لم تكن هذه الصورة بالنسبة إلي مجرد لقطة سياحية أخرى أضيفها إلى ألبوم رحلتي في العاصمة الكازاخستانية أستانا، بل شعرت وأنا أقف أمام الشاشة العملاقة التي تتوسطها عبارة Welcome to alem.ai بأنني أقف، ولو للحظات، على عتبة عالم جديد يتشكل أمام أعيننا بسرعة لا تكاد تمنحنا الوقت الكافي لاستيعاب تحولاته. خلفي شاشة هائلة، وأمامها تصميم بصري مستقبلي يغلب عليه اللون الأزرق، وفوقها عبارة AI MONTH، بينما كنت أقف في المنتصف بملابسي البسيطة وحقيبتي المعلقة على كتفي، كأن الصورة تجمع في إطار واحد بين إنسان قادم من ذاكرة طويلة وبين تكنولوجيا تتطلع إلى زمن لم يولد بعد.
جئت إلى أستانا سائحا،
أبحث في شوارعها وساحاتها ومتاحفها عن ملامح كازاخستان الحديثة، غير أن اهتمامي بالثقافة
والكتابة والذكاء الاصطناعي جعلني أرى المدينة بطريقة مختلفة قليلا. لم أعد أكتفي بمشاهدة
الأبراج والمباني الضخمة والساحات الواسعة؛ صرت أبحث كذلك عن الأفكار التي تقف وراء
هذا العمران وعن الصورة التي تريد كازاخستان أن تقدم بها نفسها إلى العالم. وفي فضاء
يحمل اسم
alem.ai وجدتني
أمام واحدة من تلك الصور: بلد يريد أن يربط مستقبله بالتكنولوجيا والابتكار والذكاء
الاصطناعي.
وأنا أتأمل الشاشة
التي ورائي، استوقفتني كلمة Alem نفسها، بما تحمله من إحالة إلى العالم والفضاء الرحب، وكأن الاسم يريد
أن يقول إن الذكاء الاصطناعي لم يعد قضية تخص المختبرات أو شركات التكنولوجيا الكبرى
فقط، بل أصبح عالما موازيا يدخل تدريجيا إلى تفاصيل حياتنا اليومية. نحن نكتب به، ونترجم،
ونتعلم، ونبحث، ونصمم، ونبرمج، ونحلل الصور والبيانات، وربما سنفعل بعد سنوات قليلة
أشياء لم تخطر لنا اليوم على بال.
بالنسبة إلي ككاتب،
كان الوقوف في هذا المكان يحمل معنى خاصا. فالذكاء الاصطناعي لم يعد بالنسبة إلى الأدب
مجرد موضوع يصلح لرواية من روايات الخيال العلمي، بل أصبح شريكا جديدا في البيئة الثقافية
التي يتحرك داخلها الكاتب والقارئ والناقد. سؤال الكتابة نفسه تغير: من يكتب؟ ومن يقترح؟
ومن يراجع؟ وأين تنتهي مساهمة الإنسان وتبدأ مساهمة الخوارزمية؟ وهل ستبقى الكتابة
كما عرفناها طوال قرون، فعلا فرديا ينبع من ذاكرة الكاتب وتجربته وخياله، أم أنها تتجه
نحو شكل جديد تتداخل فيه القدرات البشرية مع الأدوات الرقمية؟
لهذا بدت لي صورتي
أمام
alem.ai وكأنها
تتجاوز معناها الشخصي. رجل تجاوز شبابه يقف أمام أحد أبرز رموز التكنولوجيا المعاصرة،
لكنه لا ينظر إلى المستقبل باعتباره حكرا على الأجيال الجديدة. وهذه فكرة أؤمن بها
بقوة: لا عمر محددا للفضول، ولا سن للتعلم، ولا ينبغي للإنسان أن ينسحب من المستقبل
فقط لأن سنوات كثيرة أصبحت خلفه. التكنولوجيا لا تسألنا عن أعمارنا بقدر ما تسألنا
إن كنا مستعدين لفهمها واستخدامها بعقل نقدي.
لقد عشت زمنا كانت
فيه الكتابة بالقلم والورقة هي الأصل، ثم جاء الحاسوب، وبعده الإنترنت، ثم الهواتف
الذكية وشبكات التواصل الاجتماعي، وها نحن اليوم أمام الذكاء الاصطناعي التوليدي الذي
يستطيع إنتاج النص والصورة والصوت والفيديو خلال ثوان. المسافة بين تلك الأزمنة تبدو
هائلة، لكنها في الحقيقة مرت أمامي خلال حياة إنسان واحد. وربما لهذا السبب أجد في
الذكاء الاصطناعي شيئا يثير الدهشة أكثر مما يثير الخوف: إنه يجعلني شاهدا على انتقال
حضاري نادر، من عالم كان الوصول فيه إلى المعرفة يحتاج إلى رحلة طويلة بين المكتبات
والكتب والموسوعات، إلى عالم أصبحت فيه ملايين الصفحات من المعرفة قابلة للاستدعاء
والحوار في لحظات.
لكن انبهاري بالتكنولوجيا
لا يعني أنني أراها بلا أسئلة أو مخاطر. ففي مواجهة شاشة عملاقة تحتفي بالذكاء الاصطناعي،
لا يمكن للكاتب أن يتخلى عن دوره النقدي. من يمتلك هذه الأنظمة؟ من يحدد البيانات التي
تتعلم منها؟ كيف نحمي الخصوصية؟ ماذا سيحدث للمهن التي يمكن أتمتتها؟ وما مصير الإبداع
عندما تستطيع الآلة توليد آلاف الصور والنصوص والألحان في وقت قصير؟ الأهم من كل ذلك:
كيف نحافظ على الإنسان في قلب هذه الثورة؟
هذه الأسئلة لم تقلل
من متعة زيارتي، بل جعلتها أكثر عمقا. فأنا لا أزور التكنولوجيا كما أزور جهازا جديدا
في متجر، وإنما أحاول قراءتها باعتبارها ظاهرة ثقافية وحضارية. الذكاء الاصطناعي سيغير
علاقتنا باللغة والتعليم والصحافة والأدب والفنون والعمل والذاكرة، ولذلك لا يجوز أن
نترك النقاش حوله للمهندسين والمبرمجين وحدهم. الكاتب والفيلسوف والصحفي وعالم الاجتماع
والفنان مطالبون أيضا بالدخول إلى هذا النقاش، لأن المسألة في النهاية ليست مسألة آلات
فقط، بل مسألة إنسان يعيد تعريف علاقته بالمعرفة وبنفسه.
وأستانا، من خلال هذه
التجربة، بدت لي مدينة تريد أن تجمع بين صورتين متكاملتين: مدينة تستحضر تاريخ كازاخستان
وثقافتها وهويتها من جهة، ومدينة تنظر بثقة إلى الابتكار والتكنولوجيا من جهة أخرى.
خلال تجوالي فيها رأيت العمارة الحديثة والساحات الواسعة والمتاحف والمراكز التجارية،
لكن وقوفي أمام
alem.ai منح رحلتي
بعدا مختلفا؛ شعرت بأن السياحة نفسها يمكن أن تتحول إلى مناسبة للتفكير في المستقبل،
لا مجرد الانتقال بين المعالم والتقاط الصور.
ربما سأعود بعد سنوات
إلى هذه الصورة وأبتسم. قد تبدو الشاشة التي خلفي آنذاك بدائية مقارنة بما سيصل إليه
الذكاء الاصطناعي، مثلما تبدو لنا اليوم الحواسيب القديمة التي كانت في زمنها قمة الحداثة.
لكن ما سيبقى مهما بالنسبة إلي ليس الجهاز ولا الشاشة، بل تلك اللحظة التي وقفت فيها
في أستانا أمام عبارة Welcome to alem.ai وأنا أفكر في الطريق الطويل الذي قطعناه، وفي الطريق الأطول الذي ينتظر
البشرية.
ولهذا أرى هذه الصورة
بوصفها صورة لقاء: لقاء بين السفر والمعرفة، بين الكاتب والتكنولوجيا، بين الذاكرة
والمستقبل، وبين الإنسان والآلة. جئت إلى أستانا لأكتشف مدينة وبلدا جديدين، فوجدت
نفسي في لحظة من الرحلة أواجه سؤالا أكبر بكثير من الجغرافيا: إلى أين يمضي الإنسان
في عصر الذكاء الاصطناعي؟
وأمام هذه الشاشة العملاقة،
لم أبحث عن جواب نهائي. كان يكفيني أن أظل محتفظا بأهم ما يحتاجه الكاتب والمسافر معا:
الفضول.








0 التعليقات:
إرسال تعليق