الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الأربعاء، أكتوبر 28، 2026

ماذا تقول بوركينا فاسو عن اقتصاد الجسد الأسمر ؟ بقلم: الكاتب المغربي عبده حقي


لا أعتقد أن القضية التي أثارتها بوركينا فاسو بتعليق مسابقات الجمال مؤقتًا، بالتوازي مع إبراز مسابقة علمية للفتيات في الرياضيات والفيزياء والكيمياء، مجرد خبر طريف يصلح لصفحات المنوعات ثم يموت بعد ساعات. بالنسبة إليّ، المسألة أعمق وأخطر، لأنها تفتح جرحًا ثقافيًا ظللنا نغطيه طويلًا بمساحيق اللغة الناعمة: لقد تحول الجسد في زمن المنصات الرقمية إلى اقتصاد كامل، وتحولت الصورة إلى رأسمال، وتحولت المرأة، خصوصًا الشابة، في قطاعات واسعة من الإعلام والترفيه والإعلان، إلى موضوع قابل للقياس والتسعير والتدوير والاستهلاك.

لم يعد الجسد مجرد حضور إنساني، بل أصبح في كثير من الأحيان مشروعًا تجاريًا. الوجه يمكن أن يدر أرباحًا، والخصر يمكن أن يتحول إلى رقم في خوارزمية، وطريقة الوقوف أمام الكاميرا يمكن أن ترفع نسب التفاعل، ولون البشرة وتسريحة الشعر وشكل الملابس يمكن أن تصنع ملايين المشاهدات. أما العقل، فلا يزال في كثير من الحالات يبحث عن مكان صغير في أسفل الشاشة.

هنا تبدأ المشكلة الحقيقية.

أنا لا أكتب ضد الجمال، ولا ضد الأزياء، ولا ضد الفن، ولا ضد حرية النساء في التعبير عن أنفسهن وأجسادهن كما يشأن. تحويل النقاش إلى حرب أخلاقية ضد المرأة سيكون خداعًا فكريًا آخر، لأن المرأة ليست مسؤولة عن الاقتصاد الذي يحيط بها. السؤال الذي يهمني هو: من يصنع المعايير؟ من يقرر أن الجسد أكثر قابلية للتسويق من المعرفة؟ من جعل الصورة أسرع طريق إلى الشهرة من الكتاب، والمختبر، والجامعة، والبحث، والتجربة؟

الجواب ليس فرديًا. هناك منظومة كاملة.

الإعلانات تريد العين، والمنصات تريد الوقت، والمؤثرون يريدون المشاهدة، والعلامات التجارية تريد الرغبة، والخوارزميات تريد المحتوى الذي يمنعك من مغادرة الشاشة. وفي هذا السوق الهائل، يصبح الجسد واحدًا من أكثر السلع فعالية، لأنه سريع، مباشر، قابل للاستهلاك الفوري، ولا يحتاج إلى قراءة أو تفكير أو جهد.

أما المعرفة فهي بطيئة.

المعادلة الرياضية لا ترقص أمام الكاميرا. المختبر لا يمنح المتلقي نشوة فورية. البحث العلمي لا يصرخ في الثواني الثلاث الأولى: «ابق هنا». الفيزياء لا تستعرض نفسها في مقطع قصير. ولذلك يخسر العقل غالبًا الجولة الأولى أمام الصورة.

لكن ماذا يحدث حين نخسر الجولات كلها؟

نصل إلى مجتمع يرى فيه ملايين المراهقين أن القيمة الأساسية للإنسان تكمن في قابليته للعرض. يبدأ الطفل بمراقبة وجهه قبل أن يكتشف فكره. تبدأ الفتاة بمقارنة جسدها بصور مصفاة ومعدلة قبل أن تعرف قدراتها الحقيقية. يبدأ الشاب بقياس احترامه لذاته بعدد المتابعين، لا بعدد الكتب التي قرأها أو المهارات التي اكتسبها أو المشكلات التي يستطيع حلها.

نحن هنا أمام «اقتصاد الجسد» بكل معنى الكلمة.

إنه اقتصاد لا يبيع الجسد حرفيًا فقط، بل يحوله إلى مركز للانتباه الاجتماعي. يُعاد تنظيم السوق حوله. تصنع صناعات كاملة من الخوف من الشيخوخة، ومن الخوف من السمنة، ومن الخوف من التجاعيد، ومن الخوف من أن تكون أقل جمالًا من الآخرين. ثم تأتي المنصات لتضاعف هذا الخوف يوميًا عبر صور منتقاة، ومعدلة، ومفلترة، ومصممة كي تثير المقارنة.

وكل مقارنة هي فرصة تجارية.

إذا شعرت بأنك غير جميل بما يكفي، ستشتري منتجًا. إذا شعرت بأن جسدك غير مناسب، ستبحث عن حمية أو تمرين أو عملية. إذا شعرت بأن ملابسك لا تمنحك الصورة المطلوبة، ستستهلك أكثر. إذا شعرت بأن حياتك أقل بريقًا من حياة الآخرين، ستطارد نمطًا استهلاكيًا جديدًا.

وهكذا يتحول عدم الرضا عن الذات إلى محرك اقتصادي.

هذا ما يجعل النقاش حول مسابقات الجمال يتجاوز المسابقة ذاتها. فالمشكلة ليست في منصة تتويج واحدة، بل في ثقافة كاملة تمنح الجسد قيمة تفوق غيره من عناصر الشخصية. مسابقة الجمال التقليدية لم تعد سوى نسخة قديمة وصريحة من منظومة أصبحت اليوم أكثر قوة لأنها انتقلت إلى الهاتف.

كان الناس سابقًا ينتظرون مسابقة سنوية ليروا مجموعة من النساء يخضعن لمعايير شكلية محددة. أما اليوم فالمسابقة مفتوحة أربعًا وعشرين ساعة يوميًا على إنستغرام وتيك توك وفيسبوك ويوتيوب وغيرها. كل شخص أصبح متسابقًا، وكل صورة مرشحة، وكل تعليق لجنة تحكيم، وكل إعجاب صوتًا، وكل خوارزمية رئيس لجنة غير مرئية.

وهذا أخطر بكثير.

لأن الحكم لم يعد محصورًا في مسابقة تنتهي في ليلة، بل أصبح أسلوب حياة.

حين علقت بوركينا فاسو مسابقات الجمال مؤقتًا وبدأت في مراجعة إطارها التنظيمي، لم تكن بذلك قد حلت مشكلة العلاقة بين المجتمع والجسد، ولم تعلن نهاية ثقافة الاستعراض. ومن الخطأ تبسيط الحدث والقول إن الدولة ألغت الجمال ووضعت العلم مكانه. لكن ظهور مسابقة «HAKILI Mousso» في هذا السياق، واحتفاء السلطات بفتيات متفوقات في الرياضيات والفيزياء والكيمياء، يفرض علينا أن نقرأ الصورة رمزيًا.

فجأة، لم تعد الفتاة التي تصعد المنصة تُقاس بطولها أو شكلها أو تفاصيل جسدها، بل بقدرتها على حل مسألة.

هذه الصورة وحدها كافية لفتح نقاش.

لأن المجتمعات لا تتغير فقط بالقوانين، بل بما تصفق له.

هذه جملة ينبغي أن نتوقف عندها طويلًا: المجتمعات تصبح في النهاية شبيهة بما تحتفي به.

حين نحتفي يوميًا بالمشاهير ونجهل العلماء، نحن نربي أطفالنا من دون خطب مباشرة. حين نغطي أخبار المشاهير بالدقائق والساعات ونمنح الباحث خمسين ثانية في نهاية النشرة، نحن نرسل رسالة. حين تتحول ملابس مغنية إلى قضية رأي عام بينما يمر اختراع علمي بلا ضجيج، نحن نحدد أولوياتنا عمليًا، مهما كتبنا في المناهج عن قيمة العلم.

الأطفال يفهمون هذه المفارقات بسرعة.

هم يرون من يحظى بالمال، ومن يحظى بالصور، ومن تستقبله وسائل الإعلام، ومن تحاصره الكاميرات. ثم يستنتجون ببساطة شديدة أن النجاح الحقيقي هو ما يجلب أكبر قدر من الانتباه.

والانتباه اليوم هو العملة الكبرى.

كل منصة رقمية تقاتل على دقائق عمرنا. ليست القضية ترفيهًا فقط. نحن أمام صناعة عالمية تبني أرباحها على الوقت الذي نقضيه أمام الشاشة. وكلما كان المحتوى أكثر إثارة للعاطفة والغريزة والمقارنة، أصبح أكثر قدرة على إبقاء المستخدم.

لذلك لا ينبغي أن نتظاهر بالدهشة حين يتراجع المحتوى العميق أمام المحتوى الاستعراضي. الخوارزمية ليست معلمة فلسفة. هي لا تسأل: هل هذا المحتوى يجعل الإنسان أذكى؟ بل تسأل: هل يجعله يبقى؟

وهنا يحدث الانقلاب.

ما يثير الانتباه يصبح أكثر ظهورًا، وما يظهر أكثر يبدو أكثر أهمية، وما يبدو أكثر أهمية يبدأ المجتمع في تقليده، ثم يتحول التقليد إلى ثقافة.

بهذه الطريقة، لا تكتفي المنصات بعرض المجتمع، بل تعيد تشكيله.

وليس الجسد سوى أحد أكثر الحقول وضوحًا لهذه العملية.

كلما شاهدت الفتاة نماذج محددة للأنوثة ناجحة رقميًا، يبدأ الضغط. كلما رأى الشاب نماذج جسدية معينة مرتبطة بالقبول والنجاح، يبدأ الضغط. ثم يدخل الجميع في سباق مع صور ليست حقيقية أصلًا في كثير من الأحيان، لأنها معدلة بالإضاءة والفلترة والبرمجيات، واليوم بالذكاء الاصطناعي أيضًا.

أي أننا وصلنا إلى مفارقة مذهلة: البشر يكرهون أجسادهم لأنهم يقارنونها بصور أجساد لا وجود لها بالشكل الذي تظهر به.

أليس هذا شكلًا من أشكال العنف الثقافي؟

عنف لا يحتاج إلى شرطي ولا عصا ولا قانون. يكفي أن تنظر إلى الشاشة كل يوم كي تتلقى الرسالة: يجب أن تكون أجمل، أنحف، أصغر، أكثر بريقًا، أكثر إثارة، أكثر قابلية للتصوير.

والسؤال الممنوع هو: أكثر علمًا؟

نادراً.

أكثر قدرة على التفكير؟

أقل.

أكثر استقلالًا؟

ليس دائمًا.

وهنا تبدو فكرة الاحتفاء بالفتيات المتفوقات علميًا مهمة، لا لأنها ستنهي هذه المنظومة، بل لأنها تقترح نموذجًا مضادًا.

حين يُقال لفتاة في مدرسة إفريقية إن بإمكانها أن تصعد إلى منصة وطنية لأنها متفوقة في الفيزياء، فإن المجتمع يضيف طريقًا جديدًا للاعتراف. وحين تدرك أن الرياضيات يمكن أن تمنحها هي أيضًا حضورًا واحترامًا وجائزة، يصبح الذكاء مرئيًا.

المعرفة تحتاج إلى أن تصبح مرئية.

وهذا ربما أحد أخطر إخفاقاتنا في العالم العربي وإفريقيا: نحن نتحدث كثيرًا عن العلم، لكننا لا نصنع له صورته الشعبية. نطالب الشباب بالقراءة، لكننا لا نجعل الكاتب نجمًا. نكرر أن البحث العلمي مهم، ثم نترك الباحث في الهامش. نطالب الفتيات بالتفوق، ثم تمنح وسائل الإعلام المساحة الكبرى للموضة والمشاهير والفضائح.

أي رسالة ستنتصر؟

الرسالة التي نلقيها في المدرسة أم الرسالة التي تراها الفتاة أربع ساعات يوميًا على هاتفها؟

لا تحتاج الإجابة إلى كثير من الذكاء.

لهذا، لا أرى المعركة الحقيقية بين «الجمال» و«العلم». هذه ثنائية سخيفة. يمكن للمرأة أن تكون جميلة وعالمة، ويمكنها أن تكون فنانة وباحثة، ويمكنها أن تهتم بمظهرها من دون أن تتحول إلى سلعة.

المعركة الحقيقية بين الإنسان بوصفه ذاتًا كاملة والإنسان بوصفه واجهة قابلة للتسويق.

وهنا يصبح الدفاع عن المعرفة دفاعًا عن الحرية.

حين يمتلك الإنسان عقلًا نقديًا، يصبح أقل قابلية للتلاعب به. حين يفهم كيف تعمل الإعلانات، يقل تأثيرها عليه. حين يعرف كيف تعمل الخوارزميات، يبدأ في استعادة جزء من حريته. وحين تدرك الفتاة أن قيمتها لا تُختزل في نظرة الآخرين إليها، تصبح أقل خضوعًا لسوق المقارنة.

ولهذا فإن «اقتصاد الجسد» ليس قضية نسائية فقط، بل قضية ديمقراطية وثقافية وتربوية.

فمن يسيطر على تعريف الجمال يسيطر على جزء من رغبات الناس، ومن يسيطر على الرغبات يسيطر على الاستهلاك، ومن يسيطر على الاستهلاك يمتلك قوة هائلة.

ولذلك فإن تحرير الجسد لا يعني تغطيته ولا كشفه، بل تحريره من السوق.

أن يصبح الجسد ملكًا لصاحبه، لا مادة خام للخوارزمية.

أن تختار المرأة كيف تظهر، لا أن تُدفع تدريجيًا إلى الظهور بالطريقة التي تكافئها المنصة.

أن يصبح النجاح ممكنًا من دون استعراض دائم.

أن يستطيع شاب أو فتاة أن يعيشا حياة ذات قيمة حتى لو لم تتحول إلى محتوى.

هذه هي الحرية التي ينبغي أن نتحدث عنها.

ومن هنا أيضًا يجب ألا نقع في فخ تمجيد أي حكومة لمجرد أنها نظمت مسابقة علمية أو علقت مسابقة جمال. فالمسابقات وحدها لا تصنع العلم، والاستعراض العلمي قد يصبح بدوره قشرة إذا لم ترافقه مدارس قوية، ومختبرات، وجامعات، وتمويل، ومساواة في الفرص، وحرية في البحث، وأفق مهني للمتفوقين.

لكن الرمزية تظل مهمة.

حين تستقبل السلطة فتيات متفوقات علميًا، فإنها تضع أمام المجتمع صورة مختلفة للنجاح. وحين تُمنح جوائز للمعرفة، فإن النظام الرمزي للمجتمع يبدأ، ولو قليلًا، في التحرك.

وأعتقد أننا في المغرب والعالم العربي بحاجة إلى نقاش مماثل، لا حول إلغاء مسابقات الجمال بالضرورة، بل حول سؤال أكبر: لماذا لا تمتلك المعرفة القدر نفسه من الاستعراض؟

لماذا لا نعرف أسماء المتفوقين في الرياضيات كما نعرف أسماء المشاهير؟

لماذا لا تصبح مسابقات البرمجة والروبوتيك والفيزياء أحداثًا جماهيرية؟

لماذا لا تخصص القنوات أوقاتًا للباحثين الشباب بدل تحويل كل شيء إلى فرجة؟

لماذا لا تُصنع من العلماء رموز شعبية؟

لماذا نترك الخوارزمية وحدها تقرر من يستحق الضوء؟

هذه الأسئلة ليست ترفًا ثقافيًا.

المجتمع الذي يجعل الجسد أكثر قيمة من العقل سيدفع الثمن.

ليس لأن الجسد سيئ، بل لأن الاقتصاد الذي يختزله في صورة سيحول الإنسان كله إلى سطح.

وعندما تصبح المجتمعات سطوحًا، يسهل خداعها.

يسهل بيع الوهم لها.

يسهل إخافتها.

يسهل دفعها إلى الاستهلاك.

يسهل اختزال السياسة في صورة، والثقافة في ترند، والفكر في مقطع، والإنسان في رقم.

وهنا ربما تكمن الرسالة الأهم في كل هذه القصة.

ليست المسألة أن نستبدل ملكة جمال بملكة رياضيات.

المسألة أن نعيد بناء مجتمع لا يحتاج الإنسان فيه إلى تاج كي تكون له قيمة.

مجتمع لا تكون فيه المرأة مضطرة إلى تحويل جسدها إلى واجهة كي تُرى.

مجتمع يرى الباحثة قبل أن تصبح مشهورة، ويحترم المعلمة قبل أن تصبح مؤثرة، ويحتفي بالمخترعة قبل أن تتحول إلى قصة إعلامية.

مجتمع يقول للفتيات بوضوح: عقولكن ليست هامشًا.

ويقول للشباب: قيمتكم ليست في صورتكم.

ويقول للمنصات: لن نترك لكم وحدكم حق تعريف النجاح.

حين نصل إلى هذه النقطة، ربما نستطيع فعلًا أن نتحدث عن نهضة.

أما ما دمنا نستهلك الأجساد ونهمش العقول ثم نتساءل لماذا تتراجع المعرفة، فنحن لا نعيش أزمة تعليم فقط.

نحن نعيش أزمة معيار.

والأمم تبدأ في التراجع حين تفسد معايير ما يستحق الإعجاب.

الكاتب المغربي عبده حقي



0 التعليقات: