الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

السبت، أغسطس 22، 2026

ما الذي كشفته بوعياش عن البصمة الجزائرية في الفضاء الرقمي؟ عبده حقي


كلما عدتُ إلى تفاصيل أحداث سبتة المحتلة، أزداد اقتناعًا بأن الصورة التي شاهدناها على الأرض لم تبدأ عند السياج الحدودي، ولا على شاطئ الفنيدق، بل بدأت قبل ذلك بكثير داخل شاشات الهواتف المحمولة، في مجموعات مغلقة ومنشورات مجهولة المصدر وحسابات دفعت، عبر الإشاعة والتضليل، بفكرة واحدة إلى واجهة المشهد: توجّهوا إلى سبتة، فالعبور أصبح ممكنًا.

وما يجعلني اليوم أضع الحسابات الجزائرية في قلب هذا النقاش ليس الرغبة في البحث عن خصم جاهز نعلّق عليه كل أخطائنا، وإنما ما أعلنته أمينة بوعياش، رئيسة المجلس الوطني لحقوق الإنسان، بشأن وجود حسابات أجنبية مرتبطة بـ«الجارة» شاركت في تعبئة الفضاء الرقمي بالتزامن مع أحداث سبتة.

إننا، في تقديري، أمام مستوى جديد من الصراع الإعلامي بين المغرب والجزائر، مستوى لم يعد يكتفي بالمقال التلفزيوني المتوتر أو العنوان الصحفي العدائي أو البرنامج الذي يعيد اجترار الخصومة السياسية، بل انتقل إلى فضاء أكثر خطورة: التأثير المباشر في الشباب عبر شبكات التواصل الاجتماعي.

وبالنسبة إليّ، فإن خطورة ما نُسب إلى الحسابات الجزائرية لا تكمن فقط في كونها تنشر أخبارًا كاذبة، فالأكاذيب أصبحت للأسف جزءًا يوميًا من العالم الرقمي، وإنما في طبيعة الأخبار التي جرى تداولها وفي اللحظة التي نُشرت فيها وفي الجمهور الذي استهدفته.

الحديث هنا لم يكن عن خلاف دبلوماسي أو مناظرة سياسية حول الصحراء المغربية، بل عن معلومات تستطيع دفع قاصر إلى مغادرة منزله ليلًا، أو دفع شاب إلى الاعتقاد بأن السياج الحدودي قد فُتح، أو إقناع شخص بأن الوصول سباحة إلى سبتة أصبح طريقًا مضمونًا نحو أوروبا.

وهنا تتحول الشائعة من مجرد كذبة إلى خطر على الحياة.

المجلس الوطني لحقوق الإنسان كشف عن حجم لافت للنشاط الرقمي المحيط بالأحداث، بعدما تابع عشرات المجموعات على «فيسبوك» التي تضم مجتمعة أكثر من مليون عضو وتنتج آلاف المنشورات، إضافة إلى شهادات تحدثت عن رسائل على «واتساب» تدعو إلى التحرك الجماعي نحو بوابات العبور.

وعندما تضيف رئيسة المجلس إلى ذلك الحديث عن حسابات أجنبية لها علاقة بالجارة الجزائرية، فإن السؤال يصبح مشروعًا: هل كنا أمام حملة رقمية استغلت هشاشة بعض الشباب المغربي وحوّلت حلم الهجرة لديهم إلى أداة ضغط سياسي؟

أنا أعتقد أن هذا السؤال يستحق أكثر من مجرد تعليق عابر.

فالخصومة السياسية بين الدول شيء، واستعمال شبكات التواصل الاجتماعي لإشعال اندفاع جماعي نحو الحدود شيء آخر تمامًا.

وإذا أثبت التحقيق التقني أن حسابات جزائرية عملت بصورة منسقة على نشر أخبار زائفة بشأن فتح المعابر أو سهولة دخول سبتة، فإن الأمر بالنسبة إليّ يجب أن يُعامل باعتباره تدخلًا رقميًا عدائيًا، لا مجرد ممارسة دعائية رديئة.

ما يثير الانتباه أيضًا هو الطريقة التي تتحول بها بعض الحسابات إلى مصانع صغيرة للإشاعة. حساب ينشر فيديو، وآخر يعيد تدويره، وثالث يضيف تعليقًا يوحي بأن الآلاف نجحوا بالفعل في العبور، ورابع يدعو إلى التجمع في ساعة محددة، وبعد دقائق يصبح المحتوى المتكرر حقيقة في ذهن آلاف الأشخاص.

هذه هي قوة الحرب الرقمية الحديثة.

لا تحتاج إلى دبابة، ولا إلى بيان رسمي، ولا حتى إلى وسيلة إعلام كبيرة.

يكفي أحيانًا حساب مجهول، ومقطع قديم يُعاد تقديمه باعتباره مباشرًا، وجملة قصيرة من قبيل «الحدود مفتوحة الليلة»، حتى تبدأ موجة يصعب احتواؤها.

وقد تابعتُ خلال السنوات الأخيرة كيف أصبحت بعض المنصات والحسابات الجزائرية شديدة التخصص في إنتاج روايات معادية للمغرب. كل حادث داخلي يُضخم، وكل أزمة اجتماعية تُقدم باعتبارها بداية انهيار الدولة، وكل مظاهرة تصبح «انتفاضة»، وكل صورة لشباب مهاجرين تتحول إلى شهادة نهائية على فشل المغرب.

أما السياق، فلا أهمية له. وأما التحقق، فيبدو في كثير من الأحيان تفصيلًا مزعجًا. وأما الأخبار الإيجابية المتعلقة بالمغرب، فتخضع غالبًا للتجاهل أو التشكيك أو إعادة التأويل.

إنني لا أتحدث هنا عن الشعب الجزائري، ولا أضع ملايين الجزائريين في سلة خطاب سياسي أو رقمي بعينه. فالجزائري البسيط الذي يبحث عن حياته وعن مستقبل أسرته لا علاقة له بحساب مجهول يحرّض شابًا مغربيًا على المخاطرة بحياته.

حديثي منصبّ على الحسابات والمنظومات الإعلامية التي قد تكون مرتبطة بجهات جزائرية وتشتغل على تحويل كل توتر مغربي إلى مادة للاستثمار السياسي.

وهذا التمييز بالنسبة إليّ ضروري. لكن الضروري بالقدر نفسه هو ألا نقع في السذاجة. فالحروب الحديثة لم تعد كلها عسكرية.

هناك حرب على الصورة، وحرب على الرواية، وحرب على الثقة، وحرب على المزاج العام، وحرب هدفها إقناع المواطن بأن بلده فاشل ومستقبله مسدود وأن الخلاص الوحيد يوجد خلف الحدود.

والشباب هو الهدف الأسهل في هذه المعركة. حين تقنع شابًا بأن وطنه بلا مستقبل، ثم تقدم له خبرًا كاذبًا بأن أوروبا فتحت الباب أمامه، تكون قد جمعت بين الإحباط والإغراء في رسالة رقمية واحدة.

وهنا تصبح الخوارزمية أكثر فاعلية من المنشور السياسي التقليدي.

أمام هذه الوقائع، لا يكفيني أن نقول إن «حسابات جزائرية» شاركت في التضليل ثم نغلق الملف. أريد، كمواطن وكاتب، أن أرى تحقيقًا تقنيًا شاملًا يكشف بنية هذه الشبكات.

من يديرها؟ متى أُنشئت؟ هل تنشط من داخل الجزائر؟ هل تعمل بصورة متزامنة؟ هل تنشر المواد نفسها خلال فترات زمنية متقاربة؟

هل هناك حسابات مركزية تنتج الرسائل ثم تتولى عشرات الصفحات إعادة نشرها؟ هل استُعمل الإعلان الممول؟ هل توجد صلات بينها وبين مؤسسات إعلامية أو صفحات معروفة بقربها من دوائر رسمية؟

هذه الأسئلة، في رأيي، هي التي تفصل بين الاتهام السياسي والدليل الرقمي. والمغرب يجب أن يذهب نحو الدليل.

لأن أفضل رد على التضليل ليس تضليلًا مضادًا، وإنما فضح الشبكات بالأرقام والتوقيتات والبيانات التقنية.

وإذا توفرت هذه الأدلة، فمن الضروري عرضها على الشركات المالكة للمنصات الرقمية وعلى الهيئات الدولية المختصة، لأن المسألة هنا تتجاوز خلافًا ثنائيًا بين الرباط والجزائر إلى سؤال أكبر يتعلق بأمن المجتمعات في مواجهة حملات التأثير الرقمي.

ومع ذلك، فإنني لن أرتكب الخطأ المقابل وأقول إن الحسابات الجزائرية صنعت كل شيء من الصفر. لا.

لكي تنجح الإشاعة، لا بد أن تجد أرضًا تستقبلها.

هناك شباب مغربي يعاني البطالة والهشاشة والقلق من المستقبل، وهناك فئات تعتقد أن أوروبا تختصر الحلول كلها، وهناك أزمة ثقة ينبغي أن نعترف بها ونعالجها.

لو لم توجد هذه التربة الاجتماعية، لما استطاعت ألف صفحة على «فيسبوك» أن تدفع آلاف الأشخاص نحو الحدود.

لذلك فإن مسؤوليتنا الداخلية لا تسقط بمجرد اكتشاف تدخل خارجي محتمل. لكن الاعتراف بمشكلاتنا الداخلية لا يعني منح أي جهة خارجية الحق في استغلالها. وهذه نقطة أعتبرها حاسمة.

من حقنا أن ننتقد سياسات التشغيل والتعليم والشباب، ومن حقنا أن نسائل الحكومة عن أسباب اليأس، لكن ليس من حق أي شبكة رقمية مرتبطة بالخارج أن توظف ذلك اليأس لإنتاج الفوضى أو تعريض البشر للخطر.

إنني أرى في أحداث سبتة إنذارًا مبكرًا للمغرب. فالمعابر الحدودية لم تعد فقط في باب سبتة أو بني أنصار. هناك اليوم معبر آخر أخطر بكثير موجود في جيب كل مواطن: الهاتف الذكي. ومن هذا المعبر تدخل الشائعة. ومن خلاله يمكن إشعال الخوف أو الغضب أو الأمل الزائف.

ولهذا فإن الأمن الوطني في المستقبل لن يكون فقط دوريات وأسوارًا ومراقبة حدود، بل أيضًا يقظة رقمية، وتحليل شبكات، وتفكيك حملات تضليل، وتعليم الشباب ثقافة التحقق من المعلومات.

أما إذا أثبتت التحقيقات بصورة قاطعة أن شبكات جزائرية نسقت فعلًا حملة دعائية لتضليل الشباب المغربي بشأن سبتة، فإنني أعتقد أن الأمر يجب ألا يمر في صمت دبلوماسي.

فالخلاف بين المغرب والجزائر مهما بلغ لا ينبغي أن يتحول إلى لعبة بأجساد الشباب. ولا ينبغي أن يصبح البحر المتوسط امتدادًا لشاشة هاتف يديرها مجهول.

إن أخطر ما كشفته أحداث سبتة بالنسبة إليّ ليس عدد الذين وصلوا إلى الحدود، بل عدد الذين استطاعت الشائعة أن تقنعهم بالوصول إليها.

وهنا تكمن المعركة الحقيقية. فإذا كانت الحسابات الجزائرية قد راهنت على صناعة الفوضى من خلف الشاشات، فإن أفضل جواب مغربي ليس الغضب ولا الشتيمة، بل كشف الشبكة كاملة أمام الرأي العام. بالأسماء إن توفرت الأدلة. بالأرقام. بالمسارات الرقمية.

وبالحقائق التي لا تستطيع ألف تغريدة كاذبة أن تمحوها.

بقلم: عبده حقي


0 التعليقات: