الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الخميس، أكتوبر 08، 2026

إشعار الهاتف الذي اختطف إرادة انتباهي : عبده حقي


فتحت هاتفي ذلك الصباح بنيّة صغيرة وواضحة لا تحتاج إلى كثير من التفكير: أردت أن أعرف جدول مباريات كرة القدم لهذا اليوم. كانت المهمة محددة، شبه آلية، لا تستدعي أكثر من فتح التطبيق وإلقاء نظرة سريعة ثم إغلاقه. غير أن الهاتف، أو بالأحرى ذلك العالم الكامل المختبئ خلف شاشته، كان يحمل لي مسارًا آخر لم أخطط له. قبل أن أصل إلى جدول المباريات، ظهر أمامي إشعار يخبرني بوصول مراسلة خاصة. لم أتردد كثيرًا. ضغطت على الإشعار بدافع فضول لا يكاد يُرى، قرأت الرسالة، فاكتشفت أنها مراسلة تافهة لا تستحق لا وقتي ولا انتباهي، ثم أغلقت الهاتف نهائيًا. وبعد لحظات فقط، وأنا بعيد عن الشاشة، عاد إليّ السؤال الأصلي مثل شيء ضاع مني في الطريق: ألم أفتح الهاتف لكي أعرف مباريات اليوم؟

توقفت أمام هذه الواقعة أكثر مما تستحقه في ظاهرها، لأنها كشفت لي شيئًا أعمق من مجرد نسيان عابر. لقد دخلت إلى الهاتف وأنا أحمل نيتي، ثم خرجت منه وأنا قد نفذت نية أخرى لم أخترها أصلًا. حدث التحول في بضع ثوان، بسرعة لم تمنحني حتى فرصة ملاحظة أنني انحرفت عن هدفي الأول. وهنا أدركت أن واحدة من أخطر التحولات التي أحدثتها التكنولوجيا الحديثة لا تتعلق فقط بما نفعله بأجهزتنا، بل بما تفعله أجهزتنا بتسلسل أفكارنا، وبالطريقة التي تنتقل بها رغباتنا من موضوع إلى آخر.

لقد كنت أتصور، كما يتصور أغلبنا، أنني أستخدم الهاتف. لكنني بدأت أتساءل: هل يكفي أن أمسك الجهاز بيدي حتى أكون فعلًا من يحدد مسار الاستخدام؟ أم أن مجرد امتلاكي للهاتف لا يعني بالضرورة امتلاكي لانتباهي داخله؟

هذه المسافة الصغيرة بين ما أريد فعله وما أجد نفسي أفعله هي المجال الذي يعمل فيه اقتصاد الانتباه. لقد انتقل العالم الرقمي منذ سنوات من اقتصاد يبيع الأشياء إلى اقتصاد يتنافس على شيء أكثر ندرة: وقت الإنسان الذهني. لم تعد السلعة الحقيقية هي التطبيق ولا الفيديو ولا الخبر ولا المراسلة، بل قدرتي أنا على النظر، والبقاء، والنقر، والعودة، والانتقال من محتوى إلى آخر. إن انتباهي، الذي كنت أعتقد أنه خاصية شخصية داخلية، أصبح موردًا اقتصاديًا يجري قياسه وتحليله وتوجيهه.

كل ثانية أبقى فيها داخل تطبيق لها قيمة. كل نقرة تخبر النظام بشيء عن ميولي. كل توقف أمام صورة، وكل تمرير للشاشة، وكل فتح لإشعار، يتحول إلى معلومة قابلة للاستثمار. لذلك لا يعود غريبًا أن تكون التطبيقات مصممة لا لكي تؤدي فقط الخدمة التي أبحث عنها، بل لكي تمنعني من المغادرة بسهولة. التصميم نفسه يصبح نوعًا من الهندسة السلوكية.

الإشعار مثال واضح على ذلك.

الإشعار في ظاهره مجرد تنبيه تقني. رسالة وصلت، تعليق نُشر، شخص أعجب بمنشور، خبر عاجل حدث، تحديث أصبح متاحًا. لكنه من الناحية النفسية شيء مختلف تمامًا. إنه طرق مفاجئ على باب الوعي. مهما كان ما أفعله، فإنه يقول لي: هناك شيء آخر يستحق أن تنظر إليه الآن.

الكلمة المهمة هي "الآن".

فلو أخبرني الهاتف أن الرسالة تنتظرني إلى المساء، لما شعر عقلي بضغط كبير. أما عندما تظهر فجأة أعلى الشاشة، مصحوبة برقم أو لون أو صوت أو اهتزاز، فإنها تعيد ترتيب الأولويات في لحظة. ما كان مهمًا قبل ثانية يصبح مؤجلًا، وما لم يكن موجودًا أصلًا في خطتي يصبح في المقدمة.

كنت أبحث عن جدول المباريات، ولكن الإشعار نجح في خلق سؤال أقوى من سؤالي الأول: من أرسل إليّ؟ ماذا يريد؟ هل هناك شيء مهم؟

المفارقة أن السؤال كان أكثر قوة من الجواب. عندما فتحت الرسالة اكتشفت أنها تافهة، لكن هذه التفاهة لم تلغ تأثير الإشعار. لقد أدى وظيفته وانتهى. جعلني أترك مساري وأدخل مسارًا آخر.

وهنا أفكر في أن المشكلة لم تعد في المحتوى وحده، بل في بنية التوقع. كثير من الإشعارات لا تعطيني المعلومة كاملة، وإنما تفتح أمامي فجوة معرفية. شيء ما حدث، لكن عليّ أن أفتح التطبيق لكي أعرفه. وهذه الفجوة الصغيرة كافية لاستثارة الفضول. الإنسان بطبيعته لا يحب الأسئلة المفتوحة، ولا يحب الشعور بأن هناك شيئًا يحدث خارجه وهو لا يعرفه. هكذا يصبح الغموض جزءًا من التصميم.

إنها هندسة للفضول.

أفكر أحيانًا أن الهاتف الذكي لا يسلب وقتي بالقوة، بل يجعلني أتنازل عنه طوعًا، نقرة بعد نقرة. لا يقول لي: اترك ما تفعله. بل يعرض عليّ شيئًا يبدو أكثر إلحاحًا. ثم يعرض شيئًا آخر، ثم آخر، حتى يصبح انتقال الانتباه عادة مستقلة بذاتها.

وهنا يتحول التشتت من حادث عارض إلى نمط حياة.

إن أخطر ما في التشتت الرقمي أنه لا يجعلني أشعر دائمًا بأنني مشتت. قد أقضي نصف ساعة أنتقل بين رسائل وأخبار ومقاطع وصور وأشعر أنني كنت مشغولًا طوال الوقت. لكن الانشغال ليس هو التركيز. النشاط ليس هو الإنجاز. والحركة الذهنية المستمرة لا تعني أنني ذهبت فعلًا إلى مكان ما.

أحيانًا أشبه هذه الحالة برجل يخرج من منزله قاصدًا مكانًا معلومًا، لكنه في كل مفترق طريق يجد شخصًا يناديه فيغير اتجاهه، ثم يناديه آخر، ثم ثالث، حتى تمر ساعات قبل أن يكتشف أنه ابتعد كثيرًا عن وجهته الأولى.

هذا تحديدًا ما حدث في رأسي.

النية كانت وجهتي. الإشعار كان المنعطف.

ولأن الذاكرة العاملة محدودة، فإن المهمة الأولى لا تبقى دائمًا محفوظة أثناء المقاطعة. نحن لا نحمل جميع نوايانا في مساحة لا نهائية. العقل يحتفظ بما نريد فعله للحظات قصيرة، وكل مثير جديد يزاحم ما قبله. لهذا نفتح الهاتف بحثًا عن شيء، ثم نجد أنفسنا بعد دقائق عاجزين عن تذكر السبب الذي جعلنا نفتحه.

هذه الجملة أصبحت في عصرنا شديدة الدلالة: ماذا كنت أريد أن أفعل؟

إنها ليست مجرد علامة نسيان، بل ربما تكون سؤالًا فلسفيًا صغيرًا عن السيادة على الذات. هل أظل صاحب قراري إذا كنت أنسى قراري بمجرد ظهور مثير خارجي؟ ما معنى الإرادة في بيئة صممت لكي تتدخل باستمرار بين النية والفعل؟

كان الفلاسفة يتحدثون طويلًا عن الحرية باعتبارها القدرة على الاختيار. لكن العصر الرقمي يفرض عليّ أن أضيف تعريفًا آخر: الحرية هي أيضًا القدرة على حماية الاختيار بعد اتخاذه.

ليس أصعب شيء أن أقرر ما أريد. الأصعب أن أحافظ على هذا القرار لدقائق قليلة وسط آلاف الإشارات التي تحاول إعادة توجيهي.

من هنا بدأت أرى التشتت الذهني بصورة مختلفة. لم يعد مجرد نقص في الانضباط الفردي. من السهل أن ألوم نفسي وأقول إن إرادتي ضعيفة، لكن هذا التفسير ناقص. صحيح أنني مسؤول عن سلوكي، لكنني أعيش أيضًا في بيئة مصممة خصيصًا لجذب انتباهي. هناك فرق كبير بين إنسان يحاول التركيز في غرفة هادئة وإنسان يحاول التركيز وسط مئة شخص ينادونه باسمه في اللحظة نفسها.

الهاتف هو هذه الغرفة المكتظة داخل جيبي.

ولهذا أعتقد أن مقاومة التشتت تبدأ أولًا بفهمه. عندما أعرف أن الإشعار ليس بريئًا تمامًا، تتغير علاقتي به. عندما أفهم أن النقطة الحمراء ليست مجرد لون وإنما أداة لجذب بصري، تصبح قدرتي على تجاهلها أكبر. وعندما أدرك أن الرسالة لا تصبح عاجلة لمجرد أن الهاتف سمح لها بالظهور فورًا، أستعيد شيئًا من ترتيب أولوياتي.

أنا لا أدعو إلى العداء مع التكنولوجيا. الهاتف منحني قدرة هائلة على المعرفة والتواصل والعمل والكتابة والوصول إلى العالم. المشكلة ليست في وجوده، بل في الطريقة التي يسمح بها لنفسه بالدخول إلى كل لحظة.

إنني أحتاج أحيانًا إلى أن أعيد تعريف العلاقة: الهاتف موجود لخدمتي، وليس من حقي أن أسمح لكل تطبيق داخله بأن يمتلك حق مقاطعتي.

ربما تبدو مسألة إغلاق بعض الإشعارات إجراءً تقنيًا بسيطًا، لكنها بالنسبة إليّ تحمل معنى أكبر. إنها نوع من استعادة الحدود بين الداخل والخارج. ليس كل ما يحدث في العالم يجب أن يدخل رأسي فور حدوثه.

لقد كنا نعيش في الماضي مع تأخر طبيعي بين الحدث ووصول خبره إلينا. أما اليوم فقد أصبح التأخر نفسه يبدو عيبًا. كل شيء يريد أن يكون فوريًا: الرسالة، الخبر، التعليق، الإعجاب، التنبيه. وهكذا تحولت الفورية من ميزة تقنية إلى ضغط نفسي مستمر.

أنا مطالب دائمًا بأن أعرف، وأن أجيب، وأن أرى.

لكن الإنسان لا يستطيع أن يعيش في حالة استجابة دائمة من دون أن يخسر شيئًا من عمق تجربته. التفكير يحتاج إلى مساحات لا يحدث فيها جديد. القراءة تحتاج إلى زمن لا يطرق فيه أحد باب الوعي. الكتابة تحتاج إلى استمرارية. التأمل يحتاج إلى الصمت. حتى الملل، الذي كنا نعتبره فراغًا، أصبح موردًا نادرًا؛ ففي اللحظة التي يبدأ فيها الفراغ أمد يدي إلى الهاتف.

أصبحت أخشى أن نفقد القدرة على البقاء مع فكرة واحدة زمنًا كافيًا لكي تنضج.

إن الفكر العميق لا يولد من كثرة المثيرات، بل من قدرة العقل على مقاومة الانتقال المستمر بينها. والفكرة تحتاج أحيانًا إلى أن أبقى معها حتى بعد أن تصبح مملة قليلًا. أما الهاتف فيعرض عليّ دائمًا بابًا للهروب: شيء أحدث، شيء أسرع، شيء ألمع.

لهذا لم تعد معركة الانتباه عندي معركة إنتاجية فقط. ليست المسألة أن أنجز أعمالًا أكثر، بل أن أحافظ على وحدة تجربتي الداخلية. أن أعيش اللحظة التي اخترتها بدل أن تتقطع إلى عشرات اللحظات التي اختارتها لي الإشعارات.

وأجدني أعود إلى الحادثة الأولى. فتحت الهاتف لكي أعرف جدول مباريات اليوم، وخرجت دون أن أعرفه. يبدو الأمر مضحكًا، لكنه يكشف بنية كاملة لحياتي الرقمية: النية بدأت عندي، ثم انتقلت القيادة في منتصف الطريق إلى شيء آخر.

ربما لهذا أصبحت أحاول قبل فتح الهاتف أن أطرح على نفسي سؤالًا صغيرًا: لماذا أفتحه الآن؟

وأحيانًا، بعد دقائق، أعيد السؤال نفسه: هل ما أفعله الآن هو الجواب عن السؤال الأول؟

هذا التدريب البسيط أعاد إليّ معنى كنت أظنه بديهيًا: أن يكون للفعل بداية أعرفها ونهاية اخترتها.

ربما تكون هذه واحدة من أكبر تحديات الإنسان المعاصر: ألا تتحول حياته إلى سلسلة من الاستجابات.

فأنا لا أريد أن أعيش فقط بما يصلني، بل بما أختاره. لا أريد أن يكون يومي قائمة إشعارات مرتبة حسب توقيت وصولها. أريد أن تكون هناك أشياء أفعلها لأنني قررت فعلها، لا لأن دائرة حمراء ظهرت على الشاشة.

والحرية التي أبحث عنها ليست حرية التخلص من الهاتف، بل حرية ألا يسبق الهاتف إرادتي.

لقد علمني ذلك الإشعار التافه درسًا لم يكن تافهًا إطلاقًا: يمكن أن تُختطف النية من دون ضجيج، ويمكن أن أفقد مسار فكرتي من دون أن أشعر، ويمكن لتصميم صغير على شاشة أن يعيد ترتيب أولويات عقلي.

لهذا أصبحت أرى الانتباه بوصفه نوعًا من الملكية الشخصية. هو مساحتي الداخلية الأخيرة. وإذا لم أحدد أنا من يدخل إليها ومتى، فسوف يفعل ذلك آخرون بالنيابة عني.

إن السؤال الحقيقي الذي ينبغي أن أطرحه في كل مرة أرفع فيها الهاتف نحو وجهي ليس: ما الجديد؟

بل: من الذي يقرر الآن ما الذي يستحق انتباهي؟

وربما تبدأ السيادة على الذات في عصر الخوارزميات من القدرة على الإجابة بثقة:

أنا.


0 التعليقات: