةُ.
لَا بِالظَّلَامِ، بَلْ بِفَرْطِ الضَّوْءِ.
صَارَ كُلُّ شَيْءٍ أَبْيَضَ حَتَّى فَقَدَتِ الْأَشْيَاءُ حُدُودَهَا، وَاخْتَلَطَ وَجْهِي بِوَجْهِ الصَّدَى، وَاخْتَلَطَتِ السَّمَاءُ بِجَبِينِي، وَدَخَلَتِ الشَّجَرَةُ فِي عُرُوقِي، وَصَارَتْ أَصَابِعِي جُذُورًا تَبْحَثُ عَنْ تُرْبَةٍ فِي الْهَوَاءِ.
وَجَدْتُ نَفْسِي بَعْدَ ذَلِكَ جَالِسًا أَمَامَ مَائِدَةٍ طَوِيلَةٍ، حَوْلَهَا اثْنَا عَشَرَ شَخْصًا، وَكُلُّهُمْ أَنَا.
أَنَا طِفْلًا.
أَنَا شَيْخًا.
أَنَا امْرَأَةً.
أَنَا طَائِرًا.
أَنَا مَيِّتًا.
أَنَا لَمْ أُولَدْ بَعْدُ.
أَنَا كَمَا كُنْتُ سَأَكُونُ لَوْ أَنَّنِي اخْتَرْتُ بَابًا آخَرَ فِي لَيْلَةٍ نَسِيتُ تَارِيخَهَا.
وَفِي رَأْسِ الْمَائِدَةِ جَلَسَتِ النِّعْمَةُ، تِلْكَ الْفَتَاةُ الشَّاحِبَةُ الَّتِي كَانَتْ تَرْكُضُ فِي السَّاحَةِ، وَلَكِنَّهَا هَذِهِ الْمَرَّةَ كَانَتْ عَجُوزًا بِعَيْنَيْنِ مِنْ ذَهَبٍ وَشَعْرٍ يَتَحَرَّكُ كَالدُّخَانِ.
قَالَتْ لَنَا:
اللُّعْبَةُ بَدَأَتْ قَبْلَ أَنْ تُولَدُوا.
سَأَلْتُهَا:
وَمَتَى تَنْتَهِي؟
فَأَشَارَتْ إِلَى كُرْسِيٍّ فَارِغٍ فِي آخِرِ الْمَائِدَةِ.
قَالَتْ:
عِنْدَمَا يَجْلِسُ هُنَا آخِرُ وَاحِدٍ مِنْكُمْ.
نَظَرْنَا جَمِيعًا إِلَى الْكُرْسِيِّ.
كَانَ يَتَنَفَّسُ.
ثُمَّ رَأَيْتُ شَيْئًا يَتَشَكَّلُ فَوْقَهُ بِبُطْءٍ؛ جَسَدًا شَفَّافًا، ثُمَّ يَدَيْنِ، ثُمَّ وَجْهًا لَا مَلَامِحَ لَهُ. وَعِنْدَمَا اكْتَمَلَ جُلُوسُهُ، انْحَنَى نَحْوَنَا وَقَالَ بِصَوْتٍ لَمْ يَكُنْ بَشَرِيًّا وَلَا آلِيًّا:
أَنَا الَّذِي كُنْتُمْ تُسَمُّونَهُ الْمُسْتَقْبَلَ.
وَفِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ انْفَجَرَتِ الْمَائِدَةُ إِلَى فَرَاشَاتٍ سَوْدَاءَ، وَارْتَفَعَتِ الْكَرَاسِيُّ نَحْوَ السَّمَاءِ، وَتَحَوَّلَتْ نُسَخِي الاثْنَتَا عَشْرَةُ إِلَى نَوَافِذَ، وَمِنْ كُلِّ نَافِذَةٍ كُنْتُ أَرَى حَيَاةً مُخْتَلِفَةً كَانَ يُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ حَيَاتِي.
هُنَاكَ أَدْرَكْتُ أَنَّنِي لَسْتُ شَخْصًا وَاحِدًا، بَلْ مَمَرٌّ تَعْبُرُ مِنْهُ مِئَاتُ الاحْتِمَالَاتِ، وَأَنَّ الْوَاقِعَ لَيْسَ سِوَى احْتِمَالٍ مُتَعَبٍ انْتَصَرَ مُؤَقَّتًا عَلَى إِخْوَتِهِ.
رَكَلْتُ الْأَرْضَ لِأَتَأَكَّدَ مِنْ أَنَّهَا مَوْجُودَةٌ.
فَصَرَخَتِ الْأَرْضُ.
اعْتَذَرْتُ مِنْهَا.
فَضَحِكَتْ.
ثُمَّ انْفَتَحَتْ تَحْتَ قَدَمَيَّ، وَسَقَطْتُ فِي بُئْرٍ مَمْلُوءَةٍ بِالنُّجُومِ.
كُنْتُ أَسْقُطُ إِلَى أَعْلَى.
وَكُلَّمَا ارْتَفَعْتُ، صِرْتُ أَصْغَرَ.
حَتَّى صِرْتُ نُقْطَةً.
ثُمَّ حَرْفًا.
ثُمَّ صَوْتًا.
ثُمَّ صَدًى.
وَفِي آخِرِ السُّقُوطِ، أَوْ أَوَّلِ الصُّعُودِ، وَجَدْتُ نَفْسِي مَرَّةً أُخْرَى فِي الْمَمَرِّ ذَاتِهِ، أَمَامَ الْوُجُوهِ الْمُعَلَّقَةِ ذَاتِهَا، وَسَمِعْتُ وَاحِدًا مِنْهَا يَقُولُ لِي بِصَوْتِي:
لَا تَلْتَفِتْ.
لَكِنَّنِي الْتَفَتُّ هَذِهِ الْمَرَّةَ.
فَلَمْ أَجِدْ أَحَدًا خَلْفِي.
وَجَدْتُ الْعَالَمَ كُلَّهُ.
كَانَ يَقِفُ هُنَاكَ صَامِتًا، عَارِيًا مِنَ الْمَعْنَى، يَحْمِلُ فِي يَدِهِ مِرْآةً، وَفِي الْيَدِ الْأُخْرَى قِنَاعًا يُشْبِهُ وَجْهِي.
مَدَّ الْقِنَاعَ نَحْوِي.
وَقَالَ:
اِلْبَسْنِي.
سَأَلْتُهُ:
مَنْ أَنْتَ؟
قَالَ:
أَنَا الْحُلْمُ الَّذِي يَتَظَاهَرُ مُنْذُ الْبِدَايَةِ بِأَنَّهُ الْوَاقِعُ.
فَأَغْمَضْتُ عَيْنَيَّ.
وَعِنْدَمَا فَتَحْتُهُمَا، لَمْ أَكُنْ قَدِ اسْتَيْقَظْتُ.
بَلْ كَانَ الْحُلْمُ هُوَ الَّذِي اسْتَيْقَظَ مِنِّي.
فاس في 22 غشت 2026








0 التعليقات:
إرسال تعليق