لا أخشى على الجزائر من المغرب بقدر ما أخشى عليها من اللحظة التي يصبح فيها المغرب ضرورة يومية لتفسير كل ما يحدث داخلها. فالخطر الحقيقي على أي دولة لا يبدأ عندما تختلف مع جارتها، ولا عندما تتصارع معها دبلوماسيًا حول ملف إقليمي، بل عندما يصبح الخارج مرآة تفسر بها السلطة كل شيء في الداخل: الاحتجاج مؤامرة، والحريق مؤامرة، والهجرة مؤامرة، والمخدرات مؤامرة، والمعارضون امتداد لخيوط خارجية، وكل اضطراب محتمل يمكن إدخاله بسهولة في قاموس الأمن القومي. عندئذ لا يعود العدو مجرد خصم سياسي، بل يتحول إلى وظيفة سياسية، وإلى مادة دائمة لتوحيد الصفوف، وتأجيل الأسئلة، وتغيير اتجاه النظر كلما صار النظر إلى الداخل مؤلمًا.
هذا هو الانطباع الثقيل الذي خرجت به وأنا أتابع المواد السياسية المنشورة خلال الساعات الأخيرة. لم أجد أمامي مجرد أخبار عن رجال داخل الرئاسة، أو عن خلافات بين مراكز القوة، أو عن مستقبل الحكم بعد 2029، أو عن مغاربة موقوفين في الجزائر، أو عن علاقات شديدة التوتر بين بلدين جارين. وجدت أمامي منظومة كاملة من الأسئلة التي تلتقي في نقطة واحدة: إلى أي حد أصبحت السياسة الجزائرية محكومة بثلاثة أشباح؛ شبح الصراع داخل السلطة، وشبح المجهول بعد نهاية الولاية الرئاسية الحالية، وشبح المغرب الذي يعود في كل مرة تقريبًا ليحتل موقع الخصم الخارجي الأكثر حضورًا؟
وأنا هنا لا أريد أن أستبدل الدعاية بدعاية مضادة، ولا أن أصدق كل ما يقال عن الصراعات السرية في القصر أو داخل المؤسسة العسكرية والأجهزة. مثل هذه الملفات بطبيعتها شديدة الغموض، وكثير مما يروى بشأنها لا يمكن التحقق منه مستقلًا. لكن الغموض نفسه مشكلة سياسية. عندما تكون الدولة واضحة في مؤسساتها، لا يحتاج المواطن إلى قراءة الإشارات في وجوه المسؤولين كي يعرف أين يصنع القرار. لا يحتاج إلى ملاحقة أسماء المستشارين ومديري الدواوين والجنرالات لمعرفة من صعد ومن تراجع ومن اقترب ومن أُبعد. المؤسسة القوية تشرح نفسها بنفسها؛ أما السلطة المغلقة فتنتج حولها سوقًا كاملة من التكهنات.
وهذا في رأيي هو أول جرح سياسي ينبغي النظر إليه: حين يتحول سؤال الدولة من «ماذا قررت المؤسسة؟» إلى «من الرجل الأقوى اليوم؟»، نكون أمام شخصنة مفرطة للسياسة. ويصبح تغيير مسؤول واحد حدثًا يُقرأ أحيانًا باعتباره زلزالًا في موازين الحكم، بينما يفترض في الدول المستقرة مؤسساتيًا أن يكون المسؤول موظفًا كبيرًا داخل جهاز مستمر، لا أن يكون الجهاز كله ظلًا لرجل.
ولهذا لا يعنيني كثيرًا من ينتصر داخل القصر، بقدر ما يعنيني أن القصر نفسه يبدو في كثير من القراءات كأنه مركز النظام السياسي كله. لا يعنيني أن يُقال إن هذا الرجل هزم ذاك، أو إن جناحًا أزاح جناحًا؛ ما يعنيني هو لماذا يستطيع الجمهور أصلًا أن يتخيل الدولة بهذه الصورة؟ لماذا تبدو السياسة في جزء من المخيال العام كأنها مباراة بين دوائر مغلقة، بينما يبقى المجتمع خارج غرفة القرار؟
ثم يأتي المغرب.
وهنا تزداد الصورة خطورة، لأن الخلاف بين الجزائر والمغرب لم يعد خلافًا عابرًا يمكن وضعه في ملف داخل وزارة الخارجية. العلاقات الدبلوماسية مقطوعة منذ أغسطس 2021، والجزائر أعادت في سبتمبر 2024 فرض التأشيرة على حاملي جواز السفر المغربي، في سياق اتهامات رسمية بالاستفادة من الإعفاء من التأشيرات لأنشطة إجرامية وتجسسية، وهي اتهامات لم تقدم السلطات الجزائرية في ذلك الإعلان أدلة علنية تفصيلية عليها.
ولا أتوقف عند قرار التأشيرة نفسه بقدر ما أتوقف عند المناخ الذي يصنعه. حين تغلق الحدود البرية لعقود، ثم تنقطع العلاقات الدبلوماسية، ثم يضاف إليها حاجز التأشيرة، ثم يتصاعد الخطاب الأمني، فإن الإنسان العادي يبدأ بدفع ثمن خلاف لم يشارك في صنعه. العائلات تدفع، والطلبة يدفعون، والمثقفون يدفعون، والتجارة الإقليمية تدفع، وفكرة المغرب الكبير نفسها تتحول شيئًا فشيئًا إلى نكتة تاريخية ثقيلة.
الأخطر أن لغة الخصومة لم تعد تحتاج دائمًا إلى حدث استثنائي كي تعود إلى الواجهة. يكفي حادث أمني أو قضية تهريب أو توقيف مجموعة من الأشخاص حتى يبدأ القاموس القديم نفسه في العمل: التخريب، المؤامرة، الأيادي الخارجية، التهديد القادم من الحدود.
في 11 أكتوبر 2026 أعلنت المديرية العامة للأمن الوطني الجزائرية توقيف 61 مغربيًا، وقالت إنهم ينتمون إلى ما وصفته بـ«شبكة إجرامية دولية مغربية» كانت تستعد، بحسب الرواية الرسمية، لأعمال تخريب تمس بالأمن والنظام العام. هذه حقيقة من حيث صدور الإعلان الرسمي، لكنها ليست في حد ذاتها حكمًا قضائيًا نهائيًا يثبت الاتهامات بحق جميع الموقوفين. والفارق بين الأمرين ليس تفصيلًا لغويًا؛ إنه جوهر دولة القانون.
ومنذ ذلك الحين تواصلت البيانات الأمنية المرتبطة بالحدود؛ ففي 28 أكتوبر أعلنت السلطات الجزائرية أنها أحبطت خلال الفترة من 21 إلى 27 أكتوبر محاولات لإدخال أكثر من ثلاثة قناطير من الكيف المعالج «عبر الحدود مع المغرب»، ضمن حصيلة أوسع شملت تهريبًا ومخدرات وهجرة غير نظامية. هذه أيضًا رواية رسمية عن عمليات أمنية محددة، وينبغي نقلها بهذا الوصف، لا تحويلها إلى إدانة سياسية لشعب كامل أو لدولة كاملة من دون أدلة إضافية.
ما يثير قلقي هنا ليس أن الجزائر تكافح الجريمة. من حق أي دولة، بل من واجبها، أن تحمي حدودها وأن تضرب شبكات التهريب والتجسس والإرهاب. السؤال الذي أطرحه مختلف تمامًا: أين ينتهي الأمن وتبدأ السياسة؟ متى يتحول الخبر الأمني إلى مادة سياسية؟ ومتى يتحول المجرم المفترض من فرد مسؤول عن فعله إلى رمز يُحمّل جنسية بأكملها مسؤولية الخطر؟
هذه المنطقة الرمادية هي بالضبط المكان الذي تزدهر فيه السلطة حين تحتاج إلى عدو واضح.
لست أقول إن التهديدات الخارجية مختلقة. سيكون ذلك تبسيطًا ساذجًا. الجزائر دولة ضخمة تقع بجوار الساحل، وليبيا، وفضاءات تعرف الإرهاب والتهريب والجريمة المنظمة والهجرة غير النظامية وتنافس القوى الدولية. لديها بالفعل أسباب موضوعية كي تجعل الأمن القومي أولوية. لكن وجود تهديد حقيقي لا يمنح أي نظام صكًا مفتوحًا كي يحول الأمن إلى تفسير لكل شيء.
والتاريخ السياسي يعلمنا أن السلطة حين تعجز عن تقديم أجوبة مقنعة حول الاقتصاد والحريات والحكامة والتفاوتات ومستقبل الشباب، يصبح الخارج مغريًا جدًا. العدو الخارجي لا يسأل عن البطالة. لا يسأل عن نوعية المدرسة. لا يناقش أسعار السكن. لا يطالب باستقلال القضاء. يكفي أن ترفعه أمام المجتمع، فتتغير الأولويات فورًا: اصمتوا الآن، فالوطن مهدد.
وهنا بالضبط يجب أن أكون أكثر قسوة في السؤال: هل يحتاج النظام السياسي إلى المغرب أكثر مما تحتاج الجزائر إلى العداء مع المغرب؟
هذا سؤال وليس اتهامًا. لكن الأسئلة الجدية تبدأ أحيانًا من الأماكن التي لا تحب الأنظمة أن يقترب منها أحد.
لقد صار المغرب حاضرًا في الخطاب السياسي والإعلامي الجزائري بدرجة تجعلني أتساءل أحيانًا: لو استيقظ البلدان غدًا على مصالحة كاملة، ماذا سيحدث لجزء من هذا الخطاب؟ ماذا سيحدث لكل القصص التي بنيت سنوات طويلة على أساس وجود خصم دائم في الغرب؟ وكيف سيعاد تفسير المشكلات الداخلية حين لا يعود من الممكن إحالتها بسهولة على الجار؟
ثم هناك سنة 2029.
كلما اقترب النقاش من مستقبل الحكم، أصبحت هذه السنة ذات دلالة خاصة بوصفها نهاية الولاية الرئاسية الحالية وفق الجدول الدستوري القائم. ومن هنا تظهر تكهنات تتحدث عن إمكان تغيير القواعد أو تمديد البقاء أو اختراع ظروف استثنائية. لكنني لا أرى دليلًا علنيًا يسمح لي بالقول إن قرارًا من هذا النوع اتُخذ، ولا أن حربًا يجري إعدادها من أجل تمديد حكم أي شخص. مثل هذه الاستنتاجات تحتاج إلى وثائق وأدلة، لا إلى الإثارة.
لكن غياب الدليل على سيناريو محدد لا يلغي السؤال الأعمق: لماذا يثير انتقال السلطة كل هذا القلق؟
الدولة الواثقة من مؤسساتها لا تخاف التاريخ. يأتي رئيس ويذهب آخر، ويبقى الدستور والقضاء والإدارة والبرلمان والمجتمع المدني. أما حين تصبح الدولة مرتبطة بشخص أو دائرة ضيقة، فإن نهاية ولاية سياسية تتحول إلى لغز وطني.
وهذه ليست مشكلة الجزائر وحدها. إنها واحدة من أكبر علل الدولة العربية الحديثة: نكتب دساتير تتحدث عن المؤسسات، ثم نقضي سنوات نناقش صحة الرئيس، وحاشيته، ومن يخلفه، ومن يسيطر على الجيش، ومن يقترب من مركز القرار. كأننا لم نبن مؤسسات بعد، بل بنينا أجهزة تنتظر دائمًا الرجل المناسب لتعمل.
وهنا أشعر أن الحديث عن المغرب، وعن المؤامرات، وعن الأمن، وعن الصراعات الداخلية، كلها خيوط تلتقي عند سؤال واحد: هل تستطيع الجزائر أن تنتقل من دولة تدار بمنطق موازين القوى إلى دولة يصبح فيها تداول القوة أقل أهمية من استقرار القانون؟
إنني لا أقول هذا شماتة في الجزائر. بالعكس. المغرب يحتاج إلى جزائر مستقرة وقوية وعقلانية، والجزائر تحتاج إلى المغرب بالطريقة نفسها. ليس لأننا مطالبون بتبادل القصائد عن الأخوة، بل لأن الجغرافيا لا تفاوض أحدًا. لا الجزائر تستطيع أن تدفع المغرب إلى المحيط، ولا المغرب يستطيع أن يدفع الجزائر إلى قلب الصحراء. سنبقى هنا. بعد الرؤساء والحكومات والجنرالات والأزمات سنبقى جارين.
ولهذا تبدو لي فكرة استنزاف نصف قرن إضافي في العداء نوعًا من الجنون السياسي.
تخيلوا منطقة يبلغ فيها التكامل الاقتصادي أدنى مستوياته مقارنة بما تسمح به الجغرافيا، بينما تنفق دولها موارد ضخمة على الأمن والدفاع، وتظل الحدود مغلقة، والمشاريع الإقليمية مجمدة، وحركة البشر محدودة. من المستفيد؟
بالتأكيد ليس الطالب المغربي، ولا العامل الجزائري، ولا المقاول التونسي، ولا الشاب الموريتاني.
المستفيد دائمًا هو من يستطيع تحويل الخوف إلى سلطة، والانقسام إلى نفوذ، والسلاح إلى سوق.
لكن الصدام الحقيقي الذي أريده ليس صدامًا بين المغرب والجزائر. ذلك أسهل صدام وأغباه. الصدام الذي أريده هو مع الفكرة نفسها: فكرة أن الوطن لا يستطيع أن يعيش من دون عدو.
أريد أن أصطدم بالسياسة التي تحتاج إلى الخوف كي تبرر نفسها.
أريد أن أصطدم بالإعلام الذي يحول كل جزائري إلى مشتبه فيه في المغرب وكل مغربي إلى مشتبه فيه في الجزائر.
أريد أن أصطدم بمن يعتقد أن رفع الصوت دليل قوة، وأن إغلاق الحدود انتصار، وأن قطع العلاقات بطولة، وأن تحويل شعبين إلى جمهورين متخاصمين يمكن أن يسمى سياسة خارجية.
القوة ليست أن تبني جدارًا أعلى.
القوة أن تكون قادرًا على فتح الباب من دون خوف.
ولست أقل انتقادًا للخوارزميات التي جعلت الأزمة أكثر سمية. لقد دخلت المنصات الاجتماعية إلى قلب الصراع المغاربي، وأصبحت تكافئ أكثر العناوين إثارة. فيديو عن «حرب قادمة» ينتشر أسرع من تحليل اقتصادي عن تكلفة القطيعة. عنوان عن «مؤامرة خطيرة» يربح أكثر من تحقيق يسأل عن الأدلة. وكلما صرخ طرف، صرخ الطرف الآخر أعلى منه، إلى أن يتحول الفضاء الرقمي إلى ثكنة ضخمة.
وهنا يصبح المواطن ضحية مرتين: مرة لخطاب السلطة، ومرة لخوارزمية المنصة.
إنني أرفض أن أختار بين روايتين جاهزتين: رواية رسمية تعتبر كل شيء مؤامرة، ورواية معارضة تعتبر كل شيء اختلاقًا. الواقع أكثر تعقيدًا. يمكن أن تكون هناك شبكات إجرامية حقيقية، وأن يكون هناك أيضًا تضخيم سياسي لبعض المخاطر. يمكن أن تكون الدولة مستهدفة في بعض الملفات، وأن تستخدم في الوقت نفسه لغة الاستهداف لتعبئة الداخل. يمكن أن يكون معارض ما مخطئًا، وأن تكون السلطة أيضًا مطالبة بتقديم الأدلة.
الديمقراطية تبدأ من قدرتنا على احتمال هذه التعقيدات.
أما الدعاية فتريد دائمًا جوابًا واحدًا.
ولهذا لا أريد أن أعرف فقط من يقف خلف هذا المسؤول أو ذاك، ولا من يربح مباراة الأجنحة، ولا من يبقى في الحكم بعد 2029. أريد أن أعرف متى يصبح الجزائري قادرًا على معرفة كيف تصنع القرارات باسمه. أريد أن أعرف متى يستطيع المغربي أن يدخل الجزائر والجزائري أن يدخل المغرب من دون أن يتحول جواز السفر إلى ورقة سياسية.
أريد أن أعرف متى نكف عن توريث أبنائنا عداوات لم يختاروها.
لقد عاش المغرب والجزائر ما يكفي من الزمن داخل متحف النزاعات القديمة.
القضية ليست أن ينتصر المغرب في الرواية أو تنتصر الجزائر في الرواية. القضية أن نخرج أصلًا من الرواية التي لا تسمح لأحد بالانتصار.
وإذا استمرت المنطقة في السير بالطريقة نفسها، فقد يأتي يوم لا يسأل فيه المؤرخون: لماذا اختلف المغرب والجزائر؟
بل سيسألون السؤال الأكثر إحراجًا:
كيف استطاعت دولتان تملكان كل هذه الجغرافيا والثروات والتاريخ والمجتمع المشترك أن تهدرا كل هذه العقود في إقناع شعبيهما بأن الجار هو المشكلة؟
عندها لن ينفع أي بيان أمني، ولن ينفع أي خطاب عن المؤامرات، ولن تنفع كل انتصارات مواقع التواصل.
لأن الهزيمة الكبرى ستكون قد حدثت فعلًا: أن يعتاد شعبان القطيعة إلى درجة أن تبدو لهما طبيعية.
وأنا أرفض أن أعتبر هذا طبيعيًا.
الكاتب المغربي عبده حقي







0 التعليقات:
إرسال تعليق