الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الخميس، أكتوبر 08، 2026

الحكم بالإعدام يدخل حرب المخدرات في الجزائر: عبده حقي


أثار الحكم الصادر في الجزائر بالإعدام في حق تسعة متهمين في قضايا مرتبطة بالاتجار في المخدرات والمؤثرات العقلية انتباهي، ليس فقط بسبب قسوة العقوبة في حد ذاتها، وإنما لأنني أرى في هذه القضية علامة تتجاوز بكثير حدود ملف جنائي عادي. نحن أمام تحول في السياسة العقابية الجزائرية، أو على الأقل أمام رسالة واضحة بأن الدولة اختارت رفع سقف الردع القانوني في مواجهتها لشبكات المخدرات المنظمة، في سياق إقليمي ودولي أصبحت فيه الجريمة العابرة للحدود أكثر تعقيدًا وتشابكًا مع التهريب وتبييض الأموال والهجرة غير النظامية.

القضية التي أعلنت تفاصيلها الجهات الجزائرية المختصة يوم 5 أكتوبر 2026 تتعلق بصدور أول أحكام بالإعدام في قضايا المتاجرة بالمخدرات والمؤثرات العقلية بموجب القانون رقم 25-03 الصادر في الأول من يوليو 2025. وشملت الأحكام ثلاثة متهمين حوكموا حضوريا وستة حوكموا غيابيا، في ملفات ترتبط بالاتجار في نحو 113 كيلوغراما من الكوكايين، إضافة إلى 225 ألفا و30 قرصا من مادة البريغابالين. كما تضمنت المتابعات، بحسب المصدر الرسمي، جرائم الاستيراد والنقل والشحن والتخزين والحيازة بقصد البيع داخل جماعة إجرامية منظمة، فضلا عن التهريب وتبييض الأموال وجرائم أخرى.

ما يهمني هنا ليس إعادة سرد الوقائع فقط، بل محاولة فهم ما تعنيه هذه الأحكام في سياقها الأوسع. فالجزائر لم تنفذ أحكام إعدام منذ سنة 1993، أي منذ أكثر من ثلاثة عقود، لكنها لم تلغ العقوبة من تشريعاتها، وظلت محاكمها تصدر أحكاما بالإعدام في بعض الجرائم الخطيرة، خصوصا جرائم القتل. الجديد أن تعديلات يوليو 2025 وسعت للمرة الأولى دائرة الجرائم التي يمكن أن تقود إلى عقوبة الإعدام لتشمل عددا من الجرائم المرتبطة بالمخدرات.

لهذا السبب لا أعتبر الأحكام الأخيرة مجرد خبر قضائي، بل مؤشرا على انتقال العقوبة القصوى من مجال كانت ترتبط فيه أساسا بالجرائم المفضية إلى الموت إلى مجال الجريمة المنظمة والاتجار بالمخدرات. وهذه النقلة تحمل دلالة سياسية واضحة: الدولة الجزائرية تريد أن تقول إن تجارة المخدرات لم تعد تُقرأ فقط كجريمة ضد الأفراد، وإنما كتهديد للأمن القومي والنظام العام واستقرار المجتمع.

وهنا يمكن فهم اللغة المستعملة في الملف نفسه، حيث تحدثت المتابعات عن نشاط جماعة إجرامية منظمة وعن قصد المساس بالأمن القومي والإخلال بالأمن والنظام العموميين. إن هذه المفردات تنقل المخدرات من حقل الجريمة التقليدية إلى حقل الأمن الاستراتيجي. وبعبارة أخرى، لم يعد التاجر الكبير للمخدرات يُنظر إليه باعتباره مجرد مجرم يبحث عن الربح غير المشروع، بل باعتباره فاعلا يمكن أن يهدد بنية الدولة والمجتمع.

أفهم دوافع هذا التشدد. فشبكات المخدرات في عالم اليوم لم تعد تعمل بالطريقة البدائية التي عرفناها قبل عقود. نحن أمام تنظيمات تتحرك عبر الحدود، وتستعمل شبكات لوجستية معقدة، وتبيض أرباحها من خلال الاقتصاد المشروع، وتستفيد من التكنولوجيا والاتصالات الرقمية، وقد ترتبط بجرائم أخرى مثل تهريب البشر والأسلحة والفساد المالي. وتبدو الكميات المعلن عنها في القضية الجزائرية، وخصوصا 113 كيلوغراما من الكوكايين وأكثر من 225 ألف قرص من البريغابالين، بعيدة تماما عن منطق الاستهلاك الفردي أو الترويج المحدود. إنها كميات تحيل مباشرة إلى شبكات واسعة وإلى سوق إجرامية منظمة.

لكنني في الوقت نفسه أرى أن سؤالا جوهريا يفرض نفسه: هل عقوبة الإعدام هي الأداة الأكثر فعالية لمواجهة هذه الشبكات؟

ليس من السهل الإجابة بنعم لمجرد أن الجريمة خطيرة، كما ليس من الواقعي التقليل من حجم الخطر الاجتماعي الذي تمثله المخدرات. العقوبة الجنائية ينبغي أن تحقق الردع وتحمي المجتمع، لكن التجارب الدولية تجعل العلاقة بين شدة العقوبة وانخفاض الجريمة أكثر تعقيدا مما يوحي به الخطاب العقابي المباشر. فالشبكات الإجرامية المنظمة لا تقوم في العادة على قرار فردي عقلاني بسيط يمكن ردعه فقط بزيادة سنوات السجن أو التهديد بالإعدام، بل تنشأ داخل منظومات مالية ولوجستية عابرة للحدود لا يمكن تفكيكها من دون تحقيقات مالية واستخباراتية وتعاون دولي وملاحقة مصادر الأموال والفساد الذي يسمح لهذه الشبكات بالعمل.

ومن هنا أعتقد أن الحرب الحقيقية على المخدرات لا تبدأ من قاعة إصدار الحكم فقط، بل من ملاحقة التمويل، ومراقبة الحدود والموانئ، وضرب قنوات تبييض الأموال، وتعقب الشبكات الرقمية والوسطاء، وتطوير أجهزة التحقيق، فضلا عن معالجة أسباب الطلب المحلي على المخدرات والمؤثرات العقلية.

ويزداد النقاش حساسية لأن عقوبة الإعدام في الجزائر تعيش وضعا قانونيا غريبا نسبيا: هي موجودة في التشريع وتصدر بها الأحكام، لكنها لم تُنفذ منذ عام 1993. لذلك يصبح السؤال المطروح اليوم هو ما إذا كانت هذه الأحكام ستظل جزءا من سياسة الردع الرمزي، أم أننا أمام مقدمات لمرحلة قد تعيد فيها الجزائر النظر في وقف التنفيذ الفعلي.

هذا السؤال ليس نظريا. ففي الأسابيع الأخيرة عاد النقاش حول توسيع نطاق عقوبة الإعدام في الجزائر إلى الواجهة، وأثارت تعديلات أخرى مرتبطة بالقانون الجنائي انتقادات حقوقية، بينما حذرت منظمة العفو الدولية في سبتمبر وأكتوبر 2026 من أي اتجاه نحو توسيع استخدام العقوبة أو العودة إلى تنفيذها بعد أكثر من ثلاثة عقود.

وتستند الاعتراضات الحقوقية أيضا إلى القانون الدولي. فالجزائر طرف في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، الذي يفرض قيودا صارمة على تطبيق عقوبة الإعدام في الدول التي لم تلغها. ويعتبر تفسير لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة أن مفهوم «أشد الجرائم خطورة» ينبغي أن يقتصر على الجرائم التي تتضمن القتل العمد، وهو ما يجعل تطبيق العقوبة على جرائم المخدرات موضع خلاف حقوقي وقانوني واضح.

هنا أصل إلى جوهر المشكلة: المجتمع يريد حماية حقيقية من المخدرات، والسلطات مطالبة بمواجهة شبكات يمكن أن تدمر حياة آلاف الشباب، لكن قوة الدولة في نظري لا تُقاس فقط بقدرتها على إصدار أقصى العقوبات، بل بقدرتها على منع الجريمة قبل وقوعها، والوصول إلى الرؤوس الكبيرة للشبكات، وكشف مسارات الأموال، وتقديم المتهمين إلى محاكمات عادلة لا تترك مجالا للخطأ القضائي.

فالخطأ في حكم بالسجن يمكن مراجعته، أما تنفيذ حكم بالإعدام فلا يمكن تصحيحه بعد وقوعه. وهذا بالضبط ما يجعل العقوبة القصوى مختلفة جذريا عن جميع العقوبات الأخرى.

أرى أيضا أن الدولة التي تريد مكافحة المخدرات بفعالية تحتاج إلى استراتيجية مزدوجة: قبضة صارمة على التجارة المنظمة من جهة، وسياسة صحية واجتماعية للوقاية والعلاج من جهة أخرى. فليس كل من يدخل عالم المخدرات مجرما منظما؛ هناك المدمن، والمستهلك، والشاب الهش، وهناك في المقابل الشبكات الكبرى التي تحرك الأموال والكميات الهائلة. الخلط بين هذه المستويات قد يحول الحرب على المخدرات إلى حرب على الحلقة الأضعف بدل تفكيك البنية الاقتصادية للجريمة.

الأحكام الأخيرة في الجزائر ستبقى لذلك محطة تستحق المتابعة. فهي أول تطبيق بارز لتوسيع عقوبة الإعدام إلى جرائم المخدرات بعد تعديل التشريع سنة 2025، وتحمل في الوقت نفسه رسالة سياسية وقضائية شديدة اللهجة إلى شبكات التهريب. لكنني أعتقد أن الاختبار الحقيقي لن يكون في عدد أحكام الإعدام التي ستصدر، بل في قدرة الدولة على خفض الكميات المتداولة، وتفكيك الشبكات المالية، وحماية الشباب، وتجفيف منابع المخدرات، وضمان عدالة لا تتحول فيها الرغبة المشروعة في الردع إلى تراجع عن ضمانات المحاكمة وحقوق الإنسان.

إن الحرب على المخدرات ضرورية، وربما ستكون من أعقد الحروب الاجتماعية والأمنية في السنوات المقبلة، لكن السؤال الذي سيظل مطروحا في الجزائر وخارجها هو: هل تحتاج الدولة إلى الإعدام لكي تكون قوية في مواجهة الجريمة، أم أن الدولة الأقوى هي التي تستطيع تفكيك منظومة الجريمة كاملة من دون أن تجعل الموت جزءا من أدوات العدالة؟


0 التعليقات: